(41)
النظرية الرأسمالية. وقد قدم الاسلام منهاجاً واضح المعالم لتحقيق فكرة (العدالة الاجتماعية) ؛ فاعلن مبدأ اشباع جميع حاجات الافراد الاساسية بما فيه الكفاية ، وقرر ان للفقراء حقاً معلوماً في اموال الاغنياء ، واعلن ايضاً مبدأ المساواة في العطاء ، ومبدأ ان الاجر على قدر الجهد ونوعية العمل المنجز. ولاشك ان الضرائب الاسلامية الواجبة كالزكاة والخمس والصدقة الواجبة والكفارات والاضحية ، والضرائب المستحبة كالصدقة المستحبة والانفاق في سبيل الله تصل كلها الى اكثر من خمسة وعشرين بالمائة من واردات الافراد ؛ انما تصرف على الفقراء لرفع مستواهم الى مستوى الطبقة العامة التي يتمتع بها الناس في المجتمع الاسلامي. بينما يصرف النظام الرأسمالي اثنين بالمائة فقط من وارداته على الفقراء كاعانات غذائية لاشباعهم ، او صحية لمنع تفشي الامراض بينهم.
     وبذلك ، فان النظرية الاسلامية تعارض بكل قوة مبادئ النظريات الاجتماعية الغربية الزاعمة بان انعدام العدالة الاجتماعية لها نواح ايجابية نافعة للنظام الاجتماعي ؛ لانه لايمكن تبرير الظلم الاجتماعي باية منفعة اجتماعية اخرى. الا ان التفاضل الاجتماعي في الاجور ينبغي ان يتم ضمن الضوابط العقلائية والاخلاقية التي يقرها المجتمع الكبير.
     ولا شك ان دعوة الاسلام الافراد لتحريك ما لهم الصامت ، وان تنوع مصادر الحقوق الشرعية كالثروة الحيوانية والزراعية والنقدية ، يزيدان من فرص تنشيط النظام الاقتصادي من جهة ، ويزيدان من فرص ذهاب الثروة الى مستحقيها واشباعهم اشباعاً حقيقياً من جهة اخرى. أضف الى ذلك ، فان تحديد مسؤولية رب الاسرة حول النفقة والولاية الاسرية يفتح آفاقاً لتنظيم شؤون العمل في المجتمع ، لان اهتمام المرأة بدورها في البيت سيوفر فرصاً اكبر لارباب العوائل بالعمل لاشباع حاجات عوائلهم. كل ذلك ، اذا تم ضمن الاطار الاخلاقي الذي جاء به الاسلام ـ خصوصاً على صعيدي القناعة الذاتية بالرزق والنهي عن التبذير ـ فانه يضع الاسلام على قمة الانظمة الدينية والاجتماعية التي تعالج باسلوب واقعي قضية (العدالة الاجتماعية) ، وتحاول تنظيم حركة الاموال في النظام الاجتماعي بحيث يؤدي الى صياغة اسس طبقة اجتماعية واحدة عادلة متعددة الدرجات ، ويلغي في الوقت نفسه نظام الطبقات الرأسمالي الظالم.


(42)

رأي المدرسة التوفيقية ونقدها * رأي المدرسة الماركسية (مدرسة الصراع الاجتماعي) ونقدها * رأي المدرسة التوفيقية ـ الماركسية ونقدها * نظرية ماكس وبر والرد عليها * نقد مفهوم العدالة الاجتماعية في النظام الرأسمالي الامريكي : 1ـ الثروة 2 ـ مصادر القوة 3 ـ المنزلة الاجتماعية * نقد النظام الطبقي الامريكي * الآثار المترتبة على تطبيق النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة * «الحلم الامريكي» وارتباطه بتغيّر الادوار الاجتماعية * الفقر والفقراء في النظام الرأسمالي * الطبقية في النظام الرأسمالي البريطاني * الاسباب الداعية لاستمرار الظلم الاجتماعي : 1ـ السيطرة على منابع القوة 2 ـ النظام الفكري لطبقة الاقوياء.



(44)


(45)
اشـارة
     لما كانت العدالة الاجتماعية من اهم الاركان التي يبتنى عليها النظام الاجتماعي ، فقد كانت مناقشتها ضمن الاطار الموضوعي العام للنظرية الاجتماعية ضرورية للغاية ، في فهم جوهر النظام الاجتماعي الرأسمالي والاهداف المتوخاة من تطبيقه على الافراد. وعلى ضوء ذلك فسوف ندرس افكار المدرسة التوفيقية ، ومدرسة الصراع الاجتماعي ، ومعتقدات (ماكس وبر) ، والتطبيقات المتمخضة عن هذه النظريات.
     ونقصد بالمدرسة التوفيقية : افكار مجموعة كبيرة من مفكري النظرية الاجتماعية الغربية المعاصرة ، التي لاترى مبرراً للصراع الاجتماعي تحت ظل النظام الرأسمالي القائم اليوم ، امثال (هربرت سبنسر) ، و (اميلي ديركهايم) ، و (تالكوت بارسنس) ونحوهم. وتعتقد هذه المجموعة من المفكرين وعلماء الاجتماع بان المؤسسات الاجتماعية القائمة تساند بعضها بعضاً من اجل خدمة الفرد في النظام الاجتماعي. وليس هناك موجب لنقدها او محاربتها. وقد جمعنا آراءهم تحت عنوان المدرسة التوفيقية ، لان نظرياتهم لم تتميز عن بعضها البعض بالاصالة.


(46)
رأي المدرسة التوفيقية
     يفترض رواد المدرسة التوفيقية ان انعدام العدالة الاجتماعية بخصوص اجور العمل والمكافأة لها نواح ايجابية نافعة للمجتمع (1). فاذا اريد للمجتمع الانساني التكامل من حيث العمل والانتاج والابداع ، فما على افراده الا القيام بادوار مختلفة لخدمة النظام الاجتماعي ، على اساس المهارة الشخصية والابداع. ولما كانت هذه الادوار تتطلب جهداً جسدياً وفكرياً وتضحيةً في الوقت والطاقة البشرية ، فالمفترض عقلياً ان الذي يقوم بهذه الادوار يكافأ مكافأة مالية ، تغريه بالانخراط بذلك العمل ، وتشجعه على القيام بذلك الدور. فاذا كان الطبيب اكثر نفعاً في المجتمع ـ مثلا ـ من معلم المدرسة ، فعلى المجتمع مكافأة الطبيب مكافأةً تفوق مكافأته للمعلم ، من الناحيتين المالية والاجتماعية. واذا اقر المجتمع مثلا بافضلية عمل المهندس ودرجة منفعته للنظام الاجتماعي من عمل الفلاح ، استحق ذلك المهندس اجوراً اعلى ومنزلةً ارفع من زميله الذي يمارس حرث الارض. وهذا التوزيع غير المتكافىء للثروة والمكافآت الاجتماعية ضروري ـ حسب رأي المدرسة التوفيقية ـ في ثبات استقرار النظام الاجتماعي ؛ لان المال والمكافأة الاجتماعية ، هما اللذان يجذبان الافراد نحو الاعمال التي تتطلب جهداً
(1) (اميلي ديركهايم). تقسيم العمل في المجتمع. جلينكو. الينوي : المطبعة الحرة ، 1964 م. الطبعة الاصلية عام 1893 م.


(47)
اشد من بقية الادوار الاجتماعية الاخرى. وهكذا يكون انعدام العدالة الاجتماعية نتيجة حتمية لثبات واستقرار النظام الاجتماعي (1).

نقد رأي المدرسة التوفيقية
     ولا شك ان رأي المدرسة التوفيقية بخصوص ارتباط الدور الاجتماعي الذي يقوم به الفرد بالمكافأة المالية التي يستحقها ، مهم جداً في تحليل التفاوت الواسع في نظام الاجور والمكافأة الاجتماعية في النظام الرأسمالي (2) ؛ ولكن نظرة فاحصة على موقف المدرسة التوفيقية ، تبين لنا خطأ ما وصلت اليه النظرية الرأسمالية من استنتاجات باطلة ، نحاول توضيحها بالنقاط التالية :
     اولا : ان اختلاف المكافآت الاجتماعية تبعاً لقيمة العمل ونفعه للنظام الاجتماعي أمر يتناسب مع الواقع الانساني ، ولكن ينبغي ان يتم ضمن ضوابط العدالة الاجتماعية التي تهملها النظرية التوفيقية. فكيف نقبل بتخفيض اجرة العامل الزراعي مثلاً الى عشر ما يقبضه المهندس الزراعي ، مع ان كليهما يقدم خدمة نافعة للانتاج الزراعي ؟ نعم ، لابد في تحديد اجور العاملين ملاحظة السنوات التي يقضيهاالخبير في المعاهد العلمية ،
(1) (كنزلي ديفز) و (ولبرت مور) : « بعض مبادئ انعدام العدالة الاجتماعية». مقالة علمية في مجلة (العلوم الاجتماعية الامريكية). عدد 50 ، 1945 م. ص 432 ـ 437.
(2) (بيتر بلاو) و (اوتيس دودلي دونكان). التركيبة الوظيفية الإمريكية. نيويورك : وايلي ، 1967 م.



(48)
واحتسابها ضمن اجرة العمل الاضافية. ولكن ينبغي في الوقت نفسه ضمان الحد الادنى للاجور التي تضمن معيشة كريمة للعامل غير الخبير.
     ثانيا : ان انعدام العدالة الاجتماعية لا يؤدي الى ثبات واستقرار النظام الاجتماعي ؛ بل بالعكس. فكلما كانت الفوارق الطبقية شاسعة البون ، قبع النظام الاجتماعي على فوهة بركان يستعد للانفجار ؛ لان الظلم الاجتماعي يؤدي الى اختلال الموازين الاساسية في اشباع حاجات الافراد وتمتعهم بالثروات الاجتماعية ، والى اضطراب التعامل البناء بين افراد الطبقات. فالعدالة الاجتماعية اذن ـ لا انعدامها ـ هي امضى سلاح لتثبيت النظام الاجتماعي ، بكافة اطرافه السياسية والاقتصادية والصحية والثقافية.
     ثالثاً : ان المكافآت الاجتماعية في النظرية الرأسمالية تتناسب مع حجم منفعة العمل للنظام الاجتماعي. وعلى ضوء ذلك ، فان اجرة الطبيب مثلاً اعلى من اجرة المعلم ، لان الطبيب يقضي فترة اطول للتدريب على ربط النظريات التي درسها بالجانب التطبيقي من المعلم. ولكن ، كيف تفسر النظرية التوفيقية ، اجور نجوم الرياضة والفنون الاعلامية والموسيقية ، التي تتجاوز اجور الاطباء والمهندسين في النظام الرأسمالي (1). فأيهما أنفع للنظام الاجتماعي : الطب ام المسابقات الرياضية التجارية مثلاً ؟ وأيهما اجدر بالمكافأة النوعية : الذي يمارس الهندسة ام الذي يقوم بالغناء ؟ وأيهما افضل من الناحية الانتاجية للأفراد : صناعة اجهزة النقل ام صناعة آلات اللهو ؟
     رابعا : اذا كانت المكافآت الاجتماعية تتم على حساب نفع العمل للنظام
(1) (دوناد بول) و (جون لوي). الرياضة والنظام الاجتماعي. ريدنك ، ماساشوستس : اديسون ـ ويسلي ، 1983 م.


(49)
الاجتماعي ، فلماذا تختلف اجور نفس العمل المنجز من قبل افراد يختلفون باللون والجنس ؟ ولماذا يدفع للمواطنين السود في امريكا ، وافريقيا الجنوبية مثلاً ، اجر اقل ، لنفس العمل المنجز من قبل نظائرهم من المواطنين البيض (1) ؟ أليس ذلك اخلالاً بالمساواة بين طاقات الأفراد وابداعاتهم عن طريق النظر الى منشأهم ولون بشرتهم ، لا النظر الى نوعية عملهم ونفعه للنظام الاجتماعي ؟
     خامسا : ان الاعمال اليدوية او الميكانيكية غالباً ما تنحصر ضمن طبقة معينة لاجيال عديدة. فالعائلة الفلاحية مثلاً ، ترث العمل الزراعي جيلاً عن جيل. والعائلة التي تهتم بالمهنة اليدوية التي تتطلب مهارة نادرة ، تحافظ على بقاء تلك المهنة ضمن نطاقها العائلي سنوات عديدة. وبالاجمال ، فان الاغنياء والفقراء يتمسكون بادوارهم الاجتماعية ويحافظون على مردوداتها المالية ، قليلة كانت ام كثيرة ، مما يؤدي الى ثبوت خارطة العمل واستقرار الادوار الاجتماعية ، وارتباطها بالنظام الطبقي. فأجرة عامل منتوجات الخزف اليدوي مثلاً قليلة نسبة الى معدل دخل الافراد ، ولكن هذه المهنة تبقى ضمن العائلة من جيل الى جيل ؛ مع ان النظرية التوفيقية تؤكد على ان الفرد لا يقوم بالعمل الانتاجي ما لم يدفع له النظام الاجتماعي مكافأة مالية تغريه بالانخراط بذلك العمل ، وتدفعه للثبات على ممارسة تلك المهنة. ولكن ، كيف تفسر النظرية صمود العامل على البقاء في عمله النافع اجتماعيا مع علمه باجرته المالية القليلة ؟
     سادسا : ان قلة اجرة العامل الفقير لا تعني ان عمله قليل المنفعة للنظام
(1) (باري آدم). بقاء السيطرة : الاذلال والحياة اليومية. نيويورك : السفاير ، 1978 م.


(50)
الاجتماعي. فادباء المجتمع وعلماء الاديان مثلاً من الفقراء غالباً ، فهل يعني هذا ان عملهم قليل المنفعة للنظام الاجتماعي ؟ ألا يعد نشر العلوم والآداب بين الناس من ارفع الاعمال التي يقوم بها المصلحون ؟ اذن ، فان الاجر القليل لا يحدد قيمة العمل المنجز واهميته.