مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: إعتماد ISBN: 964-357-223-4
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

عامّة فقال سبحانه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( المائدة / ٨ ).

هذا وقد دلّت ـ على تشريع هذا الجهاد ـ مضافاً إلى ما ذكر من الآيات ، أحاديث وروايات متضافرة نأتي ببعضها :

قال الإمام علي عليه‌السلام :

« الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه ...

هو لباس التقوى ودرع الله الحصينة ، وجنّته الوثيقة » (١).

وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه‌السلام :

« الجهاد الذي فضّله الله على الأعمال وفضّل عامله على العمال تفضيلاً في الدرجات والمغفرة لأنّه ظهر به الدين ، وبه يدفع عن الدين » (٢).

إلى غير ذلك من الأحاديث المذكورة في المصادر المعتبرة.

ثمّ إنّ من يجب جهادهم على نحو الدفاع ثلاث طوائف :

١ ـ البغاة على الإمام من المسلمين ، كالخوارج الذين خرجوا على الإمام علي عليه‌السلام مثلاً.

٢ ـ أهل الذمّة ، وهم اليهود والنصارى والمجوس إذا أخلّوا بشرائط الذمّة.

٣ ـ من ليس لهم كتاب إذا قاموا بمؤامرة ضد المسلمين.

__________________

(١) نهج البلاغة الخطبة ٢٧.

(٢) في هذا الحديث إشارة إلى كلا النوعين من الجهاد ( الدفاعي والتحريري ) فقوله عليه‌السلام : لأنّه ظهر به الدين ، إشارة إلى الثاني ، وقوله عليه‌السلام : وبه يدفع عن الدين ، إشارة إلى الأوّل.

٥٠١

هذه هي لمحة خاطفة عن حقيقة الجهاد الدفاعي ودوافعه وخصائصه ، وأمّا معرفة مسائله وفروعه وأحكامه التفصيليّة فمتروكة إلى الكتب الفقهية المفصّلة (١).

* * *

الجهاد التحريري ( الإبتدائي )

لقد شرع الإسلام ـ إلى جانب الجهاد الدفاعي ـ نوعاً آخر من الجهاد ، هو الجهاد الإبتدائي الذي يجدر أن يسمّى بالجهاد التحريري.

وتتلخّص دوافع هذا النوع من الجهاد في اُمور عديدة نشير إلى ثلاثة منها ، تاركين للقارئ الكريم مراجعة الكتب الفقهية المطوّلة المفصّلة لمعرفة بقيّة هذه الدوافع ، والأسباب.

١ ـ تحرير البشريه من الشرك

إنّ أهم دوافع الجهاد التحريري هو محاربة الوثنيّة والشرك ، وتحرير البشريّة من إتّخاذ أي معبود سوى الله.

فالإسلام يأمر بعبادة الله وحده ، وينهي عن اتّخاذ أي معبود سواه.

يقول الله سبحانه :

( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ ) ( القصص / ٨٨ ).

وهي حقيقة تدركها الفطرة البشرية السليمة ولكن هذه الفطرة قد تنحرف وتحيد عن مسيرها الصحيح بفعل المؤثّرات والدعايات وتضليل المضلّلين.

وهنا يفرض الدين على أتباعه أن يجاهدوا لتحرير العقول من قيودها ، وتخليص الفطرة الإنسانية المنحرفة من براثن الوثنيّة بكل وسيلة ممكنة.

__________________

(١) شرائع الإسلام ، كتاب الجهاد ، الركن الثاني ـ مع شروح ه‍.

٥٠٢

وليس هذا ممّا يخالف حرية الإنسان في اتّخاذ المعتقد الذي يريد ، لأنّ الحرية ليست مطلوبة على إطلاقها.

ثمّ إنّ تخليص البشرية من براثن الوثنية إنّما هو خدمة للبشرية وإحياء لها ، وإنقاذاً لشخصيّتها من ذلّ الخضوع تجاه الموجودات الحقيرة.

وهذا أمر ضروري حتّى إذا لم يدرك البشر أهمّيته ، أو امتنع من قبوله تمشّياً مع هواه.

فلو أنّ وزارة الصحّة ـ مثلاً ـ أرادت تلقيح الناس باللقاح الصحّي ضد مرض داهم ، أو وباء قادم ، لزم على الجميع قبول هذا الأمر ، ولم يكن لأحد الامتناع عن ذلك بحجّة أنّه حرّ لا يجوز إكراهه على شيء.

فلا تسمع منه هذه الحجّة ، ولا يقبل منه هذا الرفض ، حفاظاً على الصحّة العامّة وصيانة للمجتمع من العدوى.

ويعتبر هذا الإكراه والإلزام بهذا الأمر العقلائي رحمة له ، ولطفاً به لا ظلماً وعدواناً.

إنّ عبادة الوثن تجعل عابد الوثن أذل من الصنم الذي نحته بيديه ... وإلى ذلك يشير سبحانه ـ مستنكراً ـ : ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ )؟ ( الصافّات / ٩٥ ).

ثمّ إنّ الخضوع للوثن يوجب إنحطاط الفكر الإنساني ووقوعه في الخرافات التي هي بمثابة القيود والأغلال للفكر البشري ، تمنعه عن الانطلاق في مدارج الرقي والتكامل ، وتحجز النفس الإنسانية من نموّ الفضائل والسجايا الخلقية الكريمة.

هذا مضافاً إلى أنّ عبادة الأوثان والأصنام توجد اختلافاً وتحزّباً بين البشر ، وتفرّق وحدته ، وتمزّق صفّه إذ كل جماعة تتّخذ وثناً خاصّاً تعبده وتتمسّك به ، وتنفي سواه ، وفي ذلك ضرر عظيم على حياة البشرية لا يقل عن خطر الطاعون والوباء ، وفي ذلك يقول الله حاكياً عن لسان يوسف :

( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ( يوسف / ٣٩ ).

٥٠٣

ولهذا يرى الإسلام محاربة هذا الوباء الفكري ، واقتلاعه من الجذور.

ومن هنا أقدم الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند فتحه « مكّة » على كسر الأصنام الموضوعة في البيت الحرام ، وأمر كل صاحب وثن أن يحطّم وثنه ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل ذلك كلّما فتح منطقة من مناطق الجزيرة (١).

نعم صحيح انّ للتبليغ والدعوة أثراً لا ينكر في إيقاظ الأفكار ، وفكّها من أسارها ، بيد أنّه أثر محدود لا يعرفه إلاّ الزمر الواعية ، المثقّفة ، القادرة على إستيعاب التوجيهات والمواعظ.

ولأجل ذلك يجب على إمام المسلمين قبل نشوب الحرب بين المسلمين وأعدائهم أن يدعو الكفّار والأعداء إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويبالغ في إيقاظهم وتوعيتهم ودعوتهم وإتمام الحجّة عليهم.

قال صاحب شرائع الإسلام :

« ولا يبدأون إلاّ بعد الدعاء إلى محاسن الإسلام ويكون الداعي الإمام أو من نصّبه » (٢).

وقد دلّت على ذلك من السنّة روايات متضافرة منها ما ورد عن السكوني عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام : قال : قال أمير المؤمنين عليه‌السلام :

بعثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن فقال : يا علي لا تقاتلنّ أحداً حتّى تدعوه إلى الإسلام ، والله لئن يهدينّ الله على يديك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ، ولك ولاؤه يا علي » (٣).

وعن علي عليه‌السلام أنّه قال :

__________________

(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٤٣.

(٢) شرائع الإسلام ، كتاب الجهاد ، الركن الثاني.

(٣) مستدرك الوسائل ج ١١ الباب ٩ من أبواب جهاد العدو الحديث ١.

٥٠٤

« لا يغزَ قوم حتّى يدعوا » (١).

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً أنّه قال :

« لا تقاتل الكفّار إلاّ بعد الدعاء » (٢).

وقد سئل الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما‌السلام عن كيفيّة الدعوة إلى الدين :

فقال : تقول : « بسم الله الرحمن الرحيم ـ أدعوك إلى الله عزّ وجلّ وإلى دينه وجماعه أمران : أحدهما : معرفة الله عزّ وجلّ والآخر : العمل برضوانه ، وإنّ معرفة الله عزّ وجلّ أن يعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزّة ، والعلم والقدرة والعلوّ على كل شيء ، وانّه النافع الضار القاهر لكل شيء الذي لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وانّ محمداً عبده ورسوله ، وإنّ ما جاء به هو الحق من عند الله عزّ وجلّ وما سواه هو الباطل ».

فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين (٣).

وعن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال :

« أوّل حدود الجهاد الدعاء إلى طاعة الله من طاعة العباد ، وإلى عبادة الله من عبادة العباد وإلى ولاية الله من ولاية العباد » (٤).

بل ولو أنّ أحداً من المشركين إستأمن واراد أن يسمع كلام الله اُعطي الأمان ، ثمّ اُعيد إلى مأمنه ، سواء كان قبل نشوب الحرب أو في أثنائه.

قال الله سبحانه :

( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ

__________________

(١) و (٢) مستدرك الوسائل ج ١١ الباب ٩ من أبواب جهاد العدو الحديث ٢ ، ٣.

(٣) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٣١ ، باب كيفية الدعاء إلى الإسلام من أبواب الجهاد.

(٤) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٧.

٥٠٥

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ) ( التوبة / ٦ ).

غير أنّ الدعوة والتبليغ ربّما تؤثّر في بعض الأشخاص ولا تؤثّر في آخرين ، خصوصاً إذا كان الدين يهدّد مصالحهم ومطامعهم ولذلك وجبت محاربتهم ... إذ لا يكون الخير والإصلاح حينئذٍ إلاّ بالسيف ، ومنطق القوّة :

وإلى هذا أشار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله :

« الخير كلّه في السيف ، وتحت ظلال السيف ، ولا يقيم الناس إلاّ السيف » (١).

فرض العقيدة ممنوع

قد يتوهّم الجاهل بمعالم الدين الإسلامي وأحكامه انّ الهدف من الجهاد التحريري إنّما هو فرض العقيدة الإسلامية على الناس فرضاً.

ولكن هذا ظنّ واضح البطلان معلوم الضعف لمن له معرفة بطبيعة الدعوة الإسلامية.

فإنّ الإسلام الذي يشجب ويستنكر على بعض الناس اتّباعهم لعقائد آبائهم وأجدادهم الباطلة ، كيف يجوّز لأتباعه أن يحملوا الناس على العقيدة الإسلامية دون أن يسمحوا لهم بأن يفكّروا ويحقّقوا ويفتّشوا عن المعتقد الحق ، ليعتنقوه بالبرهان والدليل ؟

إنّ اعتناق العقيدة أي عقيدة يجب أن يكون حسب نظر الإسلام قائماً على أساس البحث والفحص والتحقيق ومرتكزاً على البرهان والدليل ، ولذلك فهو يقبح اتّباع السلف دون مراجعة لعقائدهم ، وتحقيق في صحّتها أو بطلانها إذ قال سبحانه :

( وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٥.

٥٠٦

عَلَىٰ أُمَّةٍ ( أي طريقة ) وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ) ( الزخرف / ٢٣ ـ ٢٥ ).

وقال سبحانه :

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ) ( البقرة / ١٧٠ ).

وبتعبير آخر : إنّ الإسلام ذمّ التقليد في الاُصول والعقائد والجري على سنن الآباء والأجداد بلا تأمّل ولا تدبّر ، وطالب بالتفكّر والتعقّل فكيف يأمر أتباعه بأن يفرضوا العقيدة الإسلامية على الآخرين بقوّة النار والحديد.

كيف وقد صرّح بحرية الإعتقاد بقوله سبحانه :

( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) ( البقرة / ٢٥٦ ).

إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الإختلاف الفكري ، والتنافس الأيديولوجي أمر غريزي طبيعي ، ولذلك فهو باق إلى يوم القيامة ولا يمكن إزالته من رأس ، ولا يصحّ إلغاؤه بالمرّة.

قال سبحانه :

( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ( هود / ١١٨ ).

إنّ القرآن الكريم ينهي الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن فرض العقيدة الإسلامية على الناس لأنّ الله شاء لهم أن يكونوا أحراراً في ذلك وهو في الوقت نفسه يعطينا درساً في مجال التبليغ والدعوة يجب أن نسير على ضوئه ، فيقول :

( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( يونس / ٩٩ ).

٥٠٧

إذن فلم يكن الجهاد التحريري في مجال ( تحرير البشرية من الشرك ) بفرض العقيدة على الناس أو حملهم على الخضوع لمنهج الدين دون اختيار منهم أو إرادة حرّة ، بل هناك دواع وعلل للجهاد التحريري وهي التي نتلوها عليك.

٢ ـ كسر الموانع المفروضة على الشعوب

إنّ هناك داعياً آخر لتشريع عنوان الجهاد التحريري وهو وضع الاغلاق المفروضة على الشعوب ، وإسقاط الحكومات التي تمنع من وصول الإسلام إلى الناس وتقيم سدوداً بينهم وبين العقيدة الحقّة وتسلب حريّاتهم ، وتكرههم على اتّخاذ عقيدة خاصّة ، والمشي على حسب منهج خاص وإن كانوا لا يرتضونه.

وبهذا يكون الجهاد التحريري لرفع الموانع والحواجز المانعة عن وصول العقيدة الحقّة إلى الناس ، وتحرير هم من تلك القيود حتى يمكنهم اختيار الدين الإسلامي بعد الاطّلاع على محاسنه ، وتبليغ معالمه إليهم.

٣ ـ تخليص المستضعفين من الظالمين :

إنّ الهدف الثالث من أهداف الجهاد التحريري هو إنقاذ الشعوب من اضطهاد الحكّام الجائرين ، واستبدادهم وظلمهم.

فهو إذن شُرّع لتحرير المستضعفين وتخليصهم من عسف الحكّام ، وكبتهم ، وحيث إنّ هذا الهدف لا يتحقّق إلاّ باستخدام القوّة وحمل السلاح والمقاتلة والغزو إتّخذ الإسلام طريق الجهاد ، فقال القرآن الكريم :

( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ) ( النساء / ٧٥ ).

٥٠٨

وقد وردت الإشارة إلى هذا الهدف في تصريحات بعض المسلمين الذين خرجوا لفتح البلاد وإنقاذ المستضعفين من حكّامهم الجائرين قال : إنّ سعد بن أبي وقاص أرسل ربعي بن عامر ليكلّم قائد القوات الفارسية فلمّا دنا من « رستم » جلس على الارض وركّز رمحه على البسط فقال له : ما حملك على هذا ؟ قال : إنّا لا نستحب القعود على زينتكم ، فقال له ترجمان رستم واسمه « عبود » من أهل الحيرة : ما جاء بكم ؟ قال : الله جاء بنا وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا الى سعتها ، ومن جور الأديان الى عدل الاسلام فأرسلنا بدينه الى خلقه ، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا ، ومن أبىٰ قاتلناه حتى نفضي إلى الجنّة أو الظفر (١).

إذن لم يكن تشريع هذا الجهاد لفرض الاستيلاء على الأ راضي ، أو بهدف السيطرة على منابع الثروة ، أو استعمار الشعوب كما هو هدف الحروب غير الإسلامية في الماضي والحاضر.

كما أنّ الإسلام ينهي عن العدوان لبعض الأسباب التي تعود إلى المسائل الشخصية ، والقضايا الفردية ، التي لا تنطوي على مصلحة الإسلام والمسلمين الكلّية ... ، وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم :

( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ) ( المائدة / ٢ ).

وبما أنّ الجهاد التحريري ينطوي على أحكام دقيقة ، وظرفية ، لا يعرفها إلاّ الإمام العادل العارف بالدين ، والعالم بالظروف لم يجز أن يقوم المسلمون بهذا الجهاد إلاّ بقيادة ( إمام معصوم ) أو من ينوب منابه في السلطة الدينية والزمنية ، نعم في مشروعية الجهاد التحريري في غياب الإمام المعصوم بحث مفصّل ، فلاحظ الكتب الفقهية.

__________________

(١) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٣٢٠ حوادث عام ١٤ من الهجرة النبوية.

٥٠٩

وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه‌السلام بقوله :

« والجهاد واجب مع إمام عادل » (١).

نعم هناك كلمة أخيرة على هامش كلا الجهادين وهي :

إنّه يجب على الدولة الإسلامية ـ قبل نشوب أيّة حرب ـ إعداد المسلمين وتجهيزهم بكل ما تستطيع من أنواع القوّة الحربية في كل زمان بحسبه ، على أن يكون القصد الأوّل من ذلك هو إرهاب العدو ، وإخافته من عاقبة التعدّي على بلاد الاُمَّة الإسلامية أو مصالحها ، أو على أفراد منها ، أو متاع لها حتى في غير بلادها ، لأجل أن تكون آمنة في عقر دارها مطمئنّة على أهلها ومصالحها وأموالها ، ولكي تحظىٰ بالإحترام اللائق بها في الساحة الدولية ، إذ يقول القرآن الكريم :

( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) ( الأنفال / ٦٠ ).

ويبقى أن نقول : إنّ القتال والنضال بما هو هو ليس أمراً قبيحاً وإنّما يصطبغ بالحسن أو القبح بالغايات المحدّدة للقتال والنضال.

فلو كان القتال والنضال بهدف الاعتداء والتجاوز على النفوس والأعراض والأموال والحرمات فيكون القتال أمراً منكراً ، ويعد وحشيّة همجيّة ، ويكون المباشر له حيواناً ضارياً تلبّس بالإنسانية.

وإذا كان القتال لحفظ الشرف والإنسانية ومنع المعتدين عن الإعتداء ، وغير ذلك من الأهداف المشروعة المذكورة سلفاً ، فلا يكون قبيحاً بل يعتبر وظيفة إنسانية.

هذه دراسة عابرة عن الجهاد التحريري حقيقة وأهدافاً وفلسفة ، والتفصيل موكول إلى محلّه في الكتب الفقهية المفصّلة. وأمّا الأدب فإليك البيان.

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٣٥.

٥١٠

رعاية الأخلاق في الحرب

إنّ وقائع الحروب تشهد بأنّ الجبابرة والطواغيت ينسون ـ عند نشوب الحروب ـ كل القيم الإنسانية ، والاُصول الأخلاقية ، فيرتكبون كل جريمة ، ويقترفون كل جناية دون أن يردعهم عن ذلك رادع ، أو يتقيّدوا في القتال بقانون.

وليس هذا أمر يتّصل بالماضي ، فساحات المعارك اليوم ، وما تشهده من فظائع ، خير دليل على ما ذكرناه.

صحيح أنّ هناك أعرافاً دولية ، وقوانين عالمية للحروب ، ولكن من الصحيح أيضاً انّ رعاية هذه القوانين والأعراف ضئيلة ، أو كادت أن تكون مفقودة أصلاً.

هذا مضافاً إلى أنّ هذه القوانين والأعراف لا تكون ـ في الأغلب ـ شاملة ، أو كافية.

غير أنّ الإسلام سنّ للحرب والقتال حدوداً دقيقة من شأنها أن تجعل الحرب في إطار الأخلاق والقواعد الإنسانية ولم يكتف بمجرّد تشريعها ووضعها ، بل عمل بها في كافة حروبه ووقائعه.

من هنا يجب علينا أن نقف على هذه الحدود ، لنتعرّف على مدى رحمة الإسلام وإنسانيّته ، وعدالته ، حتى في الحروب حيث يفقد المقاتلون توازنهم عادة ، فلا يتورّعون عن ارتكاب كل كبيرة وصغيرة ، وتشهد على ذلك الحروب العالمية وخاصّة ( الاُولى والثانية ) ، وكذا الحروب التي شنها الغرب على الشرق في مختلف المناطق في القرن الحاضر ، ونخصّ بالذكر المعارك الدامية بين الإستعمار الفرنسي ، والشعب الجزائري البطل ، والإستعمار الأمريكي والشعب الفيتنامي ، والإستعمار الإسرائيلي والشعب الفلسطيني ، وما جرى في هذه الحروب من الممارسات الوحشية المروّعة على يد هذه القوى الإستعمارية.

٥١١

١ ـ الآمنون في الحرب

لمّا كانت العدالة الإجتماعية هي المطلب الأقصى للإسلام ، ولم تكن للحرب أصالة في منطقة ، ولم تكن بنفسها هدفاً بل شرعت لدفع المعتدين وإزالتهم عن طريق الدعوة الحقّة ، اقتضى ذلك كلّه أن لا يهاجم إلاّ على الظالمين ولذا قال القرآن الكريم :

( فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ( البقرة / ١٩٣ ).

ولأجل ذلك نهى الإسلام عن قتل طائفة من الناس إذا لم يكونوا يساندون الأعداء الظالمين ولا يقاتلون ، وهؤلاء هم :

١ ـ النساء.

٢ ـ الولدان.

٣ ـ المجانين.

٤ ـ الأعمى.

٥ ـ الشيخ الفاني.

٦ ـ المقعد.

وقد دلّت على ذلك أحاديث متضافرة منها ما عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال :

« نهى رسول الله عن قتل المقعد والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في دار الحرب » (١).

٢ ـ تمالك النفس

لا ريب أنّ الحرب سبب قوي لغليان المشاعر وارتفاع سورة الغضب إلى

__________________

(١) فروع الكافي ج ٥ ص ٢٨ ح ٦.

٥١٢

أقصاه ولهذا ربّما يؤدّي إلى ارتكاب أقسى ألوان الجريمة في حقّ الخصم.

ومن هنا يجب أن يعطى زمام الحرب للعقل لا للمشاعر الملتهبة ، والأحاسيس المشتعلة.

ولقد أعطى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعاليم كلّية في الحرب ، كان يوصي بها كل جيش يبعثه ، وكل سرية يرسلها.

وإليك فيما يأتي نموذجاً من الأحاديث التي أدّب فيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو الإمام المجاهدين والمقاتلين بآداب ، وتعاليم خاصة ، تكفل إنسانية الحروب وعدالتها.

عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام أنّه قال :

« كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ، ثم يقول :

سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، لا تغلوا ، ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة ، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها.

وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار ، حتّى يسمع كلام الله فإن تبعكم ، فأخوكم في الدين ، وإن أبىٰ فابلغوه مأمنه ، واستعينوا بالله » (١).

وعنه عليه‌السلام أيضاً أنّه قال :

إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزّ وجل في خاصّة نفسه ، ثمّ في أصحابه عامّة ، ثم يقول :

اُغز باسم الله ، وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا ، ولا تغلوا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا وليداً ، ولا متبتّلاً في شاهق ، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ،

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٤٣.

٥١٣

ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه. ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه إلاّ ما لابدّ لكم من أكله ، وإذا لقيتم عدوّاً للمسلمين فادعوهم ... الخ الحديث » (١).

بل ونص بعض الفقهاء على أنّ المرأة لا تقتل حتّى لو كانت تعاون الأعداء ، لأنّ النساء مستضعفات غالباً ، وهنّ يرغمن على القيام بمثل هذا التعاون إرغاماً.

قال المحقّق الحلّي في المختصر النافع :

« ولا تقتل نساؤهم ولو عاون إلاّ مع الإضطرار » (٢).

وهذا يجسّد منتهى الرحمة والإنسانية التي يتحلّى بها الدين الإسلامي.

وقد جاء في غزوة بدر انّ عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا رسول الله دعني أنزع ( أقلع ) ثنيّتي سهيل بن عمرو ، ويدلع لسانه ( وكان سهيل خطيباً يهرّج ضد النبي ) فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« لا اُمثّل به فيمثّل الله بي وإن كنت نبيّاً » (٣).

إنّ المقارنة بين هذه التعاليم والمواقف الإسلامية والجنايات والجرائم الوحشية التي ارتكبتها الدول الكبرى في مستعمراتها كالجزائر وفيتنام وغيرهما ، توقفنا على إنسانيّة الدين الإسلامي ورحمته في الحرب.

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٤٤.

(٢) المختصر النافع ، كتاب الجهاد ص ١١٢ طبع القاهرة.

(٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٦٤٢.

٥١٤

٣ ـ منع ممارسة الأساليب الوحشية

إنّ الإسلام يحرّم إهلاك العدو بالطرق غير الإنسانية مثل إلقاء السم في الماء أو قطعه عنهم ، أو إرساله على مُخيّمهم لغرقهم ، أو حرقهم بالنار.

وفي ذلك يقول المحقّق الحلّي في المختصر النافع :

« ويجوز المحاربة بكل ما يرجى به الفتح ... » (١).

ثمّ قال :

« ويكره يإلقاء النار ، ويحرم بإلقاء السم » (٢).

وقال العلاّمة الحلّي في تبصرة المتعلّمين :

« ويجوز المحاربة بسائر أنواع الحرب ، إلاّ إلقاء السم في بلادهم » (٣).

ثمّ ها هو الإمام علي عليه‌السلام في صفّين بعد الإستيلاء على الشريعة لا يمنع جيش معاوية عن الماء ، وإن كان معاوية قد فعل ذلك من قبل (٤).

إلى هذه الدرجة الرفيعة من الرحمة والشفقة تبلغ رحمة الإسلام ، بينما لا تتورّع الدول الكبرى عن قصف الشعوب المقهورة بقنابل النابالم ، وغيرها من الوسائل والأدوات الحربية الفتّاكة المروّعة.

ومن الذي لا يمكن أن ينسىٰ ما فعلته الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية حينما قصفت هيروشيما ، وناكازاكي بالقنابل الذرية ، فأبادت ما يقارب نصف مليون ، وحذف ذينك البلدين من الخريطة الجغرافية بحجّة التعجيل في إنهاء الحرب ، كما قال ترومن رئيس الجمهورية الأمريكي الأسبق عام ١٩٤٥ م ؟

__________________

(١) و (٢) المختصر النافع ، كتاب الجهاد : ص ١١٢.

(٣) تبصرة المتعلّمين : كتاب الجهاد ص ٨١.

(٤) راجع وقعة صفين لابن مزاحم : ص ١٦٦ ـ ١٦٧ ( طبعة مصر ).

٥١٥

٤ ـ أمان الكفّار :

إنّ الإسلام ـ بحكم كونه رسالة إلهية ودعوة سماويّة لهداية الإنسان ـ يحرص على دخول الأفراد في صفوف أتباعه ، والإنضواء تحت لوائه عن رغبة وإرادة.

ولتحقيق هذا الهدف الأسمى نجد الإسلام يسمح بإعطاء الأمان لكلّ من يطلب ذلك من الكفّار لكي يسمع منطق الإسلام ، ويتعرّف على تعاليمه ، سواء كان ذلك عند نشوب الحرب ، أو في غير الحرب.

بل إنّ الإسلام يعطي الحق لكلّ مسلم أن يمنح الأمان لمن شاء ، ولو كان لغير الهدف المذكور.

قال المحقّق الحلّي في الشرائع :

« ويجوز أن يذم الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب » (١).

وقال في المختصر النافع :

« ويذم الواحد من المسلمين للواحد ، ويمضي ذمامه على الجماعة ولو كان أدونهم » (٢).

ثمّ إنّ ما يدلّ على مدى عناية الإسلام وحرصه على الدماء أنّه يجير حتّى من دخل في حوزة المسلمين بشبهة الأمان وظنّه فهو مأمون حتّى يرد إلى مأمنه دون أن يصيبه أذى.

قال المحقّق في الشرائع :

« وكذا كلّ حربي دخل في دار الإسلام بشبهة الأمان كان يسمع لفظاً فيعتقده أماناً ، أو يصحب رفقة فيتوهّمها أماناً » (٣).

__________________

(١) شرائع الإسلام ، كتاب الجهاد في الذمام ، وراجع الجواهر ج ٢١ ص ٩٦.

(٢) المختصر النافع ، كتاب الجهاد : ص ١١٢.

(٣) الشرائع ، كتاب الجهاد ج ١ ص ٣١٣ ـ ٣١٤.

٥١٦

وقال في المختصر النافع :

« ومن دخل بشبهة الأمان فهو آمن حتّى يردّ إلى مأمنه » (١).

وتدلّ على هذا أحاديث منها عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال :

« لو أنّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان ، فقالوا : لا ، فظنّوا انّهم قالوا : نعم ، فنزلوا إليهم كانوا آمنين » (٢).

ومن مظاهر العدل والمساواة انّ الإسلام يجيز أمان العبد المسلم كما يجيز أمان الحر المسلم سواء بسواء.

ويدلّ على هذا الحكم الإسلامي العظيم روايات عديدة منها ما روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام لمّا سأله السكوني عن معنى قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يسعى بذمّتهم أدناهم » قال عليه‌السلام :

« لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل ، فقال : اعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم واُناظره فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به » (٣).

وعن الصادق عليه‌السلام أيضاً أنّه قال :

إنّ عليّاً عليه‌السلام أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون وقال :

« هو من المؤمنين » (٤).

ولقد روى الجزري في تاريخه الكامل : « إنّ المسلمين نزلوا بجنديسابور فأقاموا عليها يقاتلونهم ، فرمي إلى من بها من عسكر المسلمين بالأمان. فلم يفجأ المسلمين إلاّ وقد فتحت أبوابها ، وأخرجوا أسواقهم ، وخرج أهلها ، فسألهم المسلمون ، فقالوا : رميتم بالأمان ، فقبلناه ، وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا.

__________________

(١) المختصر النافع ، كتاب الجهاد : ص ١١٢.

(٢) وسائل الشيعة ج ١٥ ص ٥٠.

(٣) و (٤) وسائل الشيعة ج ١٥ ص ٤٩ و ٥٠.

٥١٧

فقال المسلمون : ما فعلنا ... .

وسأل المسلمون فيما بينهم ، فإذا عبد يدعىٰ « مكثفاً » كان أصله منها ، فعل هذا.

فقالوا : هو عبد.

فقال أهلها : لا نعرف العبد من الحر ، وقد قبلنا الجزية ، وما بدّلنا ، فان شئتم فاغدروا. فكتبوا لعمر فأجاز أمانهم ، فأمّنوهم وانصرفوا عنهم » (١).

وهذا هو نموذج واحد من سلوك المسلمين في هذا المجال يجد نظائره كل من راجع التاريخ الإسلامي.

__________________

(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ج ٢ ص ٣٨٧ ـ ٣٨٨.

٥١٨

(١٣)

واقعة الغدير

لا شك في انّ الدين الإسلامي دين عالمي ، وشريعة خاتمة ، وقد كانت قيادة الاُمّة الإسلامية من شؤون النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مادام على قيد الحياة ، وكان عليه أن يوكل مقام القيادة من بعده إلى أفضل أفراد الاُمّة وأكملهم.

إنّ في هذه المسألة وهي أنّ منصب القيادة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل هو منصب تنصيصي تعييني أو أنّه منصب انتخابي ؟ هناك اتّجاهين :

فالشيعة ترى أنّ مقام القيادة منصب تنصيصي ، ولابد أن ينصّ على خليفة النبي من السماء ، بينما يرى أهل السنّة أنّ هذا المنصب انتخابي جمهوري ، أي أنّ على الأمّة أن تقوم بعد النبي باختيار فرد من أفرادها لإدارة البلاد.

إنّ لكل من الاتّجاهين المذكورين دلائل ، ذكرها أصحابهما في الكتب العقائدية ، إلاّ أنّ ما يمكن طرحه هنا هو تقييم ودراسة المسألة في ضوء دراسة وتقييم الظروف السائدة في عصر الرسالة ، فانّ هذه الدراسة كفيلة باثبات صحّة أحد الاتّجاهين.

إنّ تقييم الأوضاع السياسية داخل المنطقة الاسلامية وخارجها في عصر الرسالة يقضي بأنّ خليفة النبي لابد أن يعيَّن من جانب الله تعالى ، ولا يصحّ أن يوكل هذا إلى الأمّة ، فانّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي ( الروم ـ الفرس ـ المنافقين ) بشنّ الهجوم الكاسح ، وإلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين.

كما أنّ مصالح الأمّة كانت توجب أن يوحّد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي ، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده ، وبذلك يسد الطريق على

٥١٩

نفوذ العدو في جسم الاُمّة الإسلامية والسيطرة عليها ، وعلى مصيرها.

وإليك بيان وتوضيح هذا المطلب :

لقد كانت الامبراطورية الرومانية أحد أضلاع الخطر المثلث الذى يحيط بالكيان الإسلامي ، ويهدّده من الخارج والداخل.

وكانت هذه القوة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية ، وكانت تشغل بال النبي القائد على الدوام ، حتى أنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتى لحظة الوفاة ، والالتحاق بالرفيق الأعلى.

وكانت أول مواجهة عسكرية بين المسلمين ، والجيش المسيحي الرومي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين ، وقد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم « جعفر الطيار » و « زيد بن حارثة » و « عبد الله بن حارثة ».

ولقد تسبّب انسحاب الجيش الإسلامى بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي ، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في السنة التاسعة للهجرة على رأس جيش كبير جداً إلى حدود الشام ليقود بنفسه أيّة مواجهة عسكرية ، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد هيبته الغابرة ، ويجدد حياته السياسية.

غير انّ هذا الانتصار المحدود لم يقنع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأعدّ قُبيل مرضه جيشاً كبيراً من المسلمين ، وأمّر عليهم « اُسامة بن زيد » ، وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام ، والحضور في تلك الجبهة.

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الذي كان يهدد الكيان الإسلامي ، فكان

٥٢٠