|
|||
|
(31)
لتوجيهه نحو عمل الخير ، ومن جملة هذه الصور المعروضة.
« ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين ». ويحاول القرآن الكريم أن يعيش مع الافراد ليدخل إلى قلوبهم ، ويعرض عليهم صوراً من الدروس الحية فيمثل لهم أمثلة نابعة من صميم حياتهم اليومية ليكون ذلك أبلغ في الوصول إلى المقصود. فمرة يمثل الانفاق بالتجارة. وأخرى يمثله بالزراعة. وثالثة يعرض أمام القارىء صوراً لحبة على ربوة وإذا بالمطر يغمرها فتقدم نتاجها المضاعف. كل ذلك ليصل ممن وراء هذه الصور الى القلوب ليغرس فيها حُب الخير بالانفاق الى الضعفاء ، والمعوزين لئلا يبقى فقير جائع بين المجموعة. وإذا ما أذكى نغم القرآن العذب لهب العزم على الخير في تلك القلوب التي استجابت لنداء الحق ، وقرب إلى أذهانهم نتائج أعمالهم الطيبة كحبة أثمرت سبعمائة حبة ، أو كحبة أتت أكلها ضعفين. وأنهم بذلك يربحون صفقة تجارية رابحة أحد طرفيها ـ الله عز وجل ـ هرع الناس إلى النبي الاكرم يسألونه عن بنود هذه العملية الرابحة ، ويتكشفون منه حقيقة هذا الانفاق الذي يريده الله. ماذا ولمن ؟. فنوعية الانفاق ، وكيفيته ، وجنس ما ينفق ، ولمن يكون الانفاق ، وعلى من يلزمهم الصرف ، والعطاء. (32)
« يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم » (1).
والسؤال في ظاهر الآية عما ينفق بينما جاء الجواب عمن ينفق عليه ولرفع هذا الالتباس يقول علماء التفسير. فان قلت : كيف طابق الجواب السؤال في قوله ( ما انفقتم ) وهم سألوا عن بيان ما ينفقون واجيبوا ببيان المصرف. قلت : قد تضمن قوله ( ما انفقتم من خير ) بيان ما ينفقونه وهو كل خير ، وبين الكلام على ما حداهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها » (2). وقال الطبرسي : « السؤال عن الانفاق يتضمن السؤال عن المنفق عمله فانهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق » (3). لقد كان التحضير من الآيات الكريمة السابقة في الترغيب والتشويق الى الانفاق هو الذي دعاهم للسؤال عن كيفية الإنفاق. لذلك بدأ القرآن يبين لهم مراحل الإنفاق بجهتيه : نوعيته ، ومصرفه. فعن النوعية لم يحدد لهم شيئاً يفرض فيه الانفاق ، بل ترك ذلك إلى تقديرهم. فالاطعام خير ، والكساء خير ، والمال خير. 1 ـ سورة البقرة : آية ( 215 ). 2 ـ الكشاف للزمخشري : في تفسيره لهذه الآية. 3 ـ مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية. (33)
وهكذا نرى الشارع المقدس يترك الباب مفتوحا ، فلم يحدد نوعية الانفاق ، بل يصفه بالخير جاء ذلك في آيات عديدة قال تعالى فيها :
« وما تنفقوا من خير فلانفسكم » (1). « وما تنفقوا من خير يوف إليكم » (2). « وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم » (3). وعن المصرف ، وهو المنفق عليه : بدأ الكتاب الكريم بأسرتي الإنسان الخاصة ، والعامة ليحيط بره جميع الاطراف التي تضم الانسان. فالاسرة الخاصة : وتتألف من الابوين العمودين ومن ثم الحواشي ، وهم الاطراف النسبية قال تعالى : « قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين ». واذا ما تجاوزنا أسرة الانسان الخاصة رأينا القرآن الكريم يلحق بهذه الاسرة المكونة من الوشائج النسبية الاسرة العامة ، وتتألف من : اليتامى ، والمساكين ، وأبناء السبيل. وهذا التدرج هو الذي تقتضيه طبيعة الاجتماع في هذه الحياة ، وقوانينه. فالوالدان عمودا الانسان ، ومن ثم حواشيه وهم أطرافه وكلالته على حد تعبير الفقهاء لهم حصة في الميراث حسب التدرج في الطبقات لأنهم يحيطون بالرجل كالاكليل الذي يحيط بالرأس. ومن ثم يتعدى في المراحل إلى الجماعة العامة من أصناف المعوزين. 1 ، 2 ، 3 ) سورة البقرة : الآيات ( 272 ـ 273 ). (34)
ولا بد للمنفق من السير على هذا الخط الذي رسمته الآية الكريمة فانه من الايحاءات في البيئة المتقاربة ، والتي هي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً كما يقوله الحديث الشريف.
واذا ما عرضنا فقرات الآية الكريمة على هذا النحو من الاجمال فلا بد لنا من الاحاطة بكل فقرة على نحو من التفصيل لنصل من وراء ذلك إلى ما يعطيه هذا التموج التدريجي في التركيب الفني الجميل. الأسرة الخاصة : وقد قلنا بانها تتكون من الوالدين ، والاقربين حسبما جاء في الآية الكريمة من قوله تعالى : « سيألونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فاللوادين والأقربين » (1). الوالدان : الابوة : لفظة بنفسها تعطي ما تحمله هذه الكلمة بين طياتها من الحنان ، والعطف نحو زهرة الحياة ، وبراعم العمر. والامومة : أنها الشمعة الزاهية باضوائها الحلوة تذيب نفسها لتنير الطريق إلى الآخرين. ولا يمكن لاي وليد أن يؤدي بعض الحق المفروض عليه تجاه أبويه ، فلطالما سهر الليالي لينعم الوليد بلذة النوم ، ولكم ضمه صدر أم 1 ـ سورة البقرة : آية ( 215 ). (35)
حنون ليشعر بدفء لذيذ حتى قال الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يخاطب ولده الامام الحسن (ع).
« وجدتك بعضي بل وجدتك كلي ، حتى لو أن شيئاً أصابك أصابني » (1). هذا الانصهار في الكيان بين الوليد ، ووالده ، وهذه الوحدة في الذات هما اللذان أوجبا أن يصور لنا الامام (ع) هذا الانشداد ليبين أن ما يصيب الولد يصيب الوالد لانهما شيء واحد بفارق يميز أحدهما أنه فرع ، والآخر أنه الأصل ، والنبتة التي كانت منشأ ، لذلك الفرع الجميل.
ففي خضم من القلق ، والاضطراب يتجه الشيخ الكبير يحمل فوق كتفيه متاعب القرون الماضية ليستعطف ربه بلهجة كلها الرقة ، والكلمات تتكسر بين شفتيه : « ربي إن ابني من أهلي وان وعدك الحق ». إنه نوح ( نبي الله ) أبو البشر الثاني كما تعتبر عنه كتب التأريخ والعبد الصالح المجاهد في سبيل الله. دعى قومه إلى عبادة الله والتوحيد به ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً. 1 ـ مقطع من وصية أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) أوصى بها ولده الامام الحسن (ع) قالها عند رجوعه من صفين. (36)
وكان يضربه قومه حتى يغشى عليه فلما يفيق يتجه إلى ربه وبفمٍ تتصاعد منه الحسرات يناجي ربه قائلاً :
« اللهم إهد قومي فانهم لا يعلمون ». وتشاء القدرة الإلهية أن ينزل العذاب على هؤلاء المعاندين ويكتب لهم الغرق. « وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ». وانتهى كل شيء وأصبحت السفينة ، وهي سفينة الامان ، جاهزة ووقت اليوم المعلوم لينفذ العذاب في هؤلاء. « حتى إذا جا أمرنا وفار التنور ». وكانت هذه العلامة ساعة الصفر. ولندع المفسرين ، وخلافاتهم في هذا التنور أين كان ، وفي أي بقعة من الأرض كان قابعا. المهم أنه كان مصدر نبع الماء ، وإندفعت المياه من السماء ضبابا بلا قطرات ، وتفجرت الأرض عيوناً منهمرة ، وفاضت البحار. وطفحت الانهار وكان نوح قد أمر أن يحمل في سفينته : « من كل زوجين إثنين ». من كل جنس من الحيوان زوجين أي ذكراً ، وأنثى. « وأهلك إلا من سبق عليه القول ». أي] من سبق الوعد بإهلاكه ، والمقصود بذلك أمرئته الخائنة وأضف إلى أسرة السفينة من الراكبين فيها. « ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ». (37)
واقصر ما قيل في عدد من آمن به ثمانين نفر.
وتكامل العدد ، وسارت السفينة وسط دنياً من المياه المنهمرة من كل حدب ، وصوب. « وهي تجري بهم في موج كالجبال ». والرياح العاتية تهبط بالسفينة ، وترفعها ، وكسفت الشمس. تمر تلك اللحظات ، ويتفقد ربان السفينة ، نبي الله نوح فلم يجد إبنه كنعان من ضمن الراكبين ، وحانت منه التفاتة وإذا بالولد يهرب صوب الجبال التي بعد لم يصل إليها الماء والهلع يأخذ منه مأخذه. « ونادى نوح أبنه وكان في معزل يا بني إركب معنا ولا تكن من الكافرين ». يا بني : إنه نداء الابوة الحنون ينبثق من القلب العطوف يرتل هذا النغم الهادىء ليصل إلى مسامع الولد المذهول من هذا المنظر المخيف يطلب إليه أن يلحتق بسفينته لينجو من عذاب الله المحتم. ولكن الولد المذعور يهرب من هذا النداء الابوي ليطلقها صيحة مدوية تضيع بين زمجرة الامواج العالية. « قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ». فهو يحاول عبثاً أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء ، ويبعد عنه شبح الموت الذي يتراءى له من بين هذه المياه المتدفقة من جميع الجهات. وعلى العكس فلم ييأس الشيخ الوقور ، وأعاد الكرة ، وظن أنه سيفلح في إقناع ولده ، فعاد إليه ، والحسرة تأكل قلبه متوسلاً وهو يقول : « لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ». (38)
وضاعت التوسلات وسط الامواج ، وبعد الشج ، وذهب الولد هارباً ، وأسدل الستار على الحوار العاطفي.
« وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ». وابتلعت المياه كل شيء ، ولم يبق من مخلوقات الله إلا : « من آمن وما آمن معه إلا قليل ». وهم ركاب السفينة. وصدرت الأوامر الإلهية : « وقيل يا أرض إبلعي مائك ويا سماء أقلعي وغيض الماء واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين ». وتنفس الشيخ الهرم الصعداء ، فلقد أخذت المياه كل أولئك الذين كفروا برسالته ، واذاقوه ألوان العذاب. ولم تشغل هذه المناظر المرعبة ، والنتائج التي حصل عليها في التغلب على الاعداء من التفكير في ولده بعد أن ضاعت توسلاته بابنه المغرور لذلك اتجه إلى ربه يذكره بوعده بأن أهله من ضمن الناجين من العذاب إلا إمرأته التي خانته في الإيمان به ، وولده من أهله. « ونادى نوح ربه فقال ان ابني من أهلي وأن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ». أنه بهذا التضرع يعترف من طرف خفي بحقيقة العاطفة الطاغية على مركز النبوة ، والعصمة. وماتت البسمة ، وانطفأ الأمل ، ومات شبح الابن حينما جاءه النداء : « قال يا نوح أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما (39)
ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ».
لقد أرخى الشيخ الكبير لعاطفته العنان فتجاوز الحد المرسوم ، وطالب بما ليس له أن يطالب فيه ، وها هو يتلقى التهديد بالترك عما يطلب ، وإذا به يعود إلى لطفه وعطفه فيتضرع من أجل هذا الالحاح قائلاً : « رب إني أعوذ بك أن اسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين » (1). بماذا تجازى هذه العواطف الجياشة من الآباء. وما هو الاسلوب الذي يلزمنا تجاه هذا البركان المتفجر من العطف أنه القرآن الكريم حدد لنا ، وتكفل ببيان هذه الكيفية ا لتي لا بد من تطبيقها نحو هذين الملاكين في المجالين التربوي ، والمالي. « وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمها كما ربياني صغيراً » (2). درس بليغ في الادب نستوضحه من خلال هذه الآية الكريمة حيث تدرج الشارع المقدس ببيان المراحل السلوكية مع الابوين على النحو التالي : الاولى : بيان مكانة الابوين ، وقيمتهما المعنوية ، ويبدو هذا واضحاً في اعتبار الاحسان اليهما بالدرجة التالية مباشرة لعبادة 1 ـ الآيات المتقدمة من سورة هود : ( 36 ، 47 ). 2 ـ سورة الاسراء آية ( 33 ـ 34 ). (40)
الله ، وبذلك نعرف مدى الواجب على الابناء في تقدير الابوين ، وقد جاء مثل هذا الايصاء في آيات أخرى فقد قال تعالى :
« واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً » (1). « ان اشكر لي ولوالديك إلي المصير » (2). لقد أتى رجل الى رسول الله (ص) فقال : ( يا رسول الله : أوصني فقال : لا تشرك بالله شيئاً ، وإن حرقت بالنار ، وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان. ووالديك ، فأطعمهما ، وبرهما حيين كانا ، أو ميتين ، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ، ومالك فافعل ، فان ذلك من الايمان » (3). إن هذه الوصية من النبي (ص) تعطينا مدى اهتمام المشرع بالوالدين ، فقد قرن الايصاء بالاحسان إليهما بعبادة الله وعدم الشرك به ، وجعل ذلك من الايمان ، لم يكتف بالايصاء بالبر بهما في حياتهما بل أمر بذلك بن أمر بذلك بعد موتهما. ولما يتسائل عن كيفية البر بالوالدين بعد الموت ذلك لأن الاحسان إنما يكون لمن هو حي يتقبل ما يجود به الانسان عليه. اما إذا مات الانسان فقد انقطعت عنه الحياة ومات فيه الشعور فكيف يكون الاحسان إليه ؟ لقد أوضح الاب ابي عبدالله الصادق ( عليه السلام ) هذه الجهة عندما قال : « من يمنع الرجل منكم أن يبر بوالديه حيين ، وميتين يصلي عنهما ، ويتصد عنهما ، ويحج عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع 1 ـ سورة : آية ( 36 ). 2 ـ سورة لقمان آية ( 14 ). 3 ـ اصول الكافي : حديث ( 2 ) باب البر بالوالدين. (41)
لهما ، وله مثل ذلك ، فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيراً كثيراً » (1).
وصحيح أن الانسان إذا مات انقطع شعوره ، وتوقفت الحركة الحياتية عنده إلا أن الله سبحانه لا يصفي حسابه معه رحمة منه ، ومنّة عليه ، فلعل من يقدم إليه خيراً من ولدٍ بارٍ به ، أو صديق يشفق عليه ، فيكتب ذلك له ليخفف به عن سيئاته ، أو ليزيد في حسناته. الثانية : وبعدما تعرضت الآية لمنزلة الابوين إنتقلت بنا لتعطينا درساً في كيفية المعاشرة معهما. « فلا تقل لهما أف ». أنه غاية في الحشمة ، والادب أن يقف الابن حيال ابويه فلا يفتح شفتيه بأدنى ما يعبر عن الضجر ، والسأم ، ولو بحرفين من الكلام فلا يجوز للابن أن ينهر أبويه ، ففي ذلك سخط الرب لانه تجاوز ، وتعد على حقوقهما. يقول الامام الكاظم ( عليه السلام ) « لو علم الله شيئاً هو أدنى من أفٍ لنهى عنه وهو من أدنى العقوق» (2). وإذا فلا بد من تجنب كل ما يزعجهما ، ولو بأدنى كلام وإبدال ذلك بمخاطبتهما بلطف ، وإحترام ، وبرفق وخضوع. « وقل لهما قولاً كريماً ». ليبادل الولد أباه العطف ، فيجد الاب ثمرة عطفه وحنانه فيقطف من هذه الثمرة ، وهو على قيد الحياة وليجني ما زرعته ابوته فيحصد حباً كان 1 ـ اصول الكافي باب بالوالدين ( حديث 7 ). 2 ـ جامع السعادات : 2 / 263 مطبعة النجف الاشرف. (42)
قد غرس بذوره قبلاً حيث كان يطبع على جبين الصبي القبل في الليالي الحالكة.
الثالثة : وفي مقام الاطاعة والانتقال من حيز القول والعمل الخارجي لا بد أن يكون كما تريده الآية. « واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ». وليتصور الانسان ما بين هذين المعنيين ، وكيفية الجمع بين جناحي الذل ، والرحمة من عطاء شامخ ، ومرمى بعيد يتجسد في مثول البنوة المؤدبة أمام الابوة الرحيمة إنه تعبير على إيجازه مفصل الأسلوب دقيق المضمون. الرابعة : وفي غيابهما لا بد أن يحفظ لهما غيبتهما فيتضرع إلى الله بقلب ملؤه العطف ، والانكسار فيدعو لهما. « وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ». فيبادلهما حبهما وعطفهنما بالدعاء لهما ، وطلب الرحمة من الله فقد ربياه صغيراً يوم كان طفلاً لا يقدر على شيء ، وحيث شب ونمى لا بد أن يقوم بعمل يجازيهما به ، وهو الدعاء بطلب الخير لهما. وفي مقام الانفاق ، والاحسان لا بد أن يقدمهما على كل أحد جزاء رعايتهما له لذلك كانت الآية في بيان مراحل الانفاق وجعل الوالدين في مقدمة من ينفق عليهم من أسرته الخاصة. ومن جهة أخرى نرى الشارع المقدس يحذر الفرد من مغبة عقوق الوالدين ، والاعراض عنهما حتى جاء في بعض الاخبار عن الله سبحانه في الحديث القدسي أنه قال : « بعزتي وجلالي ، وارتفاع مكاني لو أن العاق لولديه يعمل بأعمال (43)
الأنبياء جميعاً لم أقبلها منه » (1).
بعزتي ، وجلالي ، وإرتفاع مكاني. إنه قسم مغلظ يخبر الحديث عنه ـ جلٌت قدرته ـ عن أنه سيرفض أعمال من يعق والديه حتى لو كانت تلك الاعمال موازية لاعمال جميع الأنبياء ، أو الاعمال التي يعملها الانبياء. على أن للبر بالوالدين ، أو عقوقهما الاثار الوضعية في هذه الدنيا قبل الاخرى ، وقد وردت بذلك الاخبار العديدة حيث أوضحت لنا أن من يبر بوالديه يتفضل الله عليه ليمنحه من لطفه ، وعطفه كاحسان معجل ، وله أضعاف ذلك في الحياة الأخرى ، كما أن لمن بعق والديه من المشاق ، والعذاب ما هو معجل له أيضاً في حياته قبل مماته. وإذا ما تعدينا هذه الحلقة وهي التي تحيط بالانسان وتلتصق به في تكوينه الأولى ، فإن أقرب حلقة تأتي بعد الأبوين يرتبط بها الفرد هي ما ذكرته الآية في قوله تعالى : « والاقربين » فمن هم : الاقربون ؟ : إنهم رحم المنفق ، ولحمته ، وقد جاءت الآيات الكريمة مكررة في الكتاب الكريم لتنوه بالاقرباء ، وانهم عصب الانسان وبهم يشد أزره فلا بد من أن ينالوا من عطفه ، وإحسانه. فعن الرسول الاعظم (ص) بعدما سئل : « أي الناس أفضل ؟ فقال : أتقاهم لله ، وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر » (2) 1 ـ جامع السعادات : 2 / 263 ـ مطبعة النجف / سنة 1383. 2 ـ أخرجه أحمد في مسنده : 6 ـ 432 من حديث درة بنت أبي لهب بأسناد حسن. (44)
صلة الرحم تجعل المنفق من أفضل الناس ، وفي عداد المتقين ولم يأت في الحديث الشريف تحديد لمقدار. وكيفية صلة الرحم بل ذلك يترك للشخص نفسه كما هي عادة الكتاب الكريم يترك هذه الجهة تابعة لما يصدق عليه في النظر العرفي أنه من مصاديق الصلة.
وعن الامام الباقر عليه السلام : « إن صلة الرحم ، وحسن الجوار يعمران الديار ، ويزيدان في الأعمار » (1). أما أنها تزيد في العمر فقد جاء هذا في أكثر من حديث وخبر فعن علي بن الحسين عن رسول الله (ص) أنه قال : « من سره أن يمد الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه » (2). وليس في هذا أي تأمل فالاعمار بيد الله ، ومن جاء بهذه الحسنة فله عند الله أن يزيد عمره ، والله يضاعف لمن يشاء. ولكن للانسان أن يقف عند الفقرة الاولى من الحديث المتقدم فيتأمل كيف أن صلة الرحم تعمر الديار. وبطبيعة الحال أن المفهوم لهذه الجملة هو أن القطيعة مما تساعد في تهديم الديار. شيء ملفت في النظرات الاولى أن يكون الاتفاق على الهوامش مما يحقق للانسان هذا المعنى. ولكن هذه الغرابة سوف تتبدد لو علمنا أن الخبر يرمز إلى معنى كنائي سامي ، فبقاء الدور على ما هي عليه ببقاء أصحابها ، وبقاء اصحابها منوط بما يحافظ عليهم من التعدي والتجاوزات من الآخرين. 1 ـ 2 ) الكافي باب صلة الرحم. (45)
ومن أقرب من الرحم يحافظ على الانسان ، ويحفظ له حقوقه وهم لحمته المقربة فبهم يرتفع الرأس عالياً ، ويقف الانسان مزهواً يحيطون به كما يحيط الاكليل بالرأس يذبون عنه ويفدونه بنفوسهم ، وأموالهم.
وعلى العكس لو قطعهم ، وحصلت الجفوة بين الطرفين ، فانه سيقف بمفرده في معترك هذه الحياة ان لم يكونوا يعينوا عليه أعدائه ( فأهل الدار أدرى بمن فيها ) وهم أقدر من غيرهم على تسليمه إلى الغير عند الوثبة ، فعمران الديار بصفاء ساكنيها وتخريبها به ينشأ من تعكر الود بين هؤلاء الاحبة. ويأتي هذا المعنى موضحاً على لسان الامام جعفر الصادق (ع) حيث يقول : « قال أمير المؤمنين (ع) لن يرغب المرء عن عشيرته ، وإن كان ذا مال ، وولد ، وعن مودتهم ، وكرامتهم ، ودفاعهم بأيديهم ، وألسنتهم. هم أشد الناس حيطة من ورائه ، وأعطفهم عليه ، وألٌمهم لشعثه ، ان أصابته مصيبة ، أو نزل به عبض مكاره الأمور ، ومن يقتص يده عن عشريته ، فإنما يفيض عنهم يدا واحدة ، و عنه منهم أيدي كثيرة ، ومن يكن حاشيته يعرف صديقه منه المودة» الخ (1). هذا التحليل من الامام (ع) ليعطينا صورة واضحة عن التشابك الذي يحصل بين الارحام في صورة تواصلهم ، وتقاربهم ، والفوائد التي يجنيها الفرد من وراء تجمهر هذه المجموعة ، ودفاعهم بايديهم ، وألسنتهم ، فالفرد يقبض عنهم يداً واحدة وهي كناية عن بعده عنهم بينما يحرم هو عن كل مجموعتهم. فهم أعطف الناس عليه ، وأنفعهم إليه ، واضرهم في الوقت نفسه عليه. 1 ـ الكافي : ج2 ـ 154 تحت رقم 19. |
|||
|