| تأليف | تعريب |
محمّد تقي فلسفي |
فاضل الحسيني الميلاني |
الطفل هو اللبنة الأولى في المجتمع ... إن أحسن وضعها بشكل سليم ، كان البناء العام مستقيماً مهما ارتفع وتعاظم ...
الطفل هو نواة الجيل الصاعد ، التي تتفرع منها أغصانه وفروعه ...
الطفل هو الرافد الذي يمد بركة المجتمع بالرصيد الاحتياطي دائماً.
وكما أن البناء يحتاج إلى هندسة وموازنة !
وكما أن النواة تفتقر إلى التربة والظروف المناسبة !
وكما أن الرافد يعوزه إصلاح وتنظيف مجارٍ !
كذلك الطفل فأنه يحتاج إلى هندسة وموازنة بين ميوله وطاقاته ، ويفتقر إلى تربة صالحة ينشأ فيها وتصقل مواهبه ، ويعوزه تنظيف لموارد الثقافة التي يتلقاها ، والحضارة التي يتطبع عليها ، والتربية التي ينشأ عليها !!!
إنه عالم قائم بنفسه ... يحمل كل سمات الحياة بصورة مصغرة ، في صخبها وأمنها ، في سعادتها وشقائها ، في ذكائها وبلادتها ، في صفائها وحقدها ، في تفوقها وتأخرها ، في إيمانها وجحودها ، في حربها وسلمها ...
*
*
وهذا ما أشغل العلماء والباحثين ، فراحوا يعدون البحوث ، ويلقون المحاضرات ، ويؤلفون الكتب ، ويوردون النظريات في مسألة ( تربية الطفل ).
ونشأ من بينهم عدة ترى أن سلوك الطفل مرتبط بالعوامل الوراثية التي يحملها بين جوانحه وفي ( كروموسوماته ) ...
ورأى عكس ذلك آخرون ، فأرجعوا كل أنماط السلوك الفردي والإجتماعي إلى البيئة والمحيط ، والتربية والتنشئة . وأنكروا كل أثر إلى الوراثة ينسب ... حتى أدعى العالم النفساني الأمريكي ( واتسون ) دعواه التي لم يسندها بدليل حيث قال :
« أعطني إثني عشر طفلاً ، وهيىء لي الظروف المناسبة ، أجعل ممن أريد منهم طبيباً حاذقاً ، أو أستاذاً قديراً ، أو مهندساً بارعاً ، أو رساماً ... وحتى لو شئت لصاً أو شحاذاً ... »
وبلغ الخصام بين هاتين المدرستين في علم النفس والتربية إلى أنك ما تكاد تفتح كتاباً يتناول موضوع التربية إلا وجدته إلى إحدى المدرستين يميل ، وعن أحد الرأيين يدافع ، مفنداً الرأي الآخر.
ولعلك تسأل : أي الرأيين أصح ؟ وأي العاملين في سلوك الطفل أهم : الوراثة أم التربية ؟!
فبدلاً من أن أجيبك على سؤالك هذا ، أسأل بدوري أيضاً :
أيهما أهم للسيارة : المحرك ، أم الوقود ؟!
*
*
والأصح ... مشكلة التربية !!
فما هو رأي الإسلام فيها ؟ وكم هي درجة خطورة الموقف في النظام الإسلامي الشامل ؟!
*
*
الجواب عن ذلك تكفل به الكتاب الذي بين يديك ، وهو معرب عن الفارسية . ولقد حاولت في التعريب أن أفي بالمقصود أكثر من تقيدي بالتعبير ، ووجدت من الضروري أن أضيف إلى الأصل بعض التعليقات التي لا بد منها للكتاب في شكله العربي ، وربما جاءت التعليقة ممزوجة بالأصل حيث يبدو تكثير الهوامش أمراً غير مستحسن.
وفي نهاية المطاف أرجو أن يسد هذا الكتاب فراغاً كانت تشكوه المكتبة الإسلامية حول المنهج التربوي للإسلام منذ أمد ...
كما نبتهل إلى العلي القدير في أن يوفقنا لخدمة الأمة الإسلامية ، ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه الخير والصلاح . إنه سميع مجيب.
|
فاضل الحسيني الميلاني |
قال الله تعالى في كتابه الكريم : (. . . كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)(1) .
تمهيد : وسائل القرب المعنوي من الله :
اليوم هو أول يوم من شهر رمضان المبارك ... شهر الرحمة ، شهر الغفران ، شهر الألطاف الإلهية الخاصة ... يجتمع المؤمنون والمقبلون على التعاليم الإسلامية القيمة في المساجد بشوقٍ ورغبةٍ شديدين ، ويقفون بين يدي الله تعالى وهم يؤدون الفرائض والسنن الإسلامية ويزدانون بطاعة الله والإنقياد إليه ، وبذلك ليتقربوا إلى الله العظيم زلفى ، ويتنعموا في هذا الشهر برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء.
ووسائل التقرب إلى الله عز وجل كثيرة ... كل عمل خيري يؤتى به لوجه الله يمكن أن يقربنا منه ، وكلما كانت قيمة ذلك العمل أغلى ، والإخلاص في نفس الشخص الذي يأتي به أكثر ، كانت دائرة التقرب إلى الله أوسع.
ربما يرغب الكثير منكم أن يعرف أي الأعمال أفضل في هذا الشهر العظيم كي يجد ساعياً في إتيانه والمواظبة عليه ، وبذلك ليحرز رضى الله وليتقرب منه زلفى.
إذا وجهنا هذا السؤال إلى الأفراد العاديين من المسلمين ، سمعنا أجوبةً مختلفةً عليه . فأحدهم يقول : أفضل الأعمال في هذا الشهر قراءة القرآن ، والآخر يقول : إنه إفطار الصائم ، ويرى آخرون : أفضل الأعمال هو صلة الرحم وعيادة المرضى ، ويظن طائفة : إنه تلاوة الأذكار والأدعية المأثورة ... والخلاصة أن كل شخص يتوسل بنوع من الأنواع الخيرة ويعتبره أفضل الأعمال في شهر رمضان.
ولننظر إلى ما يقوله الرسول الأعظم ( ص ) !!
التقوى :
في آخر جمعة من شعبان كان النبي ( ص ) يخطب في المسلمين وبين لهم واجباتهم في شهر رمضان ...
« قال علي : فقمت وقلت : يا رسول الله ، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال ( ص ) : الورع عن محارم الله » (1).
لقد رأينا أن أكثر الناس يبحثون عن أفضل الأعمال في جدول الأعمال الخيرة الإيجابية بينما نجد الرسول الكريم ( ص ) يلفت أنظار المسلمين إلى الجانب السلبي ويعرف أفضل الأعمال في شهر رمضان بالإجتناب عن المعاصي . ولا يخفى أن الملاك في التدين هو نظرة الشرع المقدس ، لا ما يظنه هذا ويراه ذاك . ولأجل أن نبين أهمية الإجتناب عن المعاصي في تحقيق السعادة البشرية ويتضح مغزى كلام النبي (ص ) بالنسبة إلى أفضل الأعمال في شهر رمضان نخصص محاضرتنا هذه بالذنب وآثاره الوضعية والشرعية.
إن التعاليم الاسلامية القيمة بشأن السعادة الإنسانية وبيان الخير والشر يطابق تماماً المنهج الطبي بشأن صحة الناس وسلامتهم ، ولذا فان النبي الأكرم ( ص ) كان في تحقيق التكامل المعنوي للبشر كالطبيب الحاذق الطاهر القلب على رأس المريض . وفي هذا الصدد يصفه الإمام علي ( ع ) بقوله : ـ
« طبيب دوار بطبه ، قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه ، يصنع ذلك حيث الحاجة إليه في قلوب عميٍ وآذان صم وألسنة بكم » (1) فيصف النبي ( ص ) بأنه كان طبيباً سياراً ، يحمل معه في حقيبته المعاجين اللازمة للتضميد والمعالجة ، فإذا وجد قلوباً عمياء ، أو أرواحاً صماء ، قام بمعالجتها وأنقذ الناس من الموت المعنوي والانهيار الخلقي.
معالجة الانحراف
:
للأطباء منهجان في معالجة المرض : أحدهما إيجابي ، والآخر سلبي.
فيقولون للمريض في المنهج الإيجابي : إحتقن بهذه الابرة . إستعمل هذا الكبسول ، إشرب من هذا الشراب ملعقةً واحدةً كل ثلاث ساعات . أما في الجانب السلبي فيقولون للمريض : لا تأكل العنب ، لا تشرب الخل . لا تستعمل الأكلات الدسمة ، وهكذا.
والمنهج الديني يشابه المنهج الطبيٍ تماماً ، فيقول للمسلم من جهة : أقم الصلاة ، أد الزكاة ، ليكن كسبك حلالاً ، تزوج ... إلخ ويقول له من جهة أخرى : لا تكذب ، لا تفحش ، لا تغتب ... فالجانب الايجابي في الدين يسمى بالواجبات ، بينما يطلق إسم المحرمات على الجانب السلبي.
وإذا ألقينا نظرةً فاحصةً على المنهج الطبي ، لوجدنا موضوع الوقاية من العدوى ، وترك القيام ببعض الأمور ( الحمية ) مهماً إلى درجة أن المريض لو لم يواظب على التوصيات اللازمة فالمعالجات الايجابية لا تنفعه أصلاً . إن أحسن عملية جراحية يقوم بها طبيب حاذق يمكن أن تصطدم بمشكلات جمة ـ وقد تكون فاقدة للأثر ـ إذا تهاون المريض في العمل بتوصيات الطبيب ، فقام ببعض الحركات الزائدة أو لم يتحفظ على الجرح من التلوث بالميكروبات مثلاً.
وحتى في الأمراض التي تنشأ من انحراف المزاج ، نجد أن عدم اعتناء المريض بما يجب أن يجتنب عنه ، يذهب بأثر معالجات طبيب حاذق وأما في
يقول الإمام موسى بن جعفر ( ع ) : « الحمية رأس الدواء » (1).
نستنتج مما تقدم : أن السلامة منوطة بالمواظبة على توصيات الطبيب ـ الايجابية منها والسلبية ـ ولكن النظرة الثاقبة ترينا أن أثر الجانب السلبي في العلاج أقوى من أثر الجانب الايجابي.
هدف القرآن :
وعلى هذا المنوال تنسج التعاليم الاسلامية نسجها في تحقيق السعادة المعنوية . فالانسان السعيد هو الذي يطبق التعاليم الايجابية والسلبية ... يأتي بجميع الفرائض ويترك جميع المحرمات ، ومع ذلك فان كفة الابتعاد عن الذنوب ( الجانب السلبي ) ترجح في ميزان السعادة البشرية على كفة الاتيان بالواجبات ( الجانب الايجابي ).
ومن هنا نجد أن القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام ، تعرف ( التقوى ) أعظم رصيد للسعادة ، وترى أن الغاية العظمى من القرآن وتعاليمه هي تربية الناس على التقوى ، فالتقوى بمعنى إجتناب المعاصي والابتعاد عنها ، و ( المتقي ) هو المجتنب عن المعاصي.
فليس صيام رمضان ـ وهو من أهم الفرائض الاسلامية ـ إلا مظهراً من مظاهر الاجتناب عن المفطرات بنية التقرب إلى الله تعالى ، ولقد أوجب الله الصيام على الأمم السالفة ، وعلى الأمة الاسلامية كي يتمرن الناس في هذا الشهر على الحصول على ملكة التقوى.
( ... كتب عليكم الصيام ، كما كتب على الذين من قبلكم ، لعلكم
1 ـ عن الإمام الصادق ( ع ) أنه قال : « فيما ناجى الله عز وجل به موسى ، ما تقرب إلي المتقربون بمثل الورع عن محارمي ... » (1) فلا يوجد عامل يقرب المتطهرين إلى الله مثل الاجتناب عن المعاصي.
2 ـ وعن علي ( ع ) : « إجتناب السيئات أولى من إكتساب الحسنات » (2).
3 ـ وعن الإمام علي بن الحسين ( ع ) : « من اجتنب ما حرم الله عليه ، فهو من أعبد الناس » (3).
4 ـ عن النبي صلى الله عليه وآله : « لرد المؤمن حراماً يعدل عند الله سبعين حجةً مبرورة » (4).
5 ـ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) : « غض الطرف عن محارم الله أفضل عبادة » (5).
6 ـ ولقد سبق أن نقلنا جواب النبي ( ص ) على سؤال علي ( ع ) حين سأله عن أفضل الأعمال في شهر رمضان فقال : « الورع عن محارم الله ».
إنهيار المجتمع :
إن إغلب المآسي التي تصيب الفرد أو المجتمع ناشئة من التلوث بالذنب والمعصية . والأمم التي انهارت انهياراً تاماً ، ولم يبق منها في التاريخ إلا اسمها ، كان السبب في ذلك عدم مبالاتها بالنسبة إلى الذنوب وهذا ما يؤكد عليه القرآن غير مرة :
« كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم » (1).
« أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين » (2).
« فأهلكناهم بذنوبهم » (3).
إن المآسي المختلفة التي تعلق بأذيالنا ـ شيوخاً وشباباً ـ وليدة التلوث بأنواع الذنوب واللامبالاة في ارتكاب المعاصي والمحرمات . كما أن المريض الذي يخالف أوامر الطبيب ويترك الحمية يبتلى ويجازى بأنواع المصائب والمشاكل الدنيوية والأخروية.
1 ـ «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا » (4)
2 ـ «لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم » (5)
3 ـ « ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم » (6)
ما هو الذنب :
الذنب عبارة عن مخالفة القوانين الآلهية ، واتباع الأهواء والرغبات التي تلح عليها النفس ، من دون رادع أو مانع . وكقاعدة أولية وأصلٍ ثابت يجب أن نقول : إنه مع غض النظر عن التعاليم الدينية ، فليس بإمكاننا متابعة الشهوة والرغبات النفسانية ، وإطلاق العنان للارادة النفسية بحرية كاملة . فهناك الموانع العديدة والحواجز القوية التي لا يمكننا أن نخترقها . وعلى سبيل المثال نشير إلى بعض الموانع بنماذج واضحة وأمثلة ساذجة يصادفها كل الأفراد في حياتهم اليومية.
جزاء التخلف عن القوانين :
(1) حمامة جائمة على سطح عمارة ذات أربعة طوابق من شارع وأنت واقف على سطح تلك العمارة أيضاً ... الحمامة تحاول الطيران إلى الجانب الآخر من الشارع لتنزل على سطح عمارة مقابلة ، ففي لحظةٍ واحدةٍ تحرك الحمامة جناحيها تطير ... وترغب أنت في ملاحقتها والطيران مثلها ، إلا أن رغبتك هذه تصطدم بمشكلة كبيرة ، هي أنك لا تملك وسائل الطيران ، ولا القدرة على مقاومة جاذبية الأرض ، فالقانون الطبيعي يمنعك من هذا التصميم . فإن لم تعتن إلى منع الطبيعة إياك عن الطيران وأردت أن تثور على قانون الطبيعة ، فبمجرد أن ترمي بنفسك من سطح هذه العمارة إلى جهة العمارة الأخرى ـ وقبل أن تبتعد من هذه العمارة بمقدار متر واحد ـ فإن جاذبية الأرض تسحبك إليها بأتم الخشونة والقوة وتريك جزاء تخلفك هذا ... وتطرحك على الأرض في الوقت الذي يتحطم فيه رأسك ويتلاشى مخك ، وتنهي بحياتك وهي تنطق بلسانٍ فصيح يعبر عن القانون الكوني العام : هذا جزاء المذنب والمتخلف عن السنن الكونية.
يتساوى جميع الناس في هذا الأمر : المؤمن والكافر ، الصائم والمفطر ، الشيوعي والرأسمالي . فالعقلاء لأجل أن لا يتخلفوا عن قوانين الطببيعة تنزلون ستين درجة من سلالم العمارة ، ثم يصعدون في سلالم العمارة المقابلة حتى يصلوا إلى سطحها ، فيثبتون ـ عملياً ـ إطاعتهم للقانون الكوني العام.
والطفل يرغب في القيام بالفعاليات والحركات الحرة بفطرته يحب أن يقبض بيده كل شيء ، يلمس كل شيء ، يعمل كما يريد ... لكنه سرعان ما يلتفت إلى أنه ليس حراً مطلقاً ، إنه يرغب كثيراً في ثدي أمه وهو مصدر غذائه ، لكنه عندما تتركه أمه أثناء ارتضاعه لتذهب وراء اعمالها يفهم الطفل أن الثدي ليس في اختياره دائماً ، يجب أن يصيح ، أن يبكي ... حتى تحن الأم إليه ويسترجع الثدي الضائع.
وعندما تتفتح أصابع الطفل فإنه يرغب بولع شديد أن يأخذ التفاحة ويأخذ الخبز ، ولكنه حيث لا يدرك الفواصل فقد يخرج يده من المهد ليأخذ
ويتدرج الطفل في نموه . ويأخذ في المشي ويقترب من الحوض فيرى الأسماك تسبح في الماء ، وبحكم طبعه الطفولي الحر يرغب في أن يسبح مثل تلك الأسماك ، فيلقي بنفسه في الماء ... ينقطع نفسه ويشرف على الموت ، فتصل الأم وتخرج طفلها المتقطع الأنفاس ... وحين يثوب إليه رشده ينظر نظرة إلى الماء ويفهم أنه ليس حراً ولا يتمكن من أن يسبح كالسمك.
وعلى أية حال فإن الإنسان يلاقي موانع الطبيعة منذ طفولته في كل خطوة يخطوها ، وفي كل يوم يحس بتقلص حريته أكثر من ذي قبل . ويدرك أن رغباته تصطدم بجدران حديديةٍ لا تخترق . ولا يتمكن أن يمارس إرادته بحريةٍ كاملةٍ.
(2) والحاجز الثاني الذي يقف أمام الميول والرغبات الفردية ، هو القوانين الصحية التي تظهر في الحمية ... فإن المريض يشاهد الفواكه والحلويات والأطعمة المختلف ، فيرغب في أن يأكل منها ولكنه مصاب بمرض السكر ، فإن حاول اتباع ميوله بالتناول من الفواكه والحلويات التي تكثر فيها مادة السكر فسوف يبتلى بأنواع الآلام.
(3) وتعد القوانين الوضعية من الحواجز المهمة التي تقف أمام الميول البشرية ، فإذا أرادت حكومة ما أن يظل قائمة وأن يكون لها مجتمع منظم ، فعليها أن تضع القوانين التي تحدد لكل فرد حقوقه وواجباته ، فتسمح ما هو
قد يستاء البعض لمحدودية حريته تجاه القانون ، فيطغى عليه ويحب أن يكون حراً ليفعل ما يريد ويقول ما يشاء ويذهب أنى يرغب ، لكن السلطة التنفيذية للقانون تجبره على الانقياد له.
يقول أحد الغربيين : القانون كاللجام الذي يوضع على فم الفرس الهائج فقد يطغى عليه ، مع فارق واحد هو أن اللجام الذي يوضع للفرس يضعه الإنسان . بينما القانون يضعه الإنسان على نفسه ، وقد يطغى عليه أيضاً.
*
*
هذه الأشكال الثلاثة من الحواجز والموانع عن حرية الإنسان جارية في جميع نقاط العالم ، بغض النظر عن الدين والعنصر ، فالخروج عليها يعتبر ذنباً وإجراماً . ولقد اعتنى الإسلام بها جميعاً وأوجب على اتباعه إتباعها ومراعاتها ، فالجري وراء الميول النفسية التي تخالف القوانين الكونية والصحية والاجتماعية ممنوع في القانون الإسلامي . والجانب الأكبر من الذنوب في الإسلام عبارة عن تنفيذ هذه الرغبات اللامشروعة.
إنحطاط البشرية :
وهنا لا بد من الانتباه إلى نكتة مهمة ، وهي أن الذنب ـ بغض النظر عن الأخطار الي يتضمنها في الإخلال بالنظام العام الإضرار بالمصالح الفردية والاجتماعية ـ هو أهم عوامل انحطاط البشرية وتقهقرها . فالمذنبون ليسوا متمتعين بالمزايا الانسانية الشريفة والكمالات المعنوية ، فإن ظلمة الذنب تصير حجاباً يخفي نورانية القلب وصفاء الباطن . والمجرم قبل أن يلحق الضرر بالمجتمع أو بنفسه ، يعمل على انهيار شخصيته ويكبت الروح الخيرة في أعماقه . فعلى من يرغب في الفضائل الانسانية ويحب الكمال والتعالي الروحي أن ينزه نفسه عن ظلمة الذنب والإجرام.
يقل الإمام علي ( ع ) : « من أحب المكارم إجتنب المحارم » (1).
وفي حديث آخر عنه ( ع ) : « من ترك الشهوات كان حراً » (2).
التفكير في الذنب :
إن الاسلام يخطو خطوة أوسع في هذا المجال ، ويقول بأن الانسان الواقعي هوالذي لا يكتفي بترك الذنوب فحسب ، بل لا يفسح مجالاً في ذهنه وفكره للتفكير في الذنب ، ولا يدع الفكرة المظلمة تمر بخاطره ... فإن التفكير في الذنب حتى ولو لم يصل إلى مرحلة التطبيق ، يوجد ظلمة روحية في القلب ويمحو الصفاء الروحي من الانسان.
يقول الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « صيام القلب عن الفكر في الآثام ، أفضل من صيام البطن عن الطعام » (3).
ويقول إمامنا الصادق ( ع ) راوياً عن عيسى بن مريم ( ع ) أنه كان يقول : « إن موسى أمركم أن لا تزنوا ، وأنا آمركم أن لا تحدثوا أنفسكم بالزنا ، فإن من حدث نفسه بالزنا كان كمن أوقد في بيت مزوق فأفسد التزاويق الدخان وإن لم يحترق البيت » (1) ... أي أن فكرة الذنب توجد ظلمة في القلب ـ شاء الفرد أم أبى ـ وتسلب صفاء النفس ، حتى ولو لم يرتكبه الإنسان.
إن النكات الدقيقة التي أوردها الإسلام في موضوع السعادة الانسانية في القرون السالفة وعلمها اتباعه ، تستجلب أنظار العلماء المعاصرين في العصر الحديث فنراهم يفطنون إلى تلك الحقائق في كتبهم ومؤلفاتهم : |
« للأمل والإيمان والإرادة القوية أثر كبير على الجسم ، وهو يشبه أثر البخار على القاطرة . إن النشاطات الجسدية والروحية تتكامل بدافع الحب فتكسب الشخصية قوة ورصانة وكمالاً . وعلى العكس فإن الرذائل تحط من الشخصية وتسحقها . إن الكسل والتردد في الرأي مثلاً من أهم العوامل على جمود الفكر ، وكذلك العجب بالنفس والغرور والحسد فإنها من عوامل التفرقة والتباعد بين الناس ، وهي جميعاً تمنع النفس البشرية من التكامل » (2). « إن المعاصي ـ كما نعلم ـ تقلل من قيمة الحياة المعنوية . وإن تحمل العيوب والنواقص خطأ فظيع . فليس كل شخص حراً في تصرفاته ، وعلى هذا فالذي ينحرف عن الطريق المستقيم في الحياة ويبدو متكاسلاً مفترياً على الناس ولا يبالي بارتكاب مختلف الذنوب يجب أن يعتبر مجرماً عاماً . ولكل ذنب آثاره الوخيمة حيث يؤدي إلى الانحرافات العضوية والنفسية |
وترجمه إلى الفارسية د . برويز دبيري.| والاجتماعية . فكما أن العض على أنامل الندم لا يتلافى العيوب الناشئة في جسد المدمن على الخمرة أو العيوب الوراثية في أطفالهم ... كذلك لا يمكن ترميم الانحرافات الناشئة عن الحسد والحقد والغيبة والأثرة والأنانية » (1). |
إن كل ما هو ممنوع في الشريعة المطهرة . وكل ما يعتبره الإسلام ذنباً وإجراماً يتصل إما بضرر مباشر أو غير مباشر تجاه المصالح المادية أو المعنوية للانسانية حتماً . غاية الأمر أن البشر لم يطلعوا على جميع تلك الجوانب . ويرى البعض كثيراً من الذنوب كشرب الخمر والقمار والاتصالات اللامشروعة بين الجنسين رائجة في الدول الغربية فيظن أن الإسلام قد حرمها عبثاً ... وهو في توهمه هذا غافل عن أن ذلك كله حسب حساب دقيق ، فقد يأتي يوم يفطن فيه الغرب إلى أضرارها فيمنعها أيضاً !.
في رسالة من محمد بن سنان إلى الإمام علي بن موسى الرضا ( ع ) يسأله فيها عن صحة ما يدعيه بعض المسلمين من عدم وجود حكمة للحلال والحرام في الإسلام وأن المقصود من ذلك هو التعبد والانقياد إلى الله فقط . فكتب عليه السلام في جوابه :
« ... قد ضل من قال ذلك ضلالاً بعيداً » ثم يسترسل في ذكر تحريم المحرمات فيقول : « ووجدنا المحرم من الأشياء ، لا حاجة للعباد إليه ووجدناه مفسداً داعياً إلى الفناء والهلاك » (2).
*
*
نتائج الذنوب :
وإذا تصفحنا أقوال أئمة الاسلام وقادتنا الكرام ( ع ) ، نجد أنهم يعللون جميع المآسي والمشاكل والنكبات الفردية والاجتماعية بالجرائم والذنوب التي
فلكل من الذنوب أثر خاص في الاضرار بالانسان ، فالظلم والخيانة الكذب والتزوير ، هتك الأعراض والميوعة ، قول الزور والتجاوز على حقوق الآخرين ، الفتنة والنميمة ... كل هذه الذنوب تشبه الأمراض التي تصيب جسم الإنسان . وهنا يجدر بنا الاشارة إلى بعض النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت ( ع ) التي تبين العواقب المادية والمعنوية للذنوب والجرائم :
1 ـ يقول الامام الباقر ( ع ) : « ما من نكبة تصيب العبد إلا بذنب » (1).
2 ـ وعن الامام الصادق ( ع ) : « تعوذوا بالله من سطوات الله ، بالليل والنهار ، قال ( أي الراوي ) : قلت له : وما سطوات الله ؟ قال : الأخذ على المعاصي » (2).
3 ـ وعن الامام الصادق ( ع ) أيضاً : « إن الذنب يحرم الرزق » (3).
4 ـ وعن الإمام الباقر ( ع ) : « إن الله قضى قضاء حتماً : ألا ينعم على العبد نعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة » (4).
5 ـ وعن الامام الرضا ( ع ) : « كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون ، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون » (5).
6 ـ وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) : « وايم الله ما كان قوم قط في خفض عيش فزال عنهم ، إلا بذنوب اقترفوها ، لأن الله ليس بظلام للعبيد » (6).
الجزاء الآجل :
لا شك في أن كل ذنب يترك أثراً سيئاً في الفرد والمجتمع على السواء والمذنب يلاقي جزاءه حتماً ، غاية الأمر أن بعض الذنوب تظهر نتائجها بسرعة ويلاقي المجرم جزاءه عاجلاً ، بينما لا تنعكس آثار بعض الذنوب على الفرد والمجتمع إلا بعد مدة طويلة ... وعليه فالمجرم لا يلقى جزاءه إلا بعد مدة من الزمن أو بصورة تدريجية.
فالذين يحبون الفضيلة والكمال ويريدون بلوغ الأوج في الفضائل والمثل الانسانية يتحاشون ارتكاب كل أنواع الذنوب والجرائم ، سواء كان جزاؤها مؤجلاً أو معجلاً ... أما بعض قصار النظر الذين لا يتمالكون من اقتراف الذنوب ولا يراعون الله والقيم العليا والمثل الانسانية ، فإنهم يظنون أن الخلاص يكمن في ترك الذنوب ذات الجزاء العاجل ، وحيئنئذ فهم لا يرون مندوحة في أن يمارسوا شهواتهم وأهواءهم بالنسبة إلى الجرائم التي يكون الجزاء فيها آجلاً.
إن أوضح مثال على ذلك نجده في التعاليم الصحيحة . فالطبيب يقول للمريض المصاب بالاسهال : إمتنع عن تناول الأطعمة العسرة الهضم والفواكه النية ، والمريض يطيعه على ذلك . لأنه لو خالفه يصاب ـ بعد ساعة أو ساعتين مثلاً ـ بآلام شديدة ونزف معدي أو معوي وضعف عام في جسده ، بصورة موجزة : بما أن الجزاء سريع وعاجل فالمريض يضطر إلى إطاعة الطبيب.
أما إذا نصح هذا الطبيب شاباً بالاجتناب عن الخمرة والحذر عن الوقوع في أسرها ، وسأله الشاب : وماذا سيحدث إن شربتها ؟ فيجيبه الطبيب : إنك ستجد بعد عشر سنين الآثار الوخيمة للخمرة في جسدك وروحك ... ستصاب بالعوارض القلبية والكلوية والكبدية ، وتقترن حياتك ببؤس وشقاء وانحلال ... وما أشبه ذلك.
ففي هذه الصورة نجد الشاب يتماهل في العمل بنصائح الطبيب ويعاقر الخمر ليل نهار ، والسبب في ذلك هو أن جزاءه آجل غير عاجل . وهكذا فكل
الجزاء العاجل :
إن القوانين الطبيعية تمتاز بأن مخالفتها تؤدي إلى أن يلاقي الفرد جزاءه عاجلاً ، ولذلك فإن الناس يخافون الخروج عليها ... النار تحرق فوراً ، الغاز يخنق رأساً ، ولذلك فإن هذه القوانين تقابل بالاطاعة التامة والانقياد الكامل ، ومعها يضطر المريض إلى إطاعة أوامر الطبيب حينما يصطدم بالآم شديدة وحمى قوية وضعف تام بعد مضي ساعة على مخالفتها.
وهكذا ، فالمجرمون الذين يخرجون على القوانين الاجتماعية إذا وجدوا أنفسهم أمام عقوبات صارمة كالسجن مع الأعمال الشاقة أو الإعدام مثلاً فإنهم يضطرون إلى إطاعة القانون واحترامه . ويحذرون من تجاوز حدودهم المقررة في إطار القانون.
إلا أنه توجد في القوانين السماوية ذنوباً وجرائم ، يكون الجزاء عليها في الدنيا بطيئاً وفي الآخرة أبطأ . ولهذا فإن كثيراً من الناس لا يرتدعون عن ارتكابها ـ أو لا يجدون في أنفسهم خوفاً من ارتكابها على الأقل ـ ظانين أنهم في حصن حصين عن الجزاء . ولقد رأينا كيف حدثنا التاريخ بالجريمة الكبرى التي ارتكبها عمر بن سعد في قتل الامام أبي عبدالله الحسين ( ع ) حيث وقع أسير التفكير الخاطئ الذي وجد نفسه ـ معه ـ في أمن من العقاب لكونه بطيئاً غير معجل ، ولذلك فقد سمع يردد ـ « وهل عاقل باع الوجود بدين ؟!! » . إذ أن إمارة ري كانت معجلة بينما جزاء يوم القيامة بعيد وآجل ... وعليه فلا يجب ترك العاجل بالآجل.
بينما نجد القرآن الكريم يفند هذه الفكرة ، وينبه الناس إلى ضرورة
يوم الجزاء :
إن يوم الجزاء بعيد جداً في نظر المذنبين والمجرمين ، لكن الله يرى ذلك اليوم قريباً جداً . إذ لا تمضي مدة طويلة حتى يلاقي هؤلاء المجرمون جزاء ما اقترفوه . وبالرغم من طول المدى فإنه لا بد من وجود يوم يعاقب فيه الخارجون على سنة الله وحكمه.
الآثار الوخيمة للذنوب :
إن جانباً من الأمراض الروحية والعصبية التي يصاب بها الناس ، ناتج من الانحرافات الخلقية وسوء القصد . فالحسد مثلاً يفعل في بدن الحسود وروحه ما يفعله السرطان في الجسم ، التكبر يولد في الانسان بعض الاختلالات الروحية وقد يؤدي إلى الجنون ، ولكنه قد لا تظهر هذه العوارض بسرعة بل تكون بطيئة وتدريجية.
وكثير من الشبان ينحطون إلى أسفل درك من الحضيض نتيجة الميوعة والتفسخ الخلقي ... وأخيراً يؤدي بهم ذلك إلى الانتحار . وكم من رجل أردى به الحرص والطمع وطلب الجاه والأنانية إلى هوة سحيقة وعيش أمض من الموت ومصير مؤلم فظيع ! ..
فالعاقل هو الذي لا يلوث أذياله بأي ذنب ، ويظل متحفظاً من أي انحراف في سلوكه ، وهكذا فإن الرجال العظماء والذين كانوا ولا يزالون مفاخر الانسانية جمعاء في كل عصر ، لم يحصلوا على تلك المنزلة إلا لأنهم عاشوا عيشة طاهرة منزهة من الدنس . فالفضائل والكمالات لايمكن أن تتفق مع الذنوب ، ومن يريد الوصول إلى أوج الكمال والعظمة الروحية ، عليه أن يتخلى عن ميوله اللامشروعة وشهواته وأهوائه التي تقف في طريق تكامله .
قد يولد الاعجاب بالشهرة وطلب الجاه أثرا شديداً في نفس الفرد ، بحيث يضطره إلى أن يرخي عنان الصبر من يده ، ويرتكب كل جريمة في سبيل هدفه ... ومع ذلك فالمصيبة العظمى أنه لا يصل إلى ما يريد بالرغم من اتخاذه كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيقه.
البؤس والحرمان :
وتأكيداً لما سبق نورد هنا حديثاً عن الامام الحسين ( ع ) نأمل أن يقع موقع الاهتمام والعناية من قبل المسلمين ، وخصوصاً : الشبان منهم ويضعوه نصب أعينهم في جميع مجالات نشاطهم مدى الحياة :
« من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو وأسرع لما يحذر » (2).
... إذا كانت في نفسك رغبة ملحة في جمع المال ، فاحرص على أن تجمعه من طريق مشروع وبأساليب صحيحة بعيدة عن الخيانة ... والسرقة ... وإن كنت ترغب في الحصول على شهرة قوية في المجتمع فلا تطلب ذلك من طريق الاجرام ، لأن النهاية هي البؤس والحرمان.
إن أصدق شاهد على كلمة الامام الحسين ( ع ) الآنفة الذكر ، نجده في تاريخ الطف بصورة جلية ، فإن عمر بن سعد بن أبي وقاص كان يميل بشدة للحصول على إمارة ( ري ) ، وكانت أوهام الرئاسة على تلك المدينة وقيادة زمامها قد عاشت في مخيلته ، حتى راح يضحي بكل شيء عنده للوصول إلى هدفه . وأخيراً لم يجد بداً من أن يسلك مسلكاً غير مشروع لتحقيق أمنيته هذه . فارتكب أشنع الجرائم وأبشعها في تاريخ البشرية وهي قتل الحسين ( ع ) وأصحابه مع تلك الحالة المفجعة الممضة غير القابلة للوصف . كل ذلك أملاً في الحصول على إمارة ( ري ) ... وأخيراً ـ وبالرغم من ارتكابه تلك الجريمة
هذه نبذة يسيرة عن الذنب يسيرة عن الذنب وبعض نتائجه وآثاره ، تطرقنا إليها كتمهيد للبحث وذلك بمناسبة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جواب علي عليه السلام : « أفضل الأعمال في هذا الشهر ، الورع عن محارم الله ».
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الشهر ، وفي سائر أيام السنة للاجتناب عن السيئات والجرائم . وبذلك نجلب رضى الله تعالى بالحصول على السعادة في الدنيا ، والنعيم في الآخرة.
*
*
وفي نهاية المطاف أود أن أشير إلى أن بحثنا في المحاضرات القادمة سيدور حول أساس السعادة في تربية الطفل . وعليه فلا بد ـ كتمهيد لفهم الموضوع ـ من ذكر بعض المقدمات المرتبطة به ... فنبحث ـ أولاً ـ في أصل السعادة ، ودور الوالدين في تحقيق سعادة الطفل وشقائه ، والمقارنة بين التربية والوراثة . ثم ندخل إلى صلب الموضوع . ولا يخفى أننا في ضمن بحثنا عن التعاليم القيمة التي جاء بها القرآن الكريم والنصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام ، بشأن التربية وما يتعلق بها ، نستشهد بالبحوث العلمية الحديثة التي توصل إليها علماء الغرب . وغرضنا من ذلك أمران : ـ
أولهما : ـ إنه يجب الاعتراف بأن للعلماء الغربيين مطالعات دقيقة وبحوثاً قيمة في كثير من الموضوعات . وعلى كل عاقل حر أن يستفيد من أفكار العلماء وتجاربهم الصحيحة المعقولة ليستخدمها في حياته العملية . والإسلام دين العقل والمنطق ، ولذلك فقد أوصى المسلمين بأن يجدوا في طلب العلوم والحكم ويأخذوها من أي شخص كان وأينما وجدوها ، وإن كان الملقي بها منحرفاً من
وراء طلب العلم :
1 ـ قال الامام علي ( ع ) : « خذ الحكمة ولو من المشركين » (1).
2 ـ وعنه عليه السلام أيضاً : « لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال » (2) . ومعناها : أطلب الكلمة الحقة من أي شخص كان.
3 ـ وعنه ( ع ) : « خذ الحكمة ولو من أهل الضلال » (3).
4 ـ ويقول أيضاً : « الحكمة ضالة المؤمن ، فاطلبوها ولو من عند المشرك » (4).
5 ـ وعنه ( ع ) أيضاً : « أعلم الناس : من جمع علم الناس » . (5)
الإسلام دين العلم والمعرفة :
الإسلام دين التكامل والتحقيق دين العلم والمعرفة ، يراعي موضوع حرية التعلم مراعاة كاملة ويصرح بوجوب تعلم العلم والحكمة من أي إنسان ولو كان ضالاً أو مشركاً.
إلا أنه يجب أن نعلم بأن الاسلام يمنح الحرية لأصحابه في استيعاب الحقائق العلمية الصحيحة ، لا لكل تقليد أعمى وسلوك أهوج.
إن كثيراً من الناس في بلادنا بهرتهم المدنية الغربية وجمالها إلى درجة أنهم أخذوا يحسون بالحقارة والتصاغر في نفوسهم تجاهها ، ويتنكرون لتراثهم الخالد وتعاليمهم الدينية القيمة ، حتى ظنوا أنه لم يكن للمسلمين وجود إنساني فيما
حسن الاقتباس :
وبهذا الصدد يقول القرآن الكريم : « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب » (1)
وقد ورد في الحديث : « خذوا الحق من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق ، كونوا نقاد الكلام ، فكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما زخرف الدرهم من نحاس بالفضة المموهة ، النظر إلى ذلك سواء ، والبصراء به خبراء » (2).
فلو كان مجتمعنا الاسلامي قد تمسك بتعاليم القرآن الكريم واختار حسنات المدينة الحديثة وتجنب سيئاتها ، لكان قد حصل على نجاح باهر في مجالات مختلفة إلى هذا الحين ... ولكن المؤسف أن الأمر على عكس ما يريده لنا القرآن . فنجد تقليد المدنية الحديثة في علومها وتكاملها وفي مجالات البحث والاختراع أقل ـ بكثير ـ من تقليدها في مجالات الانقياد للشهوات وشرب الخمر والميوعة والتحلل والفساد . فبينما نجد الشرقيين يسبقون الغرب في الجانب الثاني ، نجدهم في ركب متأخر عنهم في الجانب الأول ومع ذلك كله ، فالأمل لا يزال يحدونا إلى استعادة استقامة سلوكنا والأخذ بمنهجنا القرآني الصحيح الكافل لسعادتنا ورقينا وازدهارنا ، والفرصة لا تزال سانحة للرجوع إلى اقتباس ما هو حسن وصالح من الغرب ، وترك ما هو مضر وفاسد فيه.
... هذا فيما يخص الجهة الأولى من استشهادنا بأقوال العلماء الغربيين وبحوثهم في محاضراتنا هذه.
أما بالنسبة إلى الجهة الثانية ، فهي أن يتعرف المسلمون على حقيقة دينهم كثر فأكثر ، ذلك لأننا نحاول ـ في محاضراتنا هذه ـ أن نستقصي الآيات القرآنية والنصوص الواردة بشأن ( تربية الطفل ) وما يتعلق به ، ونبحث عن الجوانب العلمية والنفسية التي أتت عليها ، ثم نستشهد ـ بالمناسبة ـ بنص العبارات الواردة في بحوث علماء النفس والتربية الغربيين وكتبهم ، وبذلك نقارن بين ما ورد في تعاليم الاسلام وما ورد في بحوث أولئك العلماء ، فتتضح عظمة التعاليم الاسلامية للملأ ، ويعرف المسلمون أن البحوث والتحقيقات التي يجريها علماء الغرب والجهود التي يبذلونها للوصول إلى الحقائق العلمية ليست أمراً جديداً للبشرية ، بل جاء نبي الاسلام وأوصياؤه من بعده يشيرون إليها قبل أربعة عشر قرناً ، ويفيضون بها على الناس من منبع الالهام والوحي الآلهي.
وبديهي أنه كلما ظهرت القيمة العلمية للاسلام أكثر ، إزداد الناس ـ والطبقة المثقفة منهم بالخصوص ـ إذعاناً وإحتراماً لعظمة الاسلام والقرآن . وأي هدف أعظم من توجيه عقول البشرية إلى نور الاسلام وعظمته ؟!.
إتباع العقل :
يسأل يعقوب بن السكيت من الامام الرضا ( ع ) أسئلة حول معاجز الأنبياء ، وبعد أن يجيبه عن تلك الأسئلة ، يسأله عن الحجة القاطعة والدليل الساطع على نبوة النبي محمد ( ص ) قائلاً : « فما الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال ( ع ) : العقل » (1).
يشير الامام الرضا عليه السلام بكلامه هذا ، إلى أن الأفراد يجب أن ينظروا في تعاليم القرآن بنظر العقل والدقة ، ويوجهوا أفكارهم إلى حقيقة
« إن اتبع إلا ما يوحى إلي
» (1).
وليس معنى الايمان بالنبي والنبوة إلا هذا الاعتقاد بالارتباط المعنوي بين النبي ( ص ) والله تعالى وكونه سفيراً له على وجه الأرض ، لهداية البشر إلى الصراط المستقيم ، وهذا هو المائز الحقيقي الذي يفصل بين النبي وبين الفلاسفة والعلماء العاديين ، فالعلماء قد درسوا في فرع واحد أو عدة فروع من العلوم بصورة اعتيادية ، ومن طريق الكتاب والمدرسة والمعلم وما شاكل ذلك حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه ... بينما النبي ( ص ) أمي لم يدرس عند أحد ، لكنه تلقى الوحي والإلهام من الله تعالى ، فكان هو مدرسة الأجيال كلها ، وكتاب العلماء كلهم ، وأستاذ المعلمين كافة.
وفي الختام نرجو أن نعمل على هدى النبي وأهل بيته الكرام عليهم الصلاة والسلام . متخذين من العقل الصحيح أقوى دليل على الإيمان والثبات على العقيدة.