مناهج المفسرين

الدكتور منيع عبد الحليم محمود

مناهج المفسرين

المؤلف:

الدكتور منيع عبد الحليم محمود

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الكتاب المصري
نسخة غير مصححة

الثالث فى مدة نزول القرآن.

الرابع فى أول ما نزل من القرآن.

الخامس فى آخر ما نزل وقد درج فى تفسيره على المبالغة فى الاختصار فقال :

وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الاشارة ، ولم أغادر من الاقوال التى احطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ ، فإذا رأيت فى فرض الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين : أما أن يكون قد سبق ، وإما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير.

وقد انتقى كتابنا هذا انقى التفاسير ، فأخذ منها الاصح والاحسن والأصون فنظمه فى عبارة الاختصار.

ورغم ترداد ابن الجوزى لكلمة الاختصار والإيجاز لهذا التفسير ، فإنه يقع فى تسع مجلدات وكل مجلد يقع فى عدد يزيد على ثلاثمائة وخمسين صحيفة ، وهو ليس بالصورة التى يعطيها كلام ابن الجوزى من الاختصار ، ولكن لكثرة معلومات ابن الجوزى وسعة معارفه ظهرت له صورة الكتاب على طوله ، إنه من المختصرات.

وفى الواقع إن مما يشق على قارئ هذا التفسير أن ابن الجوزى كثيرا ما يحيل على ما سبق دون بيان كاف لموضع الاحالة.

وقد اخرجه فى صورة متقنة جميلة المكتب الإسلامى للطبع والنشر على نفقة صاحب السمو العالم الجليل الشيخ على بن عبد الله آل ثانى حفظه الله.

فجزاه الله خير الجزاء لما أداه للعلم من خدمة جليلة بطبع هذا التفسير ...

ومن تفسيره :

قال تعالى : ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ

١٢١

أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ).

( سورة البقرة الآية ٢٦٩ )

قوله تعالى « يؤتى الحكمة من يشاء » فى المراد بهذه الحكمة أحد عشر قولا :

أحدهما : أنها القرآن ، قاله ابن مسعود ومجاهد والضحاك ومقاتل فى آخرين ..

الثانى : معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومقدمه ، ومؤخره ، ونحو ذلك ، رواه على بن أبى طلحة عن ابن عباس ..

الثالث : النبوة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

والرابع : الفهم فى القرآن ، قاله أبو العالية وقتادة وإبراهيم.

الخامس : العلم والفقه رواه ليث عن مجاهد.

والسادس : الإصابة فى القول ، رواه ابن أبى نجيح عن مجاهد.

والسابع : الورع فى دين الله ، قاله الحسن.

والثامن : الخشية لله ، قاله الربيع بن أنس.

والتاسع : العقل فى الدين ، قاله ابن زيد.

والعاشر : الفهم ، قاله شريك.

والحادى عشر : العلم والعمل ، لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمعهما ، قاله ابن قتيبة ..

ومما نحب أن نشير إليه أننا قد ربطنا بين هذه الآراء المختلفة فى معرض حديثنا عن الحكمة فقلنا :

وردت كلمة الحكمة كثيرا فى اللغة العربية : فى الشعر وفى القرآن الكريم ، وفى الاحاديث النبوية.

وهى تطلق عند علماء الإسلام ، وفى اللغة العربية على معان عدة ، بلغ بها صاحب البحر المحيط تسعة وعشرين رأيا منها :

١٢٢

الإصابة فى القول والعمل ، ومنها : الفهم : ومنها : الكتابة ، ومنها :اصلاح الدين واصلاح الدنيا.

ويذكر صاحب البحر المحيط : أن معانى الكلمة قريب بعضها من بعض ، ما عدا قول السدى.

أما قول السدى فى تفسير الحكمة فهو :

انها النبوة ، ولكن السدى لا يستقل بهذا الرأى فقد قاله ابن عباس ، فيما رواه عنه أبو صالح.

وقريب منه ما قيل : فى معنى الحكمة ، من أنها : العلم اللدنى ، أو من أنها : تجريد السر لورود الالهام.

والواقع أن معانى هذه الكلمة : تنقسم طبيعيا إلى قسمين :

أحدهما : ما يبدو فى السلوك الخارجى : من سداد فى الرأى ، واتزان فى التفكير ، واتجاه فى السلوك إلى الطريق الاقوم.

والثانى : هو الناحية الاشرافية الالهامية ، وهى ناحية باطنية داخلية ، يعلمها صاحبها ويلقنها من يصطفيهم من خاصة صحبة أو تلاميذه.

وهذان المعنيان لا يتعارضان ، وإنما يوجد ان أحيانا فى انسجام وتناغم ، وأحيانا يوجد المعنى الأول فقط.

ومما لا شك فيه : إنه لا يوجد المعنى الثانى بدون المعنى الأول.

فالشخص الملهم : مسدد الرأى ، متزن التفكير ، أنه « حكيم » باطنيا وظاهريا.

وبهذين المعنيين فسر علماء الإسلام معنى كلمة : « حكمة » فى عدة آيات من القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى فيما يتعلق بداود عليه‌السلام :

( وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ) ( سورة البقرة الآية ٢٥١ )

وقوله تعالى :

١٢٣

( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ).

قوله تعالى : ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ) قرأ يعقوب بكسر تاء « يؤت » ووقف عليها بهاء ، والمعنى : ومن يؤته الحكمة ، وكذلك هى فى قراءة ابن مسعود بهاء بعد التاء ..

قوله تعالى : ( وَما يَذَّكَّرُ ) قال الزجاج : وما يتفكر فكرا يذكر به ما قص من آيات القرآن إلا ذوو العقول .. قال ابن قتيبة : « أولو » بمعنى ذو و، وواحد ـ « أولو » « ذو » و « أولات » ذات ..

قوله تعالى :

( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). ( سورة آل عمران الآية ١٢٣ )

قوله تعالى : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ) فى تسمية بدر قولان :

أحدهما : أنها بئر لرجل اسمه بدر ، قاله الشعبى.

والثانى : أنه اسم للمكان الذى التقوا عليه ، ذكره الواقدى عن اشياخه ..

قوله تعالى : ( وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) أى : لقلة العدد والعدد .. ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أى لتكونوا من الشاكرين.

١٢٤

تفسير ابن عطية

يمثل هذا التفسير لونا من التفاسير المحررة الموجزة الجامعة فى معانيها ، المختصرة فى تعبيرها ، ويظهر ذلك واضحا من تسمية مؤلفه له : المحرر الوجيز فى تفسير القرآن العزيز.

وقد بهر ابن عطية بتفسيره العلماء فى عصره وفيما بعد عصره ، يقول ابن عميرة الضبى المتوفى سنة ٥٩٩ ه‍.

« ألف ـ يعنى ابن عطية ـ فى التفسير كتابا ضخما اربى فيه على كل متقدم ». ويقول ابن الآبار :

« وتأليفه فى التفسير جليل الفائدة ، كتبه الناس كثيرا وسمعوه منه واخذوه عنه ». أما ابن جزى فإنه يقول : ـ « وأما ابن عطية فكتابه فى التفسير أحسن التأليف واعدلها ، فإنه اطلع على تآليف من كان قبله فهذبها ولخصها ، وهو مع ذلك حسن العبارة ، مسدد النظر ، محافظ على السنة ». ويقول ابن تيمية :

وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشرى ، واصح نقلا وبحثا ، وابعد عن البدع ، ... بل هو خير منه بكثير ، بل لعله ارجح هذه التفاسير.

ويقول ابن خلدون ـ عما امتاز به تفسيره من حذر من الاسرائيليات وتثبت فى نقل الاخبار.

« وتساهل المفسرون فى مثل ذلك ـ النقل عن أهل الكتاب الذين دخلوا فى الإسلام مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وامثالهم ـ وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات ، واصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك ،

١٢٥

إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت اقدارهم لما كانوا عليه من المقامات فى الدين والله ، فتلقيت بالقبول من يومئذ ، فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص ، وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب ، فلخص تلك التفاسير كلها ، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها ، ووضع ذلك فى كتاب متداول بين أهل المغرب والاندلس حسن المنحى وتبعه القرطبى فى تلك الطريقة على منهاج واحد فى كتاب آخر مشهور بالمشرق ا. ه.

والناظر فى هذا التفسير يجد أنه يذكر الآية ثم يفسرها تفسيرا سهلا شاملا مختصرا ثم يورد بعض ما يتصل بالآية مما ينتقيه من المأثور ، وأكثر ما يختار منه من تفسير الطبرى ، وقد يعرج بالرد على رواية والانتقاد لمنقول ..

ويظهر فى تفسيره الاهتمام باللغة العربية ، والعناية باستخراج المعانى على اساس منها ، كما أنه يذكر فى أحيان كثيرة القراءات المختلفة ويستخرج المعانى المستنبطة على أساسها.

وقد تأثر تفسير ابن عطية كثير من مشاهير المفسرين كالقرطبى وابن حيان والثعالبى فاستفادوا منه ونقلوا عنه ، وكان له فى تفاسيرهم الأثر المحمود فيما يتصل بالمنهج ، وفيها يتصل بالمضمون.

ومع الأهمية المتزايدة لهذا التفسير فما زال مخطوطا متنافر الأجزاء بين المكتبات المختلفة ويوجد منه فى دار الكتب المصرية اربعة أجزاء من مجموع الكتاب ويقع فى عشر مجلدات كبار ..

وقد استفاد ابن عطية فى تفسيره بالإضافة إلى تفسير الطبرى بتفسير المهدوى المسمى ( التفصيل الجامع لعلوم التنزيل ) الذى قال عنه فى مقدمة تفسيره : إنه متقن التأليف ، وانتقد اسلوبه فى عدم تتبع الألفاظ ، بأنه مفرق للنظر ، مشعب للفكر.

أما عن مصنف هذا التفسير فهو القاضى أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب ، ابن عطية المحاربى.

١٢٦

امتاز بالفهم وسرعة التحصيل والطموح العلمى ، والمثابرة والاجتهاد ، قال السيوطى فى طبقات المفسرين : كان يتوقد ذكاء.

وقال فى بغية الوعاة : كان فاضلا من بيت علم وجلاله ، غاية فى توقد الذهن ، وحسن الفهم ، وجلالة التصرف ..

وقال الفتح بن خاقان : ادمن التعب فى السؤدد جاهدا ، حتى تناول الكواكب قاعدا ، وما اتكأ على ارائك ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله ..

وقال : سما إلى رتب الكهول صغيرا ، وشن كتبه على العلوم مغيرا ، فسباها معنى وفصلا ، وحواها فرعا وأصلا ..

ولد سنة ٤٨١ فى أول عهد المرابطين بغرناطة وكان له شغف بالعلم عمل على اروائه فتتلمذ على شيوخ من أهمهم والده وكان اماما فى الحديث وحافظا للسنة ـ أو كما قال الفتح بن خاقان شيخ العلم وحامل لوائه ، وحافظ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكوكب سمائه شرح الله لحفظه صدره ، وطاول به عمره.

ومن أهم شيوخه الحافظ أبو على الحسين بن محمد الغسانى المتوفى سنة ٤٩٨ ه‍ وكان من أهم تلاميذ الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر ، له مؤلفات قيمه وآثار مشهورة فى مجال خدمة السنة.

ومنهم الحافظ أبو على الحسين بن محمد الصدفى المتوفى سنة ٥١٤ ه‍ ، والفقيه أبو عبد الله محمد بن على ابن حمد بن التغلبى المتوفى سنة ٥٠٨.

كان ابوه يتعهده بالعناية والرعاية ، ويشجعه على إعداد تفسيره ، والعمل على إتمامه فكان ربما ايقظه فى الليل مرتين بقوله : قم يا بنى اكتب كذا وكذا فى موضع كذا من تفسيرك.

وكان له فى سبيل العلم رحلات مختلفة واسفار متعددة ، فرحل فى طلب العلم إلى قرطبة واشبيليه ومرسية وبلنسية.

١٢٧

كما شارك فى تحمل اعباء الجهاد فى عصره ـ حينما احتاج الأمر إلى مجهوده فيه ـ فكان كما قال ابن الآبار فى آخر دولة المرابطين كثير الخروج للغزو فى جيوشهم.

وقد استنتج الشيخ محمد الفاضل بن عاشور من ذلك أن من المرجح أن يكون تأليف تفسيره قبل هذا الدور الأخير من دولة المرابطين الذى هو الدور الأخير من حياة ابن عطية إذ كان تاريخ وفاته سنة ٥٤٢ ه‍ عين تاريخ انتهاء دولة المرابطين بالأندلس ..

وقد استفاد ابن عطية فى تفسيره بالإضافة إلى تفسير الطبرى بنفيسه المهدوى المسمى : « التفصيل الجامع العلوم التنزيل » الذى قال عنه فى مقدمة تفسيره أنه متقن التأليف ، وانتقد اسلوبه فى عدم تتبع الالفاظ بأنه مفرق للنظر مشعب للفكر.

وكان ابن عطية فى تفسيره نابضا بالشباب ، فتيا بالعروبة ، فإن الشباب كما يقول الشيخ الفاضل بن عاشور افاده قريحة متقدة ونظرة حادة يتناول بهما موضوعه فى قوة وسرعة ومتانة المام فيأتى بيانه محبوكا منسجما ، والعروبة أفادته طبعا اصيلا وملكة صافية ففاض بيانه قويا هتانا سائغا سلسا.

ولذلك فلا بدع أن يتصف تفسير ابن عطية بأن « محرر » لا سيما وقد دفع الشبه وخلص الحقائق وحرر ما هو محتاج إلى التحرير.

وهو وجيز بالنسبة إلى بعض التفاسير التى سبقته ..

واليك نماذج من تفسير ابن عطية

عن قوله تعالى :

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

( سورة الحديد الآية ٢٨ )

١٢٨

واختلف الناس فى المخاطب بها ـ يعنى بالآية ـ فقالت فرقة من المتأولين :خوطب بهذا أهل الكتاب ، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم :« ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم مرتين.

رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وآمن بى « الحديث »

وقال آخرون : المخاطبة للمؤمنين من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول لهم : ـ

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) أى اثبتوا على ذلك ودوموا عليه ، وهذا هو معنى الأمر ابدا لمن هو متلبس بما يؤمر به.

وقوله : ( يؤتكم كفلين ) أى نصيبين بالإضافة إلى ما كان الامم قبل يعطونه قال أبو موسى الأشعرى : كفلين : ضعفين « بلسان الحبشة ».

وروى أن عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه ) قال لبعض الأحبار : كم كان التضعيف للحسنات فيكم؟ .. قال : ثلاثمائة وخمسين ، فقال : الحمد لله الذى أضاف لنا إلى سبعمائة ..

ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح الذى يقتضى أن اليهود إلى نصف النهار على قيراط ، والنصارى من الظهر إلى العصر على قيراط ، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين ، فلما أصبحت اليهود والنصارى على ذلك وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل أجرا ، قال الله تعالى : هل نقصتكم من أجركم شيئا؟ قالوا : لا قال : فإنه فضلى أوتيه من أشاء

١٢٩
١٣٠

تفسير الإمام البغوى

هو الإمام الحافظ الشهير محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوى الشافعى المحدث المفسر ، صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان.

وصفه ابن الأهول فقال :

« هو صاحب الفنون الجامعة ، والمصنفات النافعة ، مع الزهد والورع والقناعة ومن مظاهر زهده ما قاله صاحب شذرات الذهب من انه كان سيدا زاهدا قانعا يأكل الخبز وحده ، فليم فى ذلك فصار يأكله بالزيت ..

ولد فى بغشور ، والنسبة إليها بغوى على غير قياس ، وقيل : اسم المدينة « بغ » بليدة بين هراة ومرو والروذ من بلاد خراسان.

نشأ شافعى المذهب بحكم البيئة التى عاش فيها ، والعلماء الذين تلقى عنهم وكانت له آثار قيّمة فى المذهب الشافعى ، حيث أنه ألف فيه كتابه ( التهذيب ) ونحى فيه منحى أهل الترجيح والاختبار والتصحيح ، لا يتعصب لمذهبه ، ولا يندد بغيره ، رائده الوصول إلى ما يراه أقرب إلى النصوص ، وأوفق لمبادئ الدين.

وكان داعيا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ، ناشرا لعلومهما ، موضحا لما يوجهان إليه ، فألف فى ذلك التآليف النافعة التي أهلته لأن يكون بحق « محيى السنة ».

وكما هو دأب العلماء قام علمه على دعامتين هامتين :

أولا ـ الأخذ من العلماء ، وقد اشتهر من أساتذته : الإمام الحسين بن محمد المروزى القاضى ، فقيه خراسان ، وشيخ الشافعية فى زمنه واحد مشاهير العلماء ، المتوفى سنة ٤٦٢ ه‍.

١٣١

والإمام الفقيه الفاضل أبو الحسن على بن يوسف الجوينى المعروف بشيخ الحجاز المتوفى سنة ٤٦٣ ه‍.

والمحدث الفاضل أبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفى النيسابورى المتوفى سنة ٤٦٦ ه‍.

ثانيا : الأخذ من الكتب والاطلاع على ما أثر عن العلماء ...

وكان الإمام البغوى محدثا فاضلا سمع الكثير من الحفاظ ، وروى عنهم الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء من أجود الطرق وأوثقها وأوفاها وجالس علماء اللغة وحمل عنهم الكتب التى ألفت فى غريب الحديث وبيان معانيه ، قال الحافظ الذهبى : الإمام العلامة القدوة الحافظ ، شيخ الإسلام ، محيى السنة ، صاحب التصانيف ... وقال ابن نقطة : إمام حافظ ثقة صالح ..

وقال السبكى : وكان البغوى يلقب بمحيى السنة ، وبركن الدين ، ولم يدخل بغداد ولو دخلها لاتسعت ترجمته ، وقدره عال فى الدين وفى التفسير وفى الحديث ، متسع الدائرة نقلا وتحقيقا. وكان الشيخ تقى الدين السبكى يقول :

قل ان رأيناه يختار شيئا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره ، هذا مع اختصار كلامه وهو يدل على نبل كبير ، وهو حرى بذلك ، فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه وقد انتج هذا النشاط العلمى الكبير مؤلفات قيمه منها :

١ ـ مجموعة من الفتاوى ضمنها فتاوى شيخه أبو على الحسين بن محمد المروزى.

٢ ـ التهذيب فى فقه الإمام الشافعى ، وهو تأليف محرر ، مهذب ، مجرد من الأدلة غالبا.

٣ ـ شرح السنة.

٤ ـ معالم التنزيل وهو التفسير المشهور.

وقد قدم لتفسيره مقدمة ، بينت منهجه ، وحددت خطته ، وأبانت عن

١٣٢

مقصده ، وبينت جوانب من علمه الواسع فى مجال الدراسات القرآنية.

إنه يقول فى مقدمته بعد الحمد والثناء :

أما بعد : فإن الله جل ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، رحمة للعالمين ، وبشيرا للمؤمنين ، ونذيرا للمخالفين ، اكمل به بنيان النبوة ، وختم به ديوان الرسالة ، واتم به مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال ، وأنزل عليه بفضله نورا هدى به من الضلالة ، وأنقذ به من الجهالة ، حكم بالفلاح لمن تبعه ، وبالخسران لمن أعرض عنه بعد ما سمعه ، واعجز الخليقة عن معارضته ، وعن الاتيان بسورة من مثله فى مقابلته ، ثم سهل على الخلق مع إعجازه تلاوته ، ويسر على الألسن قراءته ، أمر فيه وزجر ، وبشر وأنذر ، وذكر المواعظ ليتذكر ، وقص عن أحوال الماضيين ليعتبر ، وضرب الأمثال ليتدبر ، ودل على آيات التوحيد ليتفكر ، ولا حصول لهذه المقاصد منه إلا بدراية تفسيره وإعلامه ، ومعرفة أسباب نزوله وأحكامه والوقوف على ناسخه ومنسوخه ، ومعرفة خاصه وعامة ، ثم هو كلام معجز ، وبحر عميق لا نهاية لاسرار علومه ، ولا إدراك لحقائق معانيه وقد ألف ائمة السلف فى أنواع علومه كتبا كل على قدر فهمه ، ومبلغ علمه ، نظرا للخلق ، فشكر الله تعالى سعيهم ، ورحم كافتهم ، فسألنى جماعة من أصحابى المخلصين ، وعلى اقتباس العلم مقبلين ، كتابا فى معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه معتمدا على فضل الله تعالى وتيسيره ، واقتداء بالماضين من السلف فى تدوين العلم ابقاء على الخلف ، وليس على ما فعلوه مزيد ، ولكن لا بد فى كل زمان من تجديد ما طال به العهد ، وقصر بالطالبين فيه الجد والجهد ، تنبيها للمتوقفين ، وتحريضا للمتثبطين ، فجمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوا كتابا متوسطا بين الطويل الممل ، والقصير المخل ، ارجو أن يكون مفيدا ، لمن أقبل على تحصيله مزيدا ..

ثم ذكر الأسانيد التى اعتمدها فى تفسيره ...

ومن هنا ندرك أن كتابه من الكتب المعتبرة فى التفسير بالمأثور ..

١٣٣

ثم يقول : إن الناس كما انهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده ، فهم متعبدون بتلاوته ، وحفظ حروفه ، على سنن خط المصحف ـ اعنى الإمام ـ الذى اتفقت عليه الصحابة ، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين ، واتفقت الأئمة على اختيارهم ، وقد ذكرت فى الكتاب قراءة من اشتهر منهم بالقراءات واختباراتهم ..

أما عن استشهاده بالأحاديث والآثار فقد اختار فيه الصحيح المقبول ، وترك الضعيف والموضوع ـ ويعبر عن ذلك قوله :

وما ذكرت من أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أثناء الكتاب على وفاق آية أو بيان حكم ، فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة ، وعليها مدار الشرع وأمور الدين من الكتب المسموعة للحفاظ ذائعة الحديث ، واعرضت عن ذكر المناكير ، وما لا يليق بحال التفسير فأرجو أن يكون مباركا على من أراده ...

ثم عقد عدة فصول بين يدى التفسير تتمثل فيما يلى :

فصل فى فضائل القرآن وتعليمه.

فصل فى فضائل تلاوة القرآن.

فصل فى وعيد من قال فى القرآن برأيه من غير علم ...

ونحن نلاحظ فما يتعلق بالإمام البغوى أن له جوانب تجعله من الطبقة الممتازة لقد استكمل عدة التفسير من اللغة فقد جالس علماء اللغة وتثقف عليهم كأحسن ما تكون الثقافة اللغوية وبعض الناس يظن أن اللغة كافية فى معرفة التفسير ، ولكنهم مخطئون فلا بد فى التفسير من عناصر أخرى ، منها :

السنة النبوية الشريفة : وقد برع فيها الإمام البغوى فهو محدث ممتاز وصلت به ثقافته فى الحديث إن سمى : محيى السنة ، وكان محدثا ثقة وهو فى تقدير المحدثين : الإمام الحافظ الثقة.

وقد اتقن فن القراءات وأبان عنها فى تفسيره.

١٣٤

وكان مهذبا ، أدبه القرآن والحديث ومن أثر هذا الأدب أن شكر فى مقدمة تفسيره السابقين من المفسرين واثنى عليهم.

ويرى الإمام البغوى ـ ونحن نؤيده فى ذلك تأييدا مطلقا ـ وجوب حفظ حروف القرآن على سنن خط المصحف الإمام اعنى الخط العثمانى الذى اتفقت عليه الصحابة ، وان لا يجاوز وإنما يوافق ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين واتفقت الأئمة على اختيارهم.

كل ذلك يوضع فى كفة امتياز الإمام البغوى ..

ويتضح مجهوده فى التفسير بنماذج منه :

قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ( سورة البقرة الآية ١٥٣ )

بالعون والنصرة ( ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات ) نزلت فى قتلى بدر من المسلمين ، وكانوا أربعة عشر رجلا ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، كان الناس يقولون لمن يقتل فى سبيل الله : مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها ، فأنزل الله تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) ( سورة البقرة الآية ١٥٢ )

كما قال فى شهداء أحد : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ).

( سورة آل عمران الآية ١٦٩ ).

قال الحسن :

إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح الفرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع.

١٣٥

وقال تعالى : ( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ )

( سورة الأنعام الآية ١٢٠ )

يعنى الذنوب كلها لأنها لا تخلوا من هذين الوجهين : قال قتادة : علانيته وسره ، وقال مجاهد : ظاهره ما يعمله الإنسان بالجوارح من الذنوب وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له.

قال الكلبى : كظاهره الزنا ، وباطنه المخالفة ، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الاعلان بالزنا وهم أصحاب الرايات ، وباطنه الاستسرار به ، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا ، وكان الشريف منهم يتشرف فيسر به ، وغير الشريف لا يبالى فيظهره ، فحرمهما الله عزوجل ..

وقال سعيد ابن جبير : ظاهر الإسم نكاح المحارم ، وباطنه الزنا ..

وقال ابن زيد : إن ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعرى فى الطواف ، والباطن الزنا ..

وروى حيان عم الكلبى : ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة ، وباطنه طواف النساء بالليل عراة ..

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ ) فى الآخرة .. ( بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ )

( سورة الأنعام الآية ١٢٠ )

يكتسبون فى الدنيا ..

١٣٦

المفردات فى غريب القرآن

للراغب الأصفهانى

ويسمى هذا الكتاب عادة : « المفردات للراغب الأصفهانى ».

أما الراغب الأصفهانى فإنه من أهل اصبهان أو أصفهان.

ولما تزود من العلم بحظ كاف يمم شطر بغداد ، وكانت محط أنظار العلماء واشتهر بها شهرة واسعة.

ولا نعلم فى يقين متى كان ميلاده ولكن وفاته كانت على التقريب سنة ٥٠٢ ه‍ ، ١١٠٨ م.

ولقد كان الراغب أديبا قمة فى الأدب ، وكان عالما من أئمة العلماء ، وفقيها من خيرة الفقهاء. ولكن المادة التى كانت مدار تخصصه وشهرته كانت :القرآن.

لقد انغمس فى أنوار القرآن واتخذه نبراسا لآرائه وسلوكه ، وواتاه فى ذلك تمكنه من اللغة وذوقه الجميل فى الأدب.

ولقد ألف فى الجو القرآنى :

١ ـ جامع التفاسير ، وهو تفسير مستفيض ، وإن كان لم يكمل ، وقد طبعت مقدمته مبينة عن فضل عظيم للمؤلف فى مجال العلم بالقرآن وما ينبغى للمفسر. وقد اقتبس الإمام البيضاوى وغيره من هذا التفسير كثيرا.

٢ ـ حل متشابهات القرآن.

٣ ـ تحقيق البيان فى تأويل القرآن.

٤ ـ المفردات الذى سنتحدث عنه إن شاء الله.

ولكن إذا كانت هذه المؤلفات متصله بالقرآن مباشرة ، فإن الكثير من

١٣٧

مؤلفاته الأخرى مستمد من القرآن الكريم ، ونابع من أنواره ، ومن ذلك مثلا كتاب :

« الذريعة فى مكارم الشريعة ».

وهو كتاب نفسى جدا ويقال : إن الإمام الغزالى قدس الله روحه كان لا يفارق هذا الكتاب فى حل ولا ترحال ، وهذا الكتاب جدير بالاقتناء ، وقد كان الشيخ محمد عبده عليه رحمة الله يستفيد منه كثيرا ، وهو كتاب فى الأخلاق الإسلامية مصدره القرآن والسنة الشريفة.

وله كتاب آخر بعنوان : « الأخلاق » وأحيانا يسمى أخلاق الراغب ، وهو كتاب يستمد أيضا من القرآن الكريم.

أما فى الأدب واللغة فله كثير من المؤلفات منها :

« محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء ، وقد طبع فى القاهرة فى جزءين وهو يضم ظرائف وملحا مما وقع بين الأدباء أو مما كتبوه فى مؤلفاتهم.

وله فى هذا المجال :

« أفانين البلاغة ».

« وهو كتاب يبين إبانة واضحة عن المدى العظيم فى احاطة المؤلف بالبلاغة وعمق نظرته فيها ، ولكن الطريف فى مؤلفات هذا العالم القمه هو كتابه :

« أدب الشطرنج ».

وهو كتاب له مفهومه الواسع فى حياة المؤلف انه يدل على :

١ ـ لم يكن المؤلف متزمتا ولا متصنعا للتزمت.

٢ ـ كان المؤلف مرحا ولا يتنافى مرحه مع وقار العلم وكرامة العلماء.

٣ ـ كان المؤلف ذكيا يتحدى بذكائه فى هذه اللعبة : لعبة الذكاء والأذكياء.

١٣٨

أما مكانة المؤلف فى نظر العلماء فيكفينا أن نقول : إن الإمام فخر الدين الرازى صاحب التفسير المشهور والذى بلغ فى علم الكلام القمة ، كان يقرن الراغب الأصفهانى بحجة الإسلام الإمام الغزالى.

والواقع أن بينهما شبها كبيرا ، وألوان الشبه : ان كلا منهما كان من أهل السنة وكان كلاهما يرد على المعتزلة ، وكان كلاهما مهتما بالأخلاق ، وذلك لأن الأخلاق من الأسس الأصيلة التى تقوم عليها المجتمعات الصالحة.

وكتابة « المفردات » الذى نكتب عنه اليوم من الكتب التى لا غنى لعالم من علماء الإسلام عنها ، وهو يتحدث فيه عن مفردات القرآن : يتتبع اللفظ فى الآيات القرآنية شارحا له فيها متحدثا عن مفاهيمه فى مختلف المواضع مستأنسا على ذلك بالحديث الشريف أو بأشعار العرب ، وقد أجاد إجادة تامة فى الوصول إلى غايته وهى تفسير ألفاظ القرآن.

وقد رتب كتابه على ترتيب الحروف الهجائية ، وذلك ليسهل الكشف فيه.وهذا الكتاب يعتبره المؤلف « حلقة » بين حلقتين ، احداهما سابقة قد تحققت أما الثانية : فإنها كانت فى عزم المؤلف عند ما شرع فى تأليف هذا الكتاب ، ونترك المؤلف يعبر عن ذلك بقلمه ، إنه يقول :

« وقد استخرت الله تعالى فى إملاء كتاب مستوفى فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجى فتقدم ما أوله الألف ثم الباء على ترتيب حروف المعجم معتبرا فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد والإشارة فيه إلى المناسبات التى بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع فى هذا الكتاب واحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على الرسالة التى عملتها مختصة بهذا الباب ففي اعتماد ما حررته من هذا النحو استغناء فى بابه من المثبطات عن المصارعة فى سبيل الخيرات وعن المسابقة إلى ما حثنا عليه بقوله تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربكم سهل الله علينا الطريق إليها واتبع هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ونسأ فى الأجل بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة فبذلك يعرف

١٣٩

اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته نحو ذكره القلب مرة والفؤاد مرة والصدر مرة ونحو ذكره تعالى فى عقب قصة إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون وفى أخرى لقوم يتفكرون وفى اخرى لقوم يعلمون وفى أخرى لقوم يفقهون وفى أخرى لأولى الأبصار وفى أخرى لذى حجر وفى أخرى لأولى النهى ونحو ذلك ما بعده يحق الحق ويبطل الباطل وأنه باب واحد فيقدر أنه إذا فسر الحمد لله بقوله الشكر لله ولا ريب فيه بلا شك فيه فسر القرآن ووفاه التبيان جعل الله لنا التوفيق رائدا والتقوى سائقا ونفعنا بما اولانا وجعله لنا من معاون تحصيل الزاد المأمور به فى قوله تعالى ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ). ( سورة البقرة الآية ١٩٧ ) وأما مقدمة الكتاب فإنها تتحدث فى أسلوب رائق عن القرآن الكريم إذ يقول :

« الحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن الفضل الراغب رحمة الله اسأل الله أن يجعل لنا من أنواره نورا يرينا الخير والشر بصورتيهما ويعرفنا الحق والباطل بحقيقتهما حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ومن الموصوفين بقوله تعالى :

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ).

( سورة الفتح الآية ٤ )

وبقوله ( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ).

( سورة المجادلة الآية ٢٢ )

كنت قد ذكرت فى الرسالة المنبهة على فوائد القرآن إن الله تعالى كما جعل النبوة بنبينا مختتمة وجعل شرائعهم بشريعته من وجه منتسخة ومن وجه مكملة مننه تعالى :

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) ( سورة المائدة الآية ٣ )

١٤٠