(121)
بين الافراد في الاسلام اذن ، يقع ضمن الطبقة الواحدة ، وليس بين الطبقات المتعددة. ولاشك ان التفاوت بين الدرجات ضمن الطبقة الواحدة اكثر عدلاً واقرب الى الواقع الانساني من التفاوت بين الطبقات الرأسمالية المختلفة ، كالطبقة العليا ، والطبقة المتوسطة ، والطبقة الفقيرة المعدمة. وهذا التفاوت بين الدرجات ضمن الطبقة الواحدة اقرب الى النظرية الاسلامية من نظام تعدد الطبقات الظالم.
     وبطبيعة الحال ، فان الاسلام وضع لتسديد منهجه في تضييق الفوارق الطبقية ضوابط دقيقة ؛ حيث قرر ـ اولاً ـ اشباع جميع حاجات الافراد الاساسية بما فيه الكفاية من حيث المأكل ، والملبس ، والمسكن ، والخدمات الصحية ، وخدمات النقل العام. وقرر ـ ثانياً ـ ان للفقراء حقاً في اموال الاغنياء. ففرض ضرائب على الثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية والنقدية ؛ وبذلك تعامل الاسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية هادفاً ازالة اسباب الفقر والحرمان ، محاولاً اقتلاع جذور الفساد الاقتصادي الذي عانت منه البشرية لقرون طويلة. فالزكاة ، وهي الضريبة المحددة بنسبة مئويّة في الانعام الثلاثة : الابل والبقر والغنم ، وفي الغلات الاربع : الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وفي النقدين : الذهب والفضة ، تشبع الفقراء من المأكل والملبس وتسد حاجاتهم الاساسية الاخرى. والخمس ، الذي هو اخراج عشرين بالمائة من الواردات السنوية ـ خمس الغنيمة كانت او خمس الفائدة او الربح ـ يشتمل على عدة مصادر منها ، اولاً : المعادن المستخرجة من الارض بضمنها النفط والكبريت. ثانياً : ما يفضل من مؤونة سنة الافراد. ثالثاً : ما يخرج من البحار وما يعثر عليه من الكنوز. وهذا المقدار


(122)
من الثروة الاجتماعية يغطّي حاجات الفقراء الواسعة ، ويرفع من مستواهم ويمنحهم فرصاً للعمل والانتاج ، ويساعد الدولة على بناء المدارس والمستشفيات ووسائل التدريب والتأهيل الاجتماعي. هذا اضافة الى ان الضرائب التي فرضها الاسلام كالصدقة الواجبة والكفارات والاضحية ، والضرائب التي شجّع الافراد على دفعها بدافع الاستحباب كالصدقة المستحبة والانفاق في سبيل الله ، ترفع حوائج المعدمين وتسد رمقهم وتشبعهم. وبالاجمال ، فان المجتمع الاسلامي يصرف اكثر من خمسة وعشرين بالمائة من وارداته على الطبقة الفقيرة في سبيل رفعها الى مستوى الطبقة الاجتماعية الواحدة التي يهدف الاسلام خلقها في المجتمع الانساني. وهذا الوارد الضخم الذي يخرج من جيب الطبقة الغنية ليدخل في دخل الطبقة الفقيرة ، يساهم مساهمة عظيمة في تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد حتى يمحيها محواً من الخارطة الاجتماعية ، ويضع بدلها نظاماً انسانياً عادلاً مؤلفاً من طبقة موحدة مختلفة الدرجات ؛ بينما يصرف النظام الرأسمالي اثنين بالمائة فقط من وارداته على الفقراء كاعانات غذائية لاشباعهم ، او صحية لمنع تفشي الامراض بينهم. وان نظاماً كالاسلام يصرف ربع واردات افراده ومعتنقيه على الفقراء جدير بان يحقق اعلى درجات العدالة الاجتماعية في المجتمع البشري وجدير بقيادة العالم والبشرية المعذبة بعذاب الجوع والفقر والمرض نحو شاطئ الامان والعدالة والاستقرار الاجتماعي.
     ووجود طبقة اجتماعية واحدة مختلفة الدرجات يحفّز العامل الذاتي لدى الافراد ، للاندفاع نحو العمل وبذل الجهد ، وتحصيل درجة اعلى في الطبقة


(123)
الواحدة المرجوّ نموّها. وهذا لايمثل نهباً لاموال الفقراء ، كما يحصل في النظام الرأسمالي (1) ، بل تشجيعاً لعمل العامل ومكافأة لجهده ومهارته في خدمة المجتمع والنظام الاجتماعي. ولا يؤدي وجود طبقة واحدة الى تقاعس العاملين ، كما تزعم الفكرة الرأسمالية (2) ، بل ان اختلاف الدرجات ضمن الطبقة الواحدة يحفّز العمال على العمل والانتاج. وفي هذا الجو العام المليء باسباب التفاؤل والاستبشار يشعر الجميع بالمعنى الحقيقي للمساواة الاجتماعية والإخاء الانساني الذي يمثله الاسلام كتشريع الهي مصمم بالخصوص لسعادة الانسان وبناء الفرد والنظام الاجتماعي ، ضمن الصورة العبادية التي تربط الفرد بخالقه العظيم.
     وهكذا تخالف النظرية الاجتماعية الاسلامية النظرية الرأسمالية القائلة بان انعدام العدالة الاجتماعية لها نواح ايجابية نافعة للنظام الاجتماعي (3) ؛ لانه لايمكن تبرير انعدام العدالة باية منفعة اجتماعية تصب في صالح احدى الطبقات الرأسمالية ، حتى لو كانت تلك المنفعة متعلقة بتحفيز العمل وزيادة الانتاج. والا ، فما معنى زيادة الانتاج الصناعي في الوقت الذي تجوع فيه طبقة اجتماعية بكافة افرادها وتحرم من ابسط قواعد العيش الانساني الكريم ؟ وهو تناقض واضح بين الايجابية المزعومة والعدل الاجتماعي. ولذلك فان الاسلام يرفض هذه الفكرة القائلة بان انعدام العدالة الاجتماعية
(1) (جورج كيلدر). الثروة والفقر. نيويورك : الكتب الاساسية ، 1981 م.
(2) (دانيال روسيدس). النظام الطبقي الامريكي. بوستن : هوتن ميفلين ، 1976 م.
(3) (دنيس رونك). « النظرية التوفيقية في انعدام العدالة الاجتماعية : بعض الملاحظات المهملة ». مقالة علمية في (المجلة النقدية لعلم الاجتماع) ، عدد 24 ، 1959 م. ص 772 ـ 782.



(124)
يمكن جبره بزيادة الانتاج. وعلى ضوء ما ذكرناه ، فان الاجر والمكافأة في الدولة الاسلامية ينبغي ان يحدد من قبل لجنة دائمية تشكل لمراقبة الاعمال والخدمات التي يقوم بها الافراد ، وذلك بملاحظة الوضع العائلي للفرد العامل من حيث عدد افراد عائلته والمستوى المعاشي في المنطقة التي يسكن فيها ، وامتلاكه السكن ووسيلة النقل ؛ وعلى ضوء ذلك تحدّد اللجنة حدّاً ادنى وَحَدّاً اعلى للاجور. فاذا كان عمل الطبيب يمثل الحد الاعلى للاجور مثلاً ، وعمل الحذّاء يمثل الحد الادنى ، فعلى اللجنة ان تلاحظ ان الدولة يجب ان تضمن سد حاجة الحذاء اذا كان وارده لا يتناسب مع حاجيات افراد عائلته ، آخذة من الطبيب الحق الشرعي الخاص بالفقراء وهو عشرين بالمائة من فائض مؤونة سنته لسد حاجة ذلك الفقير. وبهذه الطريقة تضمن النظرية الاسلامية حق الافراد في الاندفاع نحو العمل والابداع ، وحق الفقراء الذين يخونهم التوفيق في النجاح العملي لضمان مستوى كريم للعيش. وبهذا الاسلوب تضيّق النظرية الاجتماعية الاسلامية الفوارق الطبقية ، وتفسح المجال للفقير بالنهوض الى مستوى الطبقة الاجتماعية الواحدة المؤمّل فيها ضم كل افراد المجتمع الاسلامي الكبير.
     ولا شك ان اقرار الاسلام بالمساواة التامة في دفع المكافأة الاجتماعية لكل الافراد ـ مهما كان لونهم او جنسهم ـ يساعد على زيادة الانتاج الاجتماعي ، ويساهم في تمتين الاواصر النفسية بين العاملين. فالفرد ذو البشرة البيضاء لا يختلف عن نظيره من ذوي البشرة السوداء او الصفراء ، بل ان الكل سواسية امام رب العمل ، والمقياس في دفع الاجر هو الجهد المبذول وقيمة العمل ؛ وهذا هو عين المساواة. فقيمة عمل تصليح حاسب


(125)
الكتروني مثلاً تختلف عن عمل قطف الاثمار ، حيث ان عملية تصليح الحاسب الالكتروني تحتاج الى فترة دراسة وتدريب للفرد الخبير ، بينما لا يحتاج قاطف الاثمار الى كل ذلك. وعلى هذا الاساس فان اجرة الخبير في تصليح الحاسب الالكتروني ستكون حتماً اعلى من اجرة قاطف الاثمار ؛ وهو حق يقرّه العرف العقلائي في كل المجتمعات. وهذا الفارق في دفع الاجور انما يمثل فارقاً في الدرجة وليس فارقاً في الطبقة الاجتماعية. وهذا مهم في بناء العدالة بين الافراد ، لان الفارق في الدرجة الاجتماعية غير الفارق في الطبقة الاجتماعية. فالاول يقرّه النظام الاسلامي ، والثاني يقره النظام الرأسمالي. والفارق بين النظامين هو الفارق بين وجود العدالة الاجتماعية وبين انعدامها.


(126)
على اي اساس يتم التفاضل ؟
     ويختلف المجتمع الانساني في نظرته الى الافراد ، والتمييز والتفاضل بينهم. وعلى ضوء ذلك الاختلاف ، ينقسم المجتمع البشري الى قسمين. ففي بعض المجتمعات يتم التمييز في المكافأة ، على اساس اللون والجنس والمنشأ. وفي البعض الآخر يتم التمييز في المكافأة والتفاضل على اساس العلم والمهارة والجهد. وقد حرم الاسلام التفاضل القائم على الاعتبار الاول ، وشجع التمييز القائم على اساس الاعتبار الثاني. ومنشأ تحريم التفاضل على اساس لون البشرة كالابيض والاسود ، او جنس الانسان كالذكر والانثى ، او منشأ الفرد كالمولود في الريف والمولود في المدينة ان هذه المقاييس تتنافى مع العدالة الاجتماعية التي يقرها الدين. ولو كانت هذه الاعتبارات مقياساً صادقاً للتفاضل بين الافراد لما شاهدنا العيوب الاجتماعية التي تعيشها الانظمة الرأسمالية ، لان النظام الاجتماعي يفشل ـ حينئذ ـ في تنظيم العلاقات الاجتماعية بشكل ينسجم مع طبيعة الانسان في التعاون والتآزر والاجتماع وتضافر الافراد على خدمة بعضهم البعض.
     ولكن التفاضل الذي يقره الاسلام ويشجع افراده على ممارسته هو التفاضل القائم على اساس بذل الجهد وقيمة العمل. ولما كانت قابليات الافراد في التحصيل والفهم والادراك متفاوتة ، كان تمايز الافراد من الناحية العلمية الاكتسابية امراً حتمياً. ومثال ذلك ، اننا لو تصورنا مسيرة عدة


(127)
افراد من المرحلة الدراسية الابتدائية ولحد مرحلة الدراسات الجامعية العليا ، ثم تبين لنا ان احدهم قد ترك التحصيل الدراسي من نهاية المرحلة الابتدائية ليشتغل بالحدادة وهي عملية تتطلب جهداً بدنياً لا جهداً ذهنياً ولا مسؤولية استثنائية ، وآخر حصل على اعلى شهادة جامعية في جراحة القلب مثلاً وهي مهنة تتطلب جهداً استثنائياً تتعلق بارواح مرضى الناس ؛ فالتفاضل هنا بين الحداد وجراح القلب يمثل التفاضل بين الجهد العملي والجهد العلمي. ولاشك ان الجهد العلمي اميز وافضل من الجهد العملي وعليه يكون مبدأ دفع المكافأة الاجتماعية. ولذلك فان الطبيب الجراح يستحق اجوراً اعلى من اجور العامل غير الماهر. وافضل ما يسلط الضوء الكاشف على الفارق بين الطاقات البشرية وقابلياتها على الانتاج ، قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَينِ اَحَدُهُما اَبكَم لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ وَّهُوَ كَلٌّ عَلى مَولاهُ اَينَما يُوَجِّههُ لا يَأتِ بِخَيرٍ هَل يَستَوي هُوَ وَمَن يَّأمُر بِالعَدلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُّستَقيمٍ ) (1).
     ولا شك ان الفرد العاطل عن العمل اختياراً لابد وان يكافأ مكافأة تقل عن ذلك الذي يبذل جهده ويصب عرقه في سبيل الانتاج. فقد ورد في بعض الروايات ان للحاكم الشرعي الحق في حبس البطال ، او العاطل عن العمل اختياراً حتى يثوب الى رشده ويعود الى الانتاج. ولكن ، ونحن نتكلم على مستوى العمل والاجر ، فلا بد من ضمان اجر الفرد العاطل عن العمل لظروف خارجة عن ارادته. وعلى نفس المستوى ، لابد ايضاً من زيادة
(1) النحل : 76.


(128)
المكافأة الاجتماعية للعامل الماهر في عمله ، ان كانت مهارته اكتسابية او الهامية.
     وبالاجمال ، فان التفاضل بين الافراد على اساس الجهد وقيمة العمل اصل مشروع وقاعدة عامة لتنمية المواهب والطاقات الخلّاقة ، شرط ان لا يخرج ذلك عن اطار العدالة الاجتماعية في سد الحاجات الاساسية لكل افراد النظام الاجتماعي.


(129)
تعـريف الفـقر وتحديـد
الفـقراء في النـظام الاسـلامي
     ويضع الاسلام خطاً واضحاً للتفريق بين الفقراء والاغنياء ، ويجعل مقياس الفقر والغنى ، المؤونة السنوية. فالمؤونة السنوية هي ما يكفي الفرد وعياله من المواد الغذائية الاساسية واللباس والسكن لمدة سنة. وليس للمؤونة والنفقة المستثناة من الضريبة الشرعية معنى خاص في الشريعة ، وانما يرجع في تحديدها الى العرف. بل الضابط ان لا يكون انفاق الفرد تبذيراً واسرافاً ، وانما ينبغي فيها ملاحظة الاعتدال. ويدخل فيها بالاضافة الى المواد الغذائية واللباس والسكن ، ما يحتاجه في السفر وخدمة ضيوفه ، وتقديمه الهدايا ، وتزويج اولاده. ولا شك انه لا يمكن « الاحاطة ببيان ذلك جميعه ، خصوصاً مع ملاحظة الاشخاص ، والازمنة والامكنة ، وغيرها ، فالاولى ايكال [ معرفة النفقة ] الى العرف ، كايكال [ معرفة ] العيال اليه » (1).
     وبتعبير آخر ، فان الفرد الذي لا يملك مؤونة سنته اللائقة بحاله له ولعياله يعتبر من الناحية الشرعية والقانونية فقيراً ، ومن يملك مؤونة سنته يعتبر من الناحية الشرعية غنياً. اما المسكين فهو من لا يملك شيئاً من المال
(1) الجواهر ج16 ص59.


(130)
ويعتبر اسوأ حالاً من الفقير. وقيل ان الفقير لا يسأل الناس اشباع حاجته بينما المسكين يسأل. ولا شك ان الفرد الذي يملك كمية من المال ـ كرأسمال ـ ولكن لا تكفيه لمؤونة سنته ، يعتبر فقيراً ايضاً ويجوز له استلام الحقوق الشرعية. اذن ، فكل فرد في المجتمع الاسلامي مضمون ـ نظرياً ـ من الناحية المعيشية لمدة سنة ، فاذا دخلت السنة الجديدة وليس لديه وعائلته ما يكفيهم ، عندئذ يحق له اخذ ما يكفيه مع من يعيلهم من الموارد المالية الشرعية لسنة اخرى ، وهكذا الى ان يتبدل وضعه الاقتصادي فيصبح غنياً. وهذا الضمان المالي يشبع حاجات الطبقة الفقيرة ثم يرفعها الى مستوى عامة الناس ، وهي الطبقة المتوسطة في النظام الاجتماعي الاسلامي.
     وبطبيعة الحال ، فان النظرية الاجتماعية الاسلامية لا تلوم الفقراء على فقرهم ولا تلزمهم مسؤولية تحميل الآخرين كأهل الانفاق ، بل ان الاسلام ينظر ضمن منهجه الاجتماعي الشامل الى الفقراء نظرة مملوءة بالرحمة والمساواة باعتبار انهم افراد خانهم التوفيق في التكسب ، ويؤكد ان للفقراء حقاً ثابتاً في اموال الاغنياء ، كما ورد عن الامام الصادق (ع) : « ان الله تبارك وتعالى شرك بين الفقراء والاغنياء في الاموال ، فليس لهم ان يصرفوا الى غير شركائهم » (1). فكما ان معدة الانسان لا تتسع لكل ثمار الارض حتى لو اشتهت نفسه تناول كل تلك الثمار ، وان رئتيه لا تتسع لهواء الكون حتى لو رغب استنشاق كل ذلك الهواء ، كذلك المال والثروة فان شهوة الانسان للمال لا يحدّها حدّ عرفي او اجتماعي ، الا ان الاسلام هذّبها بقسر الاغنياء
(1) الوسائل ج4 ص148.