|
|||
|
(76)
قال عز وجل :
« وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً. أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف » (1). وقال سبحانه : « ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالكيل » (2). وقال تعالى : « ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد » (3). خطوط المراحل النهائية للمحافظة على مال اليتيم حددتها الآيات الكريمة فبدى من خلالها لزوم شرطين أساسيين لتحقق هذه المرحلة الإنتقالية ، وهما : 1 ـ البلوغ. 2 ـ الرشد. بلوغ النكاح : وهو كناية عن وصول الطفل إلى مرحلة النضوج البدني فيشهي بذلك النكاح والذي هو تعبير عن قدرة الطفل على ممارسة العملية الجنسية. والرشد : وهو النضوج العقلي عند الانسان. 1 ـ سورة النساء : آية ( 6 ). 2 ـ سورة الانعام : آية ( 152 ). 3 ـ سورة الاسراء : آية ( 34 ). (77)
وبحصول هذين يكون اليتيم ناضجاً ، وقادراً على إدارة شؤونه والتصرف بأمواله بنفسه على النحو الذي يقوم به كل شخصٍ كامل .. على أن الفقهاء قد إستفادوا من الآيات الكريمة المذكورة الارتباط بين هذين الشرطين فلم يقولوا بدفع المال إلى اليتيم بمجرد وصوله إلى حد البلوغ فقط ، أو حصول الرشد لوحده دون البلوغ إذ لربما يصل الانسان إلى حد يتجاوز بها السن المقررة شرعاً في البلوغ ، ولكنه بعد لا يستطيع من القيام بأعباء المسؤولية المالية.
لقد لاحظ الشارع المقدس ، ومن خلال الآيات الكريمة أن رفع الولاية عن الصبي يتيماً كان ، أو ذا أب يتمتع بالحياة لا بد له من المقدرتين البدنية ، والعقلية. فلا فائدة في طفل اكتملت رجولته البدنية بالوصول إلى مرحلة من العمر ، وهو على أبواب الشباب بتخطيه الخامسة عشرة ما لم يكتمل نضوجه العقلي حيث تصبح لديه القدرة الكافية لتمييز مضاره من منافعه ، وما يصلح له مما يفسده وقد جعل المشرع لكلٍ من هاتين المرحلتين علامة تشعر بتحققها ، وإكتمالها. البلوغ .. علاماته : وقد ذكر الفقهاء للبلوغ أسباباً خمسة : ثلاثة يشترك فيها الذكور ، والإناث. واثنان تختص بالإناث. أسباب البلوغ المشتركة : أما الاسباب المشتركة فهي : 1 ـ الإنبات للشعر الخشن على العانة. (78)
2 ـ السن.
3 ـ الاحتلام. أسباب البلوغ المختصة : وهي كما قلنا مختصة بالنساء وقد قررت كما يلي : 1 ـ الحيض. 2 ـ الحمل. ومن الاجمال الى التفصيل. ونبدأ ببيان الاسباب المشتركة للبلوغ وهي كما قلنا : 1 ـ الانبات : وفي اللغة : أنبتت الارض إذا أخرجت نباتها ، وبقلها. وأنبت الغلام : إذا بلغ مبلغ الرجال (1). ويراد بالإنبات : في مصطلح الفقهاء : نبات الشعر على العانة للرجل ، والمرأة. وأما لعانة : فيقول عنها اللغويون. وعانة الإنسان إسبه : الشعر النابت على فرجه. وقيل : هي منبت الشعر هناك (2). وليس للفقهاء مصطلح خاص يختلف عما ذهب إليه اللغويون. بالنسبه إلى العانة بل يقول الجميع بنفس المقالة المذكورة. 1 ، 2 ـ لسان العرب : مادة ( نبت ، وعون ). (79)
الإنبات موضعه :
لا شك أن خروج الشعر حول ذكر الرجل ، وفرج المرأة في القبل هو مورد قبول الفقهاء من جميع المذاهب الاسلامية ـ عدا المذهب الحنفي ـ لانهم لا يقولون بأن الانبات علامة من علامات البلوغ ليبحث عن موضع ذلك أين يكون. وأما وجود الشعر على غير العانة من بدن الانسان ، فقد وقع الخلاف فيه ، فذهب معظم الفقهاء إلى عدم إعتباره دليلاً على البلوغ ، ومن موارده الإنبات في الوجه في اللحية ، والشارب ، وفي الإبط أيضاً. وإذاً فبحصول الإنبات على العانة يكون الصبي قد أحرز أحد الشرطين في عملية إنتهاء دور الصبا ، وتسلم ما له من المال عند الغير. الإنبات صفته : الشعر الذي ينبت على العانة ، ويكون علامة على بلوغ الصبي ، وانهائه دور اليتم قيده الفقهاء بكونه « خشناً » وفي مقام توضيحه يعبرون عن مقدار الخشونة بقولهم : « بحيث يحتاج إلى الحلق بالموسى ، أو غيره في مقام إزالته ». ولهذا صرحوا بعدم الاعتبار بالزغب ، أو الشعر الضعيف وقد عرف الزغب بأنه : صغار الشعر ، ولينه ، أو هو أول ما يبدو من الشعر. وأما الضعيف : فهو الشعر الذي يلي هذه ا لمرحلة فينبت قبل الخشونة ، ولذلك بالامكان تقسيم الشعر في مراحله إلى هذه الادوار الثلاثة : زغب ، وضعيف ، وخشن. (80)
غير الانبات من العلامات الجسدية :
ينفرد فقهاء المالكية بذكر بعض العلامات الأخرى غير الإنبات حيث اعتبروها دليلاً على البلوغ. وقد ذكروا تلك العلامات على ما يلي : 1 ـ فرق أرنبة المارن : والمارن هو الانف ، وقيل هو طرفه ، وقيل ما لان من الأنف. 2 ـ نتونة رائحة الابط. 3 ـ بروز الشعر في الابط. 4 ـ نهود الثدي. 5 ـ غلظ الصوت. وغير هذه من العلامات التي يستدل بها على أن وجودها معناه تبدل أعضاء البدن ، وإنتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة نضوج البدن ، وبلوغه السن الذي يكون الطفل قد أهل إلى تحمل التكاليف الشرعية. ولكن بقية الفقهاء من بقية المذاهب لم يعتبروا هذه العلامات التي تفتقر في مقام تقييمها إلى الدليل الشرعي. وأما مجرد الغالبية لحصول هذه العلامات مع البلوغ ، وحصولها بحسب العادة في مثل هذه السن فهذا مما لا يكون دليلاً يجعل هذه العلامات كعلامة ( الإنبات ) على البلوغ حيث صرحت الادلة بأنه علامة من علامات البلوغ المشتركة بين الذكور والاناث. 2 ـ البلوغ بالسن : تقرر كافة المذاهب الإسلامية ( عدى المالكية ) بأن وصول الصبي (81)
إلى مرحلة خاصة من العمر هو : البلوغ ولكنهم إختلفوا في الحد المقررة من السن لكل من الذكر والأنثى.
لذلك لا بد من بحث ذلك للذكر أولاً ، والأنثى ثانياً. السن للذكر : وقد تعددت أقوال المذاهب في ذلك. 1 ـ البلوغ بالخمس عشرة سنة ، وإلى هذا ذهب معظم الامامية. وهو المجمع عليه عندهم ، والمشهور فيما بينهم. وبه قال الشافعية ، والحنابلة ، وهو القول المشهور لاصحاب مالك ، وبه قال كثير من فقهاء العامة غير أصحاب المذاهب. 2 ـ البلوغ سبعة عشرة سنة ، أو ثمانية عشرة وهو المنقول عن أبي حنيفة. 3 ـ القول بالاكتفاء بما بين أربعة عشرة سنة إلى ستة عشرة وإلى هذا ذهب بعض فقهاء الامامية. 4 ـ أنه لا حد للبلوغ بالسن ، وإلى هذا القول ذهب مالك ، وداود الظاهري. وهناك أقوال أخرى قد لا تكون مهمة. السن لبلوغ الأنثى : وكما اختلفت كلمة الفقهاء بالنسبة للسن لبلوغ الذكر كذلك اختلفت كلمة الفقهاء بالنسبة لبلوغ الأنثى من ناحية السن. فالقول السائد عند الامامية ، والمجمع عليه عندهم هو : اكمال التسع سنوات ، ويذهب البعض منهم إلى بلوغها بكمال العشر. أما (82)
الشافعية ، والحنابلة فقد ذهبوا إلى بلوغها باستكمال الخامسة عشرة سنة.
أما الاحناف فقد نقل عن أبي حنيفة رأيه في البلوغ ، وأنه سبعة عشرة سنة برواية ، وبرواية أخرى خمسة عشرة سنة. 3 ـ البلوغ بالاحتلام : والاحتلام في اللغة هو الجماع ، أو يرى في منامه رؤيا وتكون من نتائج ذلك هو خروج المادة المنوية منه من الطريق المعهود. وعند الفقهاء : هو خروج المني ، وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الذكر ، والانثى. هذا كله في أسباب البلوغ المشتركة بين الذكور والاناث. أما الاسباب المختصة بالاناث فقد تقدم أن قلنا أنها : الحيض ، والحمل. 1 ـ الحيض : وتتفق كافة المذاهب على أن الحيض علامة على بلوغ الأنثى ، وانها بذلك تكون مكلفة بكافة الأحكام الشرعية سواءً منها المشتركة بينها ، وبين الذكر البالغ ، أو الأحكام المختصة بها كأنثى مما لا يكلف بها الذكور. ولسنا في صدد معرفة أن حيض المرأة هل هو البلوغ بنفسه ، أو أنه علامة على سبق البلوغ عليه ، فهذا النزاع ليس له كثير أهمية في موضوعنا بعد أن نعلم أن الانثى اليتيمة إذا حاضت ، فقد وصلت إلى السن الذي تصلح لأن يسلم إليها ما لها لو حصل الشرط الثاني ، وهو الرشد. (83)
2 ـ الحمل :
وقد اتفقت كلمة المذاهب الاسلامية على كون الحمل علامة على بلوغ المرأة مقربين وجهة نظرهم بأن الحمل لا يكون إلا بعد حصول الانزال من المرأة ، والذي هو خروج المني حيث اقتضت الحكمة الإلهية ان يخلق الجنين مكوناً من مائي الرجل والمرأة ، وهذا معناه أن الحمل إنما يكون بعد تكون الماء عند المرأة ونضوجها البدني ، وإنزالها إلى الرحم ليختلط به ماء الرجل فيتكون من المائين الجنين. ولم تختلف وجهة نظر كافة المذاهب في هذه الجهة. 3 ـ الرشد : وهو ـ كما قلنا ـ الشرط الثاني في عملية تسليم أموال اليتيم إليه. وقد عرفه اللغويون بأنه : نقيض الغي ، ونقيض الضلال. ويقولون : رشد إذا أصاب وجه الأمر ، والطريق. أما الرشد عند الفقهاء فهو : 1 ـ القول بأنه إصلاح المال ، وتدبيره. وإلى هذا القول ذهب معظم الامامية ، والاحناف ، والمالكية والحنابلة. 2 ـ القول بأنه صلاح الدين لا غير. وإلى هذا القول ذهب الظاهرية ، والزيدية. 3 ـ القول بأنه إصلاح المال ، والدين معاً. وإلى هذا القول ذهب الشافعي ، وبعض فقهاء الامامية. (84)
هل للرشد سن معينة ؟ :
لم يحدد الفقهاء سناً معينة للرشد على العكس مما فعلوه في البحث عن البلوغ بالسن. وعدم التحديد بالنسبة إلى السن لحصول الرشد يعتبر من الامور الطبيعية بعد أن أوضح تعريفه بما يلي : أنه : كيفية نفسانية مانعة من تبذير المال ، وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء. وهذا الايضاح للتعريف مما تتفق عليه كافة المذاهب من حيث المضمون. وبناءً على هذا التعريف ، وشبهه فليس من البعيد أن تحصل هذه الكيفية النفسانية قبل بلوغ الصبي السن المقررة للبلوغ ، وقد تحصل بعده حيث لا يحصل للانسان مثل هذا الاستعداد ، والتدبير حتى يتقدم في السن ، ويطعن فيه. وعليه : فان حصول هذه الحالة تتبع الظروف الإجتماعية والنفسية للشخص قرب إنسان يكون محاطاً بأشخاص لهم تجاربهم العديدة ، والتي تضفي على الطفل المعلومات الكافية لتدبير حاله ، وإنعاش حياته كفرد مدبر ، ومعتدل في صرفه للأموال بينما يفقد الآخر هذا النوع بينما يفقد الآخر هذا النوع من الحنو من الآخرين. يضاف إلى ذلك : إستعداد الطفل ، وثقافته ، وذكائه وتربيته الخاصة لذلك نرى الآية الكريمة لم تحدد ذلك بسن معينة ، بل خاطبت الاولياء بقوله تعالى : « فان أنستم منهم رشداً ». ومن هذا المنطلق إذاً لم يكن بعيداً على بعض فقهاء الامامية وغيرهم من بقية المذاهب أن يقول في هذا الصدد. (85)
لو بلغ الصبي غير رشيد لم يدفع إليه ماله ، وان صار شيخاً كبيراً ، وطعن في السن.
وإذا ففي هذه الحالة يبقى الولي محافظاً على مال اليتيم ولم يسلمه إليه نظراً لعدم تحقق الشرطين المأخوذين كأساس لعملية التسليم لأموال اليتامى : الرشد ، والبلوغ. إذ من المفروض أن البلوغ حصل ولكن الرشد لم يحصل والبلوغ لوحده لا يكفي لتسليم المال إليه وإمضاء تصرفاته المالية. وينفرد أبو حنيفة برأي يقول فيه : أنه لو بلغ خمساً وعشرين سنة وهو باق على سفهه ، وعدم رشده سلم المال إليه ولم ينتظر بأكثر من هذا السن محجوراً عليه من هذه الجهة. وقد رد هذا الرأي من طرف بقية فقهاء المذاهب ولم يأخذوا به. كيف يثبت الرشد ؟ : يثبت الرشد ـ كما يقرره الفقهاء ـ بأحد طريقين : 1 ـ الإختبار. 2 ـ الشهادة. 1 ـ كيفية الإختيار : لم يحدد الفقهاء كيفية خاصة لإختبار الصبي ذكراً كان أم أنثى ، بل أوكلوا الأمر إلى ما تقتضيه طبيعة الطفل الاجتماعية. ـ وعلى سبيل المثال ـ فقد ذكروا بأن أولاد التجار يكون إختبارهم بالبيع ، والشراء ، فان أحسنوا التصرف علم رشدهم. أما لو كانوا من أولاد الطبقات غير التجارية دفع إليهم مقدار من (86)
المال ، ويراقبون في صرفه فإن أحسنوا التصرف في ذلك المال دلٌ ذلك على نضوجهم العقلي ، وتحولهم من عالم الطفولة إلى مراحل التكليف الشرعي.
وهكذا المرأه تختبر فيما يعود إلى تدبيرها المنزلي ، وتصرفها الإجتماعي وإن قامت بدورها على النحو الذي تقوم به غيرها من الأهل ، ومتعلقيها دل ذلك على تحولها من طفلة إلى ربة بيت ، وحينئذٍ تسلم إليها أموالها كما تسلم إلى البالغ الرشيد. وتجمع المذاهب الإسلامية على إعتبار هذا كقاعدة أساسية لبيان كيفية الإختبار من غير فرض مثالٍ خاص لذلك سواءً في الذكر ، أو الانثى. وفي الحقيقة أن هذه القاعدة مستوحاة من قوله تعالى : في الآية المتقدمة « فإن أنستم منهم رشداً ». حيث تركت الآية الكريمة إيناس الرشد من دون تقييده بكيفية خاصة تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية المحيطة بالطفل سواءً كان الطفل ذكراً ، أم أنثى. 2 ـ ثبوت الرشد بالشهادة وكبقية الموارد التي تقبل فيها الشهادة نرى موردنا ، وهو حصول الرشد ، فيثبت بشهادة رجلين ، أو رجل وإمرأتان. يقول تعالى : « وإستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى » (1). 1 ـ سورة البقرة : آية ( 281 ). (87)
3 ـ الإشهاد على تسليم أموال اليتامى :
وكما أوصى الله باليتيم ، ورعى له مصالحه لاحظ في الوقت نفسه جانب الولي من حيث تسليم أموال اليتيم. إن مرحلة تسليم أموال اليتامى بعد وصولهم إلى سن الرشد والنضج العقلي ليس إلا وضع الحد النهائي لسلطة الولي أو الوصي ، وبدء مرحلة السلطة لاصحاب الاموال أنفسهم حيث كان بإمكانهم في تلك المرحلة من القيام بإدارة أنفسهم من دون أن يكون في البين ولي ، أو وصي يقوم بذلك. وفي هذه المرحلة نبٌه الشارع المقدس الاولياء لنقطة قد تحصل نتيجة معاكسات ، ومشاكسات تلازم هذه المرحلة الدقيقة ، وهي حصول إتهام الولي في المستقبل ، وتوجيه اللوم له من جهة اليتيم يرميه بالاختلاس ، أو التقصير ، وعدم القيام بما يلزم من التصرف ، أو المحافظة على المال على نحو يكون قد وصل إليه حقه. واليتيم بعد كل هذا بشر ، ومهما يكن فقد يشك بالولي كأي إنسان آخر تحصل له الشكوك من بعض الملابسات ، والقضايا الخارجية ، فبدلاً من أن يقوم بما يمليه عليه الواجب من أداء فروض الشكر لمن رعاه طيلة هذه المدة نراه يتهمه بما بيٌناه من الإختلاس ، وعدم وصول حقه كاملاً إليه. لذلك كانت الآية الكريمة تدفع بالأولياء ، وتهيب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة ، والتدبير لانفسهم بالإشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة فراداً مما قد يقع فيه من محذور الإتهام نتيجة إحسانه وأتعابه. « فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً » (1). 1 ـ سورة النساء : آية ( 6 ). (88)
فكما كانت الشريعة تحافظ على حقوق الضعفاء من تلاعب الاقوياء كذلك تقضي الرحمة الإلهية أن تحمي الاقوياء من اتهام الضعفاء ، والتنكر لهم ، فرعاية المصلحة العامة ، وملاحظة الصالح العام تأخذ بنظر الاعتبار كل الجوانب. والافراد بنظر القانون سواسية فهو يحمي جميع الطبقات فلا يتجاوز قوي على ضعيف ـ وفي الوقت نفسه ـ لا يسمح بأن يتطاول ضعيف على قوي ، فلا أثرة لفئة على فئة بل كلهم عباد الله ، وفي نظر الشريعة سواسية.
هل الإشهاد واجب ؟ : لم يقرر الفقهاء وجوب الإشهاد على الولي رغم أن الآية الكريمة خاطبت الأولياء ، والاوصياء بصيغة الامر فقالت : « فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ». وذلك لان هذا الحكم ارفاقي إحتياطي روعي فيه حال الاولياء ليحتاطوا لانفسهم بالإشهاد عليهم عند تسليم الاموال ليبعدوا التهمة عنهم. أما إذا لم يرد الولي أن يسلك هذا الطريق ، وشاء أن يسلم المال بلا إشهاد ، فإنه سيتحمل تبعات ما قد سيحدث لو أنكر اليتيم تسليم المال إليه ، أو ادعى أن فيه نقصاً ، أو تبديلا ، وما إلى ذلك من صور الإتهام. وقد تكررت مثل هذه الأوامر في موارد عديدة وجاء ذلك في آيات أخرى من الكتاب الكريم. يقول تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل » (1). 1 ، 2 ـ سورة البقرة : آية ( 281 ). (89)
وقال سبحانه : « وأشهدوا إذا تبايعتم » (1).
ولم يقل أحد من الفقهاء بلزوم ، ووجوب الكتابة عند حصول المداينة بين الاشخاص ، أو حصول معاملة بيعية ، بل ترك ذلك إلى الاطراف التي تتبايع ، أو تتداين ، أو الأولياء ، والأوصياء عند تسليم أموال اليتامى إليهم ، فإن شاؤوا أخذ الحيطة لانفسهم فهو ما يريده الشارع المقدس لهم من الارفاق وحسم مادة النزاع ، وإن أبوا إلا أن تسير أمثال هذه الامور إعتماداً على الثقة المتبادلة بين الطرفين من دون كتابة أو إشهاد كان ذلك من تبعات مسؤولياتهم الشخصية ، والانتظار لكل ما تفرضه الظروف المعاكسة في بعض الاحيان. إن عملية الإشهاد في هذه الموارد هي عملية طبيعية تفرضها ظروف المجتمعات العامة ، وتقتضيها طبيعة الإنسان في هذه الحياة تماماً كما يحمل الإنسان السلاح تجنباً لما قد يلاقيه من أخطار ، ومخاوف. وأخيراً تختم الآية الكريمة الأمر الاحتياطي بضرورة الإشهاد على عملية تسليم أموال اليتامى من قبل الاولياء ، أو الاوصياء بقوله تعالى : « وكفى بالله حسيباً ». ورقيباً عليكم في أعمالكم ليحافظ كل فرد على ما هو مقرر في حقه ، فكما كان التشريع يقف في جانب اليتيم يحذر الآخرين مغبة التجاوز عليه ، ويشوقهم إلى مساعدته ، والأخذ بيده ، كذلك خذره من التطاول على من رعاه ، وسهر على شؤونه وهو الولي ، أو الوصي فلا يحسن به أن يعامله المعاملة السيئة فيرميه بالاختلاس ، والتقصير في الوقت الذي يكون بعيداً عن كل ذلك ، فإن الله ليس بغافل عن حساب الجميع ، وكفى به حسيباً ، ورقيباً في كل صغيرة ، وكبيرة ، وهو المطلع على السرائر ، ولا تخفى عليه خافية سواءً من جانب الاولياء في دور 1 ـ سورة البقرة : آية ( 281 ). (90)
وليائهم على اليتامى ، أو بعد ذلك مما قد يتعقب عملية تسليم الاموال من إتهامات يوجهها اليتامى لاوليائهم.
المرأة وحقها الطبيعي : لقد كان المجتمع الجاهلي يجور على المرأة بشكل خاص ، ويعاملها معاملة ملؤها الظلم ، والتعدي في جميع المراحل التي تمر بها فكانت سلعة رخيصة بيد الرجل يسيرها كيف يشاء ، ويتحكم في أمرها تماماً كما يفعل بالرقيق فلم تجد في تلك العصور للكرامة أي معنىً ، ولعزتها أي أثر. لقد كانت المرأه في نظر الرجل قاصرة حتى ، ولو تزوجت وتقدم بها السن فليس لها في أمرها شيء على الصعيدين : الاجتماعي ، والمالي. أما على الصعيد الاجتماعي : فإنها كانت محتقرة ، ومظلومة. ويبدأ ذلك من الدقائق الأولى عندما تبدأ مسيرتها الحياتية فعند ولادتها نرى الاب بدلا من أن يستقبل وليدته ، وفلذة كبده ليطبع على جبينها قبلة الحب ، والحنو. وإذا به كما يحدث القرآن الكريم : « وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من سوء ما بشر به أيمسكه على هونٍ أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون » (1). نظرة ملؤها الإحتقار يلقيها الرجل على زهرته المتفتحة وهي تستقبل حياتها الجديدة مكفهر الوجه مقطب الجبين يكظم غيظه ، ويحاول السيطرة على أعصابه كأنه أصيب بكارثة وهو يتجلد أمامها. 1 ـ سورة النحل : آية ( 58 ). |
|||
|