العـدالـة الاجتمـاعـية

وضوابط توزيع الثروة في الأسلام
(2)


(3)
بحوث في النظرية الأجتماعية الأسـلامية
ونقد النظرية الأجتماعية الغربية وتطبيقاتها


العَـدَالَـةُ الأِجِـتَمـاعِيَّـةُ
وضوابط توزيع الثروة في الإسلام


الدّكتورُ زُهير الأَعرجي


(4)


(5)
بسم الله الرّحمنِ الرّحيمِ
( وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلا النَّصارى حَتّى تتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدى وَلَئن اتَّبَعتَ أَهواءَهُـم بَعدَ الّذي جاءَكَ مِنَ العِلمِ ما لَكَ مِنَ الله من وَّليٍّ وَّلا نَصيرٍ ) البقرة : 120.


(6)


(7)
المقدمـة
     لا شك ان قضية العدالة الاجتماعية ترتبط بشكل او بآخر بصراع المصالح الفردية في النظام الاجتماعي ؛ بمعنى ان التنافس الشخصي للحصول على الثروات الاجتماعية والطبيعية هو الذي يؤدي الى إثارة قضية العدالة الاجتماعية على بساط البحث.
     ولما كانت العدالة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الصورة الكلية للعدالة الحقوقية ، كان لا بد من توزيع الثروة الاجتماعية توزيعاً يرتبط بالحقوق الواجبة بالاصل ، ولا يرتبط بالنشاطات الخيرية او الكرم العرفي او الصدقات المستحبة المخيرة. وبتعبير آخر فان تصميم حق ثابت واجب للفقراء في اموال الاغنياء انما يساهم ـ بشكل فعال ـ في اعادة توزيع الثروة الاجتماعية التي خلقها من البداية التفاضل التكويني او الاجتماعي بين الافراد. وهذا الاصل هو جوهر فكرة الرسالة الاسلامية حول (العدالة الاجتماعية) وامكانية تطبيقها في النظام الاجتماعي الاسلامي. فالصدقة المستحبة او الهدية او الانفاق المستحب ليست حقاً (مع تأكيد الاسلام المستمر عليها) ، الا ان الزكاة الواجبة والخمس وبقية الفرائض المالية في الاسلام تعتبر حقوقاً واجبة يلزم الفرد المكلف باخراجها على الصعيدين الشرعي والاخلاقي ، لانها لا تعتبر جزء من امواله الشخصية ، بل هي حقاً من حقوق الآخرين. وهذا الاطار الاخلاقي في اعادة توزيع الثروة الاجتماعية يعطي المبدع النشيط نحو اربعة اخماس من ثمار نشاطه


(8)
الاقتصادي ومكافآته المالية ويحجز اكثر من خمس تلك الثروة للفقراء.
     ولا شك ان التبادل الاجتماعي الاخلاقي بين الافراد ـ وهو التبادل الناتج عن ارجاع المنفعة التي يحصل عليها الفرد بطريق ما ـ يرتبط اصلاً بقضية (العدالة الاجتماعية). فالعدالة الاجتماعية تعني ايضاً بان الفرد انما يأخذ او يقدم للآخرين بما لا يتجاوز حدود المنفعة الشخصية لبقية الافراد. ولذلك كان الاجر العادل ، والسعر المناسب ، والتبادل المتوازن بين الافراد من اهم عناصر تحريك الثروة الاجتماعية في النظام الاجتماعي. على عكس الاحتكار ، والاستثمار الظالم ، والاجحاف باجور العمال ، وبخس حاجات الافراد المعروضة للبيع ؛ فهذه العوامل الاخيرة كلها تسبب ارباكاً للسوق التجاري في المجتمع والدولة. الا ان الحاجات المصنّعة تقيّم وتسعّر من قَبِل العرف الاجتماعي او النظام الاقتصادي نسبةً الى المهارة التي اعتصرت فيها ، والمسؤولية التي وضعت من اجل تصنيعها. ولذلك فان الاجر العادل ينبغي ان تناغم مع فكرة الوقت المصروف على انجاز تلك المهمة ، مضافاً اليها مهارة المنتج ومسؤولية المالك. والأجر ، والمادة المصنعة لهما علاقة مباشرة بموضوع سد حاجات الناس المختلفة.
     بيد ان فكرة (العدالة الاجتماعية) وملابساتها العقائدية هي التي اججت الصراع الفكري بين المدارس الاجتماعية الاوربية كنظرية (الصراع الاجتماعي) ، ونظرية (توماس هوبس) ، ونظرية (القانون الوضعي) لـ (كروتيوس). فنظرية الصراع الاجتماعي اعتبرت ان (العدالة الاجتماعية) انما تعتمد على صراع المصالح الاقتصادية في المجتمع ، وان القانون يعكس مصالح الطبقة الحاكمة فحسب. الا ان (توماس هوبس) زعم بان (العدالة


(9)
الاجتماعية) او (الظلم الاجتماعي) انما هو نتيجة من نتائج القوة الاكراهية التي تستطيع ان تفرض الالزام على الافراد بغض النظر عن مشاعرهم الرافضة او المؤيدة للدولة.
     ولعل اكثر النظريات الغربية جرأةً وتحدّياً للكنيسة النصرانيّة في القرن السابع عشر افكار نظرية (القانون الوضعي) لـ (كروتيوس) (1) التي ادعى فيها بانه لو افترض نفي الوجود المطلق ، كان لابد للأفراد من الالتزام بقانون الطبيعة ؛ لان هذا القانون الطبيعي مشتقّ من طبيعتين انسانيتين هما : الاجتماع ، والعقلانية. ولذلك ، فلا بد ان يكون وراء القانون الطبيعي قانون آخر وهو قانون العدالة الاجتماعية. والى ذلك اشار (جون لوك) بان القانون الطبيعي انما هو تجربة انسانية لعدالة القانون الوضعي.
     الا ان هذه النظريات الغربية بهفواتها الواضحة لم تستطع ان تعرّف لنا معنىً مفصّلاً لفكرة (العدالة الاجتماعية). والالزام الشخصي لا يكفي في تحقيق تلك العدالة ما لم يلازم ذلك الالزام الزامٌ آخر اسمىِ بل اكثر وضوحاً ، وهو الالزام الديني بما فيه من مسؤليّةٍ وجهدٍ وجزاءٍ.
     ان هذا البحث يتناول جزءً من الابعاد الاجتماعية للنظرية الدينية ، خصوصاً المدرسة الفقهية الامامية فيما يتعلق بمفاهيم العدالة الاجتماعية ، التي كانت محطّ انظار الكثير من النظريات الاجتماعية الحديثة. ولاشك اننا لانستطيع ادارة المجتمع الاسلامي ما لم يكن لدينا تصور واضح عن فلسفة العدالة الاجتماعية في الاسلام ، وما لم تكن لدينا نظرية تطبيقية واضحة
(1) (ساندفورد لاكوف). المساواة في الفلسفة السياسية. كامبردج ، ماساشوستس : مطبعة جامعة هارفارد. 1964 م.


(10)
المعالم عن اسس توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد.
     وفي ختام هذه المقدمة ، فمن الضروري ذكر مسألتين مهمتين ، الاولى : منهج البحث. والثانية : بعض النقاط المتعلّقة بالكتاب نفسه.
     اما منهج البحث ، فقد قسمنا الكتاب الى قسمين : القسم الاول : يتناول النظام الاجتماعي الرأسمالي. ودرسنا فيه بالنقد العلمي موضوع العدالة الاجتماعية على الصعيد الحقوقي. وقد حاولنا نقد النظرية الاجتماعية الرأسمالية عن طريق دحض آرائها النظرية والتطبيقية ، حتى نمهّد الطريق لطرح النظرية الاجتماعية الاسلامية كبديل وحيد لاسعاد البشرية المعذبة بعذاب الظلم الاجتماعي ، الذي جلبته النظرية الغربية الرأسمالية الحديثة. فطرحنا في القسم الثاني من الكتاب موضوع العدالة الاجتماعية في النظرية الاسلامية. وتركنا للقارئ الكريم الحكم على صلاحيّة النظرتين لقيادة البشريّة. وكان تحيزنا في طيات الكتاب ، دائما مع الحق. وقبل ذلك تعرضنا إلى لمحة سريعة لـ (فلسفة العدالة الاجتماعية في النظرية الامامية) ، والى (محاولة ابتدائية لاكتشاف علم الاجتماع الاسلامي).
     وعلى صعيد النقاط المتعلقة بالكتاب ، فقد آثرنا درجها كما يلي :
     1ـ لما كان النظام الرأسمالي لايمثل المؤسسة الاقتصادية فحسب ، بل المؤسسات الاجتماعية الاخرى ايضا ، فقد اطلقنا على كلّ المؤسسات الاجتماعية التي يديرها المؤمنون بالنظرية الرأسمالية ، بـ «النظام الاجتماعي الرأسمالي». لان الثروة والمال ، وميكانيكية التسعير ، والانتاج من خلال العرض والطلب في الاسواق التنافسية ، ونظام التوزيع ، وامتلاك وسائل الانتاج وارتباطها بالمستهلك والمُنتِج والمستثمر والعامل والمشرع القانوني ؛