الوافية في أصول الفقه

عبد الله بن محمّد البشروي الخراساني

الوافية في أصول الفقه

المؤلف:

عبد الله بن محمّد البشروي الخراساني

المحقق: السيد محمد حسين الرضوي الكشميري المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
نسخة غير مصححة

الباب الخامس

في الاجتهاد والتقليد

وفيه مباحث

٢٤١
٢٤٢

الاول :

الاجتهاد في اللغة : تحمل الجهد ، وهو : المشقة (١).

وفي الاصطلاح :

المشهور : أنه استفراغ الوسع من الفقيه ، في تحصيل الظن بحكم شرعي (٢).

وعندي أن الأولى في تعريفه : أنه صرف العالم بالمدارك وأحكامها نظره في ترجيح (٣) الاحكام الشرعية الفرعية.

فدخل القطعيات النظرية.

وخرج الشرعية الاصلية.

ولم يستعمل فيه ( الفقيه ) مع خفاء معناه ههنا (٤).

__________________

١ ـ المصباح المنير / مادة : جهد.

٢ ـ المنتهى : ٢٠٩ ، معالم الدين : ٢٣٨.

٣ ـ لفظة ( ترجيح ) ساقطة من ب.

٤ ـ لاحظ تفصيل هذه الدعوى في : الفوائد المدنية : ٩٣ / الوجه الثامن.

٢٤٣

المدارك : قد علم كميتها وحقيقتها سابقا.

والمراد ب‍ ( أحكامها ) : أحوال التعادل والترجيح وسيجيء إن شاء الله تعالى.

وسيجيء تحقيق ما يحصل بسببه العلم بالمدارك.

البحث الثاني :

في أن الاجتهاد هل يقبل التجزية؟ أو لا؟ بمعنى : جريانه في بعض المسائل دون بعض ، وذلك بأن يحصل للعالم ما هو مناط الاجتهاد في بعض المسائل ، دون بعض آخر ، وقد اختلف فيه ، فالاكثر على أن يقبل التجزية ، وقيل بعدمه.

والحق الاول لوجوه :

الاول : أنه إذا اطلع على دليل مسألة بالاستقصاء ، فقد ساوى المجتهد المطلق في تلك المسألة ، وعدم علمه بأدلة غيرها لا مدخل له فيها.

فإن قلت : لا يمكن العلم بعدم المعارض (١) والمخصص بدون الاحاطة بجميع مدارك الاحكام ، فبطل التساوي.

قلت : إنكار حصول الظن بعدم المعارض مكابرة ، بل قد يحصل العلم من العادة بالعدم ، فإن المسائل التي وقع فيها الخلاف ، وأوردها جمع كثير من الفقهاء في كتبهم الاستدلالية ، واستدلوا عليها نفيا وإثباتا ، مما تحكم العادة بأن ليس لها مدارك غير ما ذكروه ، ولا أقل من حصول ظن قوي متاخم من العلم.

فإن قلت : التمسك في جواز اعتماد المتجزي على استنباطه ، بمساواته للمجتهد المطلق ، قياس غير معلوم العلة ، فيكون باطلا.

__________________

١ ـ كذا في أ و ب و ط ، وفي الاصل : المعارضة.

٢٤٤

مع أنه : يمكن أن تكون العلة في المجتهد المطلق ، هي : قدرته على استنباط المسائل كلها ، فإن القوة الكاملة أبعد عن احتمال الخطأ من الناقصة.

قلت : البديهة تحكم بالمساواة حينئذ ، بمعنى : أن كل ما دل على جواز اعتماد المجتهد المطلق على ظنه ، دل على الجواز في المتجزي أيضا ، كما سيجيء في آخر هذا البحث.

وقوله بأن قوة الاول كاملة دون الثاني : إن أراد ب‍ ( الكمال ) الشمول والعموم ، فالعقل يحكم بأنه لا يصلح للعلية ، إذ العلة يجب أن تكون مناسبة ، وظاهر أن الظن بأن المتعة (١) مثلا ترث أو لا ترث؟ أو الرضاع الناشر للحرمة خمس عشرة أو عشر؟ ـ لا دخل له في جواز الاعتماد على الظن بوجوب السورة مثلا في الصلاة ، والمنكر مكابر مقتضى عقله.

وإن أراد أن ظن العالم بالكل بوجوب السورة مثلا ، يكون أقوى من ظن المتجزي بوجوب السورة ، وإن اطلع على جميع أدلة وجوب السورة ـ فهذا مجرد دعوى يحكم أول النظر ببطلانها.

الثاني : أن التقليد مذموم ، وخلاف الاصل أيضا ، فإن الاصل عدم وجوب اتباع غير المعصوم ، خرج عنه العامي الصرف ، لدليل على وجوب التقليد في حقه ، فيبقى المتجزي والمطلق ، لعدم المخرج في حقهما.

فإن قلت : نحن نقلب هذا الدليل في المتجزي ، فنقول : اتباع الظن مذموم ، بل وخلاف الاصل أيضا ، إذ الاصل عدم وجوب اتباع غير القطع ، خرج عنه المجتهد المطلق ، لدليل أخرجه ، فبقي المتجزي ، لعدم المخرج فيه.

قلت : المخرج فيه متحقق ، فإنه ليس له بد من اتباع الظن : إما الظن

__________________

١ ـ أي : المتمتع بها ، وهي المنكوحة بالعقد المنقطع. و : المتعة : اسم التمتع ـ كما في المصباح ـ فاطلاقه على المتمتع بها مسامحة منه.

٢٤٥

الحاصل من التقليد ، أو الظن الحاصل من الاجتهاد ، فكيف يكون هو منهيا عن اتباع الظن على الاطلاق بخلاف التقليد؟!

وتقريره الدليل بعبارة اخرى : جواز التقليد مشروط بعدم جواز العمل بالدليل ـ أي : الاجتهاد ـ فما لم يحصل القطع بعدم جواز الاجتهاد ، لم يحصل القطع بجواز التقليد ـ وكذا الظن على تقدير الاكتفاء به في الاصول ـ ولا دليل على عدم جواز عمل (١) المتجزي بالادلة الشرعية ، حتى يحصل القطع أو الظن بالشرط ، فينتفي العلم أو الظن (٢) بجواز تقليد المتجزي ، وإذا كان هناك أمران ، أحدهما مرتب (٣) على الآخر ، فلا يعدل من الاصل إلى الفرع إلا مع القطع أو الظن بوجوب العدول.

والثالث : أن أوامر وجوب العمل بأوامر الرسول ونواهيه ـ وكذا خلفاؤه ـ عام ، خرج عنه العامي الصرف إجماعا ، لعدم إمكان العمل في حقه ، فيبقى المتجزي.

والوجهان متقاربا المأخذ.

قال في الذكرى : وعليه ـ أي على صحة التجزي ـ نبه في مشهور أبي خديجة ، عن الصادق عليه‌السلام : « انظروا إلى رجل منكم ، يعلم شيئا من قضايانا ، فاجعلوه بينكم قاضيا ، فإني قد جعلته قاضيا عليكم » (٤).

قال في المعالم ـ بعد إيراد تحقيق له قد ظهر مما مر جوابه ـ : « لكن التعويل في اعتماد ظن المجتهد المطلق ، إنما هو على دليل قطعي وهو إجماع الامه عليه ، وقضاء الضرورة به ، وأقصى ما يتصور في موضع النزاع أن يحصل دليل ظني يدل على مساواة التجزي للاجتهاد المطلق ، واعتماد المتجزي عليه يفضي إلى

__________________

١ ـ كلمة ( عمل ) : ساقطة من الاصل وقد اثبتناها من سائر النسخ.

٢ ـ كذا في أ و ط ، وفي الاصل و ب : والظن.

٣ ـ في ط : مترتب.

٤ ـ الذكرى : ٣ / المقدمة / الاشار الثالثة / ذيل الامر الثالث عشر.

٢٤٦

الدور ، لانه تجز في مسألة التجزي ، وتعلق بالظن في العمل بالظن. ورجوعه في ذلك إلى فتوى المجتهد المطلق ، وإن كان ممكنا ، لكنه خلاف المراد ، إذ الفرض إلحاقه إبتداء‌ا بالمجتهد ، وهذا إلحاق له بالمقلد بحسب الذات ، وإن كان بالعرض إلحاقا بالاجتهاد ، ومع ذلك فالحكم في نفسه مستبعد ، لاقتضائه (١) ثبوت الواسطة بين أخذ الحكم بالاستنباط والرجوع فيه إلى التقليد ، وإن شئت قلت : تركب التقليد والاجتهاد ، وهو غير معروف » انتهى (٢).

وفيه بحث من وجوه :

الاول : أن قوله : « التعويل في اعتماد ظن المجتهد المطلق ، إنما هو على دليل قطعي ، وهو إجماع الامة ، وقضاء الضرورة به » ـ غير صحيح ، إذ ظاهر : أن هذه المسألة مما لم يسأل عنها الامام عليه‌السلام ، وظاهر : أن العمل بالروايات في عصر الائمة عليهم‌السلام ، للرواة ، بل وغيرهم ، لم يكن موقوفا على إحاطتهم بمدارك كل الاحكام ، والقوة القوية على الاستنباط ، بل يظهر بطلانه بأدنى اطلاع على حقيقة أحوال (٣) قدماء الاصحاب.

والحاصل : أن العلم بالاجماع الذي يقطع بدخول المعصوم عليه‌السلام في هذه المسألة ، بل وفي غيرها من المسائل التي لم يوجد فيها نص شرعي ـ مما لا يكاد يمكن.

وقوله : « وقضاء الضرورة به » : إن أراد : حكم بديهة العقل به من غير ملاحظة أمر خارج ، فظاهر البطلان ، إذ العمل بالظن ونحو ذلك ، ليس من البديهيات الصرفة.

وإن أراد : حكم العقل به ، بسبب أنه إذا احتاج المكلف إلى العمل ، وانحصر طريقه في الاجتهاد والتقليد ، فالبديهة تحكم بتقديم العمل بالحجة

__________________

١ ـ كذا في أ و ب و ط والمصدر ، وفي الاصل : لافضائه.

٢ ـ معالم الدين : ٢٣٩.

٣ ـ في ط : طريقة. بدل : حقيقة احوال.

٢٤٧

الشرعية على التقليد ـ فهو صحيح ، لكنه مشترك بين المجتهد المطلق والمتجزي.

والحاصل : أن دليل عمل المجتهد المطلق بالادلة الشرعية ، هو ما ذكرنا ، لا ما ذكره من الاجماع ، إذ انتفاء الاجماع القطعي هنا من أجلى الامور.

الثاني : أن قوله : « وأقصى ما يتصور » إلخ ـ أيضا غير صحيح ، لان الادلة التي ذكرناها ، توجب القطع بجواز عمل المتجزي بالادلة الشرعية.

الثالث : أن قوله : « واعتماد المتجزي عليه يفضي إلى الدور » ـ أيضا غير صحيح ، لانه على تقدير جواز الاعتماد في الاصول على الظن ، لا يختص ذلك بالمجتهد ، فمن حصل له الظن من دليل أو أمارة بشيء من المطالب الاصولية يجوز الاعتماد عليه على ذلك التقدير ، مجتهدا كان أو مقلدا ، وعلى تقدير عدم جواز الاعتماد على الظن في الاصول ، فهذه المسألة لابد فيها من الاعتماد على الظن ، بناء‌ا على عدم تحقق دليل قطعي على جواز التجزي ، إذ عدم تحقق دليل قطعي دال على جواز التقليد لذلك الشخص أظهر (١).

__________________

١ ـ استدل في حواشي العدة على تعذر المجتهد المطلق بادلة ، ثانيها : انه لو امكن تحقق المجتهد المطلق فعلمه أو ظنه بامارة بانه مجتهد مطلق غير ممكن عادة ، فان المجتهدين كانوا لا يدرون الجواب في كثير من المسائل وليس لهم طريق إلى أن يعلموا أو يظنوا بامارة انهم قادرون بعد الفكر والمراجعة على الاجتهاد فيه ، فيلزم أنه لا يجوز لاحد العمل باجتهاده. وثالثها : أنه لا يمكن للمقلد العامي أو المتجزي أن يعلم أو يظن بامارة اجتهاد غيره بالاجتهاد المطلق بطريق اولى ، فيلزم ان لا يجوز للعامي أو المتجزي الرجوع إلى المجتهد. ورابعها : أنه لو لم يجز للمتجزي العمل بظنه لم يمكن له العلم بجواز عمله ، لان استدلال المتجزي على وجوب الاستفتاء من المجتهد المطلق بظاهر قوله ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) غير ممكن ، لانه لو علم المتجزي جواز عمله بالظاهر في مسائل الاصول فعلمه بجواز في الفروع اولى ، ويناقض هذا توقفه في التجزي أو نفيه له. ولو ادعي الاجماع على وجوب عمل المتجزي بهذا الظاهر ، وهذا الظن دون الظواهر والظنون الاخرى في الاصول أو الاجماع على رجوع المتجزي إلى المجتهد المطلق توجه المنع ، وكذا لو ادعي رجوع المتجزي في مسألة جواز عمله بظنه إلى المجتهد المطلق كما احتمله صاحب المعالم. كيف وهي مسألة اصلية ولا يجري هنا التقليد للمجتهد وبعد

٢٤٨

فان قلت : يجوز أن يقلد في جواز التقليد.

قلت : الادلة الدالة على ذم التقليد مطلقا ، وفي الاصول خاصة ـ لكثرتها ـ غير قابلة للتأويل ، فإذا كان صحة تقليده مبنيا على صحة التقليد في الاصول كاد أن يحصل القطع ببطلانه ، وعلى تقدير التسليم ، والقول بصحة تقليده في الاصول ، فيجوز حينئذ (١) له العمل بظنه في الفروع ، بعد اعتقاده الحاصل من التقليد في جواز اعتماده على ظنه.

وقوله : « إنه خلاف الفرض (٢) ومستبعد ، للزوم الواسطة » ـ لا يخفى ما فيه ، فإنه على تقدير جواز التقليد في الاصول ، لا يتصور ههنا مانع للعمل بظنه ، بعد تقليده في مسألة التجزي والله يعلم.

ثم لا يخفى : أن حصول ملكة العلم بكل الاحكام الواقعية للمجتهد ممتنع عندنا ، لان الائمة عليهم‌السلام لم يتمكنوا من إظهار كل الاحكام ، نعم يمكن العلم بالاحكام الظاهرية المتعلقة بعمله في نفسه.

بل الظاهر : أن القول بنفي التجزي إنما هو على طريقة جمع من العامة القائلين بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أظهر جميع الاحكام بين يدي أصحابه ، وتوفر الدواعي على نقله ، فما لم يوجد فيه مدرك ، فعدم المدرك فيه ، مدرك لعدم الحكم فيه في الواقع ، فحكمه التخيير ، وقد عرفت بطلانه عندنا ، فإن الائمة عليهم‌السلام ، كثيرا ما يتقون على أنفسهم وعلى أصحابهم في بيان الاحكام ، بل ربما يحكمون على شخص معين بحكم معين ، لمدخلية بعض خصوصيات ذلك الشخص في ذلك الحكم كما روى ابن بابويه في الفقيه ، في أواخر باب ( ما يجوز للمحرم إتيانه وما لا يجوز ) عن خالد بياع القلانس ، أنه قال : « سألت أبا

__________________

التسليم يجوز فرض الكلام في المتجزي الذي لم يطلع على هذا الاجماع ، فيلزم أنه يكون اسوء حالا من العامي. انتهت عبارته. ( منه رحمه‌الله ).

١ ـ كلمة ( حينئذ ) : زيادة من أ و ب وط.

٢ ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : الغرض.

٢٤٩

عبدالله عليه‌السلام ، عن رجل أتى أهله وعليه طواف النساء؟ قال عليه‌السلام : عليه بدنة. ثم جاء‌ه آخر ، فسأله عنها؟ فقال عليه‌السلام : عليه بقرة. ثم جاء‌ه آخر فسأله عنها؟ فقال عليه‌السلام : عليه شاة. فقلت ـ بعد ما قاموا ـ : أصلحك الله ، كيف قلت : عليه بدنه؟! فقال : أنت موسر ، وعليك بدنة ، وعلى الوسط بقرة ، وعلى الفقير شاة » (١) فبين عليه‌السلام بعد السؤال ، أن الاول موسر ، والثاني متوسط ، والثالث فقير ، من غير إشعار في كلامه عليه‌السلام بمدخلية الاحوال الثلاث ، وهذا مما يقدح أيضا في حصول العلم بنتقيح المناط (٢) ، فتأمل.

البحث الثالث :

فيما يحتاج إليه المجتهد من العلوم ، وهو تسعة ، ثلاثة من العلوم الأدبية ، وثلاثة من المعقولات ، وثلاثة من المنقولات.

فالاول من الاول : علم اللغة.

والاحتياج إليه : ظاهر ، إذ الكتاب والسنة عربيان ، ومعاني مفردات اللغة إنما تبين (٣) في علم اللغة.

والثاني : علم الصرف.

والاحتياج إليه : لان تغير المعاني بتصريف المصدر ـ المبين معناه في علم اللغة ـ إلى الماضي والمضارع والامر والنهي ونحوها ، إنما يعلم في الصرف.

والثالث : علم النحو.

والاحتياج إليه : أظهر ، لان معاني المركبات من الكلام إنما يعلم به.

__________________

١ ـ الفقيه : ٢ / ٣٦٣ ح ٢٧١٦.

٢ ـ حيث أن العلم بعدم المزية شرط في تعدية الحكم إلى المساوي ، فان احتمل وجودها لم تجز التعدية ، كما صرح به المحقق في معارج الاصول : ٨٥ / المسألة الرابعة.

٣ ـ كذا في ط و ب ، وفي الاصل : يبين ، وفي أ : يتبين.

٢٥٠

والاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة إنما هو لمن لم يكن مطلعا على عرف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والائمة عليهم‌السلام ، كالعجم مطلقا ، والعرب أيضا في هذه الازمنة ، لا مثل الرواة ، ومن قرب زمانه منهم ، على أن الاحتياج في هذه الازمنة أيضا ، متفاوت بالنسبة إلى الاصناف كالعرب والعجم.

والاول من الثاني : علم الاصول.

والاحتياج إليه : لان المطالب الاصولية مما يتوقف عليه استنباط الاحكام ، مثلا : كثير من المسائل يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية ونفيها ، وتحقيقها إنما هو في الاصول ، وكذا على كون الامر للوجوب أو لا؟ وكذا الوحدة والتكرار؟ والفور والتراخي؟ وأن الامر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أو لا؟ وكذا وجوب مقدمة الواجب ، وظاهر أنها لا تعلم من اللغة وغيرها ، وليس أحد الشقين في هذه المذكورات بديهيا حتى يستغنى عن تدوينها وعن النظر فيها ، وكذا ليست هذه المذكورات مما لا يتوقف عليه العمل ، وكذا الحال في مباحث النواهي ، وحكم ورود العام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، والقياس مطلقا ، أو منصوص العلة ، ووجوب العمل بخبر الواحد وعدمه ، وإن أمكن ادعاء ثبوت وجوب العمل بالمتواتر ، من علم الكلام ، وهكذا بقية المطالب.

والثاني : علم الكلام.

ووجه الاحتياج إليه : أن العلم بالاحكام يتوقف على أن الله تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه ، ولا بما يريد خلاف ظاهره ، من غير بيان ، وهذا إنما يتم إن لو عرف (١) أنه تعالى حكيم مستغن عن القبيح ، وكذا يتوقف على العلم بصدوق الرسول والائمة عليهم‌السلام.

__________________

١ ـ كذا في النسخ ، والظاهر زيادة أحد حرفي الشرط ، أو ان تكون العبارة بالنحو التالي : وهذان انما يتمان لو عرف.

٢٥١

والحق : أن الاحتياج إليه ، إنما هو لتصحيح الاعتقاد ، لا للاحكام بخصوصها.

والثالث : علم المنطق.

والاحتياج إليه : إنما هو لتصحيح المسائل الخلافية وغيرها ، من العلوم المذكورة ، إذ لا يكفي التقليد سيما في الخلافيات ، مع إمكان الترجيح ، وكذا لرد الفروع الغريبة إلى اصولها ، لانه محتاج إلى إقامة الدليل ، وتصحيح الدليل لا يتم بدون المنطق إلا للنفوس القدسية.

واعلم : أن العلوم المذكورة ، ليس جميع مسائلها المدونة ، مما يتوقف عليه الاجتهاد ، بل ولا أكثرها على الظاهر ، والقدر المحتاج إليه ، مما لا يمكن تعيينه إلا بعد ملاحظة جميع الاحكام ، ويكفي لصاحب الملكة (١) الرجوع إلى ما يحتاج إليه عند الاحتياج ، كما لا يخفى.

الظاهر الاستغناء عن المنطق في العمل بالمنطوقات ، وكذا المفهومات الظاهرة.

فإن قلت : لا حاجة إلى علم الاصول ، لوجهين : الاول : أن علم الاصول قد حدث تدوينه بعد عصر الائمة عليهم‌السلام ، وأنا نقطع بأن قدماء‌نا ، ورواة أحاديثنا ، ومن يليهم ـ لم يكونوا عالمين بعلم الاصول ، مع أنهم كانوا عاملين بهذه الأحاديث الموجودة ، ولم ينقل عن أحد من الائمة عليهم‌السلام إنكارهم ، بل المعلوم تقريرهم لهم ، وكان ذلك الطريق مستمرا عند الشيعة إلى زمان القديمين : الحسن بن أبي عقيل ، وأبي علي أحمد بن الجنيد ، ثم حدث تدوين الاصول بين الشيعة أيضا (٢) ، فلا يكون العمل بهذه الأحاديث موقوفا على العلم بمسائل علم الاصول.

____________

١ ـ أي : في العلوم المذكورة ( منه رحمه‌الله ).

٢ ـ كلمة ( أيضا ) : ساقطة من ط.

٢٥٢

الثاني : أن البديهة حاكمة بوجوب العمل (١) بأوامر الشرع ونواهيه ، ومن علم العلوم الثلاثة الاول : فهو ممن يفهم الاوامر والنواهي ، فالحكم عليه بوجوب التقليد المنهي عنه ، بمجرد جهله بمسائل الاصول ، مما لا دليل عليه ، بل لا عذر له في التقليد ، وليس مثله مع التقليد إلا مثل شخص حكمه ملك على ناحية ، وعهد إليه : أنه متى أخبره ثقة بأن الملك أمرك بكذا ، أو نهاك عن كذا ، فعليك بالطاعة والعمل بالامر والنهي ، وبين له المخلص عند تعارض الأخبار ، فهو يترك العمل بما سمع من الاوامر والنواهي من الثقاة ، معللا بجهله بمسائل الاصول أو المنطق ، فإن استحقاقه للذم حينئذ مما لا ريب فيه.

قلت : اعلم أولا : أن مباحث علم الاصول قسمان :

الاول : ما يتعلق بتحقيق معاني الالفاظ ، مثل : أن الحقيقة الشرعية ثابتة أو لا؟ وأن الامر للوجوب؟ والمرة؟ والفور؟ أو لا؟ وكذا النهي؟ وأن المفرد المعرف باللام ، والجمع المنكر ، للعموم؟ أو لا؟ والمخصص المتعقب للجمل المتعاطفة ـ كالاستثناء ، والشرط ، ونحوهما ـ يرجع إلى الجملة الاخيرة فقط؟ أو إلى الجميع؟ إلى غير ذلك من المسائل المودعة في مواضعها.

والثاني : ما ليس كذلك ، مثل : أن الامر بالشيء هل يقتضي وجوب مقدمته؟ وتحريم ضده الخاص؟ أو لا؟ وهل يجوز تعلق الامر والنهي بشيء واحد؟ أو لا؟ وهل يجوز التكليف بالشيء مع علم الآمر بانتفاء شرطه؟ أو لا؟ وهل العام المخصص حجة في الباقي؟ أو لا؟ وهل العمل بالعام مشروط باستقصاء البحث عن المخصص؟ أو لا؟ وهل المفهومات حجة؟ أو لا؟ وخبر الواحد هل هو حجة؟ أو لا؟ إلى غير ذلك من المسائل.

إذا عرفت هذا ، فنقول : ما كان من القسم الاول ، فهو لم يكن في عصر الائمة عليهم‌السلام وما شابهه محتاجا إليه ، لان معاني الالفاظ وحقائقها كانت

__________________

١ ـ في ط : العلم.

٢٥٣

معلومة لهم ، لعدم تغير العرف في زمانهم ، ولما خفي هذا ـ بسبب تغير العرف ـ احتيج إلى تحقيق هذه المسائل ، فدون لها علم على حدة ، ولا يلزم من استغنائهم استغناؤنا ، فإنه لما اشتبه علينا أن الامر للوجوب؟ أو لا؟ لا يمكننا الحكم بوجوب شيء وبعدم جواز تركه ، بمجرد ورود الامر به ، إلا بعد النظر في الادلة الدالة على أن الامر للوجوب ، وكذا الحال في بقية المسائل ، فكيف يتصور القول باستغنائنا عنها في العلم أو الظن بالاحكام؟! بل هل هذا إلا جهل أو تجاهل؟!

فإن قلت : يمكن العلم بهذه المطالب الاصولية من علم العربية.

قلت : ليس شيء من هذه المباحث مبينا ـ بحيث يشفي العليل ويروي الغليل ـ في غير الاصول ، كما هو ظاهر للمتتبع.

وبعد التسليم ، فهي محتاج إليها ، وليس الغرض إلا هذا.

وقد ظهر الجواب بما مر عن كلا الوجهين في هذا القسم ، أما الاول : فظاهر ، وأما الثاني : فلانا لا نسلم حصول الفهم بدون العلم بهذا القسم من المطالب.

وأما القسم الثاني : فلا شك في الاحتياج إليه للعلم بالفروع المتفرعة عليه ، مثلا : إذا اريد العلم بحال الصلاة في الدار المغصوبة ، هل هي صحيحة؟ أو باطلة؟ فلابد من تحقيق حال ( تعلق الامر والنهي بشيء واحد ) هل هو جائز؟ أو لا؟ إذ ليس لهذه المسألة مدرك غير هذه المسألة الاصولية ، على ما هو الظاهر من الكتب الاستدلالية ، وكذا العلم بحال الصلاة في أول الوقت مع شغل الذمة بحق مضيق؟ أو جواز السفر بعد الصبح من يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة إذا وجبت؟ أو صحة الصلاة في موضع يخاف في الوقوف فيه هلاك النفس؟ أو صحة النافلة في وقت الفريضة ، أو صحة استيجار العبادة لمن في ذمته مثلها من عبادة نفسه؟ أو لمن يقلد الميت؟ على المشهور؟ أو لمن استأجر نفسه قبل ذلك بمثلها ، مع الاطلاق في عقدي الاجارة؟ أو

٢٥٤

التعيين في أحدهما والاطلاق في الآخر ، على تقدير تقارب زمانهما ، بحيث لم تحصل البراء‌ة من الاول؟ وكأنه لا خلاف في عدم صحة إجارة الحج لمن عليه حج واجب من نفسه ، أو لاجارة سابقة من القدرة ، ولم يظهر له مدرك غير المسألة الاصولية.

وكذا الحال في بقية المسائل ، سيما حجية خبر الواحد ، والاحتياج إلى العلم بمثل هذه الفروع المذكورة مما لا يعتريه شك.

القائل بالاستغناء عن علم الاصول يلزمه : إما القول ببداهة أحد طرفي هذه المسائل ، أو : بعدم الاحتياج إلى العلم بهذه المسائل ، وكلاهما بديهي البطلان.

والسر في عدم احتياج القدماء إلى تحقيق هذا القسم ـ على تقديره ـ : أن بعض هذا القسم كان لهم غنى عن تحقيق حاله ، مثل حجية خبر الواحد وما يتعلق به ، فإن حصول العلم لهم ـ بسبب المشافهة من المعصوم عليه‌السلام ، وبالتواتر (١) ، وبالقرائن المفيدة للعلم ، بسبب قرب زمانهم ـ أغناهم عن النظر في خبر الواحد وما يتعلق به ، ولهذا ترى أكثر القدماء ينكرون خبر الواحد ، كابن بابويه في أول كتاب الغيبة ، والسيد المرتضى ، وابن زهرة ، وابن ادريس ، بل الشيخ الطوسي ، كما لا يخفى على المتأمل ، وغيرهم (٢).

وبعض آخر منه : من عاداتهم وعرفهم يعلمونه ، كالقسم الاول ، مثل : مقدمة الواجب ، والمفهومات ، والعام المخصص ، ونحوها ، بل يمكن إدراجها في القسم الاول أيضا.

وبعض آخر : مما لم يخطر في بالهم ، ولو خطر ببالهم لسألوا عنه إمام زمانهم عليه‌السلام ، مثل : احتمال بطلان الصلوة مع سعة الوقت ، لمن عليه حق

__________________

١ ـ كذا في أ و ط ، وفي ب : أو بالتواتر ، وفي الاصل ، أسقط حرف العطف.

٢ ـ راجع ذلك فيما أوردناه في هوامش ص ١٥٨.

٢٥٥

مضيق ، إذ نحن لم ندع أن العمل بمنطوقات الأخبار الصريحة ، يتوقف على العلم بجميع هذا القسم من المسائل الاصولية ، بل نحن ندعي أن العلم بفروعاتها يتوقف عليها.

نعم من أنكر التجزي ، يلزمه القول بعدم العلم بشيء من الاحكام حينئذ ، بدون العلم بهذه المسائل الاصولية.

لكن على ما مر من التحقيق : يمكن الاجتهاد والعلم بكثير من الاحكام ، مع الجهل بكثر من مسائل القسم الثاني ، فلا تغفل.

ولي كلام في قولهم : لا يجوز العمل بالعام قبل فحص المخصص والمعارض ، لعلي أورده في موضعه في هذه الرسالة إن شاء الله تبارك وتعالى.

والاول من الثالث : العلم بتفسير الآيات المتعلقة بالاحكام ، وبمواقعها من القرآن ، أو من الكتب الاستدلالية ، بحيث يتمكن من الرجوع إليها عند الحاجة.

والمشهور : أن الآيات المتعلقة بالاحكام نحو من خمسماء‌ة آية ، ولم أطلع على خلاف في ذلك.

وروى الكليني ، في باب النوادر من كتاب فضل القرآن ، عن الاصبغ ابن نباتة ، قال : « سمعت أمير المؤمنين عليه‌السلام ، يقول : نزل القرآن أثلاثا : ثلث فينا وفي عدونا ، وثلث سنن وأمثال ، وثلث فرائض وأحكام » (١).

وفي الصحيح : « عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في عدونا ، وربع سنن وأمثال ، وربع فرائض وأحكام » (٢).

وفي رواية اخرى : « عن أبي عبدالله عليه‌السلام ، قال : إن القرآن نزل

__________________

١ ـ الكافي : ٢ / ٦٢٧ ـ كتاب القرآن / باب النوادر / ح ٢.

٢ ـ الكافي : ٢ / ٦٢٧ ح ٤ من باب المذكور.

٢٥٦

أربعة أرباع : ربع حلال ، وربع حرام ، وربع سنن وأحكام ، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم » (١).

ووجه الاحتياج إليه : أن استنباطا الاحكام من الآيات الاحكامية ، يتوقف على العلم بها ، وذلك ظاهر.

فإن قلت : قد ورد الأخبار أن القرآن إنما يعلمه من خوطب به (٢) ، وأنه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي (٣) ، كما (٤) رواه الطبرسي (٥) وغيره ، ويدل على مضمونه : ما رواه الكليني في باب اختلاف الحديث (٦).

وفي التفسير المنسوب إلى سيدنا ومولانا أبي محمد الحسن بن علي العسكري : « فأما من قال في القرآن برأيه فإن اتفق له مصادفة صواب ، فقد جهل في أخذه عن (٧) غير أهله » (٨) والحديث طويل.

وقال في مجمع البيان : « واعلم : أن الخبر قد صح عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعن الائمة عليهم‌السلام القائمين مقامه : أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالاثر الصحيح ، والنص الصريح » (٩) انتهى.

____________

١ ـ الكافي : ٢ / ٦٢٧ ح ٣ من الباب المذكور.

٢ ـ ذيل رواية زيد الشحام. الكافي : ٨ / ٣١١ ح ٤٨٥ وبمعناه روايات اخر أوردها في ( باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الائمة عليهم‌السلام وانهم يعلمون علمه كله ) سيما الحديث الثاني والخامس والسادس منه. الكافي : ١ / ٢٢٨.

٣ ـ تفسير العياشي : ١ / ١٧ ـ ١٨ ، عيون اخبار الرضا (ع) : ١ / ٥٩ ـ الباب ١١ ح ٤ ، امالي الصدوق : ١٥٥ ح ٣ ، التوحيد : ٩٠٥ ح ٥.

٤ ـ كلمة ( كما ) : زيادة من ط.

٥ ـ مجمع البيان : ١ / ١٣ ـ الفن الثالث.

٦ ـ الكافي : ١ / ٦٢.

٧ ـ في أ و ب و ط : من.

٨ ـ التفسير المنسوب إلى الامام العسكري : ١٤.

٩ ـ مجمع البيان : ١ / ١٣ ـ الفن الثالث.

٢٥٧

وأيضا : قد روى الكليني (١) ، وعلي بن إبراهيم (٢) ، وغيرهما ، روايات كثيرة ، دالة على أن في القرآن تغييرا وتبديلا كثيرا.

وعلى هذين الاحتمالين ، فلا يصح التمسك بالقرآن في الاحكام الشرعية ما لم يكن هناك نص ، وهو مغن ، فلا يكون العلم بالكتاب مما يتوقف عليه الاجتهاد.

قلت : الجواب من وجوه :

الاول : أن المراد بانحصار علم القرآن وتفسيره ، في الائمة عليهم‌السلام ، ما كان من حمل الكلام على خلاف المدلولات الظاهرة.

وأما المدلولات الظاهرة : فلا شك في حصول العلم بها من الكلام ، مثلا : لا شك في حصول العلم بالتوحيد من آية : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (٣) ، و ( أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) (٤) ، وفي حصول العلم بطلب الصلاة من آية : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) (٥) وإن كانت الصلاة مما يحتاج إلى البيان ، وفي العلم بأن نصيب الذكر ضعف الانثى في الميراث في شريفة : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) (٦) ، وفي الربع للزوج مع الولد ، والنصف مع عدمه ،

__________________

١ ـ الكافي : ٨ / ٥٠ ح ١١ ، وص ١٨٣ ح ٢٠٨ ، وص ٢٩٠ ح ٤٣٧ و ٤٣٨ و ٤٣٩ و ٤٤٠ وص ٣٧٧ ح ٥٦٨ ، وص ٣٧٨ ح ٥٦٩ و ٥٧٠ و ٥٧١.

٢ ـ تفسير علي بن ابراهيم القمّي / المجلد الثاني : ٢٩٥ حديث أبي بصير في تفسير الآية ٢٩ / الجاثية ، وكذا في ص ٣٤٩ حديثا أبي عبدالرحمن السلمي ، وأبي بصير في تفسير الآية ٥٦ / الواقعة ، وكذا في ص ٣٦٧ حديث ابن أبي يعفور في تفسير الآية : ١١ / الجمعة ، وفي ص ٤٥١ : « قال رسول الله [ ص ] لو أن الناس قرأوا القرآن كما انزل الله ما اختلف اثنان ». انظر ما اوردناه فيما تقدم في الهامش ( ٣ ) من صفحة ١٤٧.

٣ ـ التوحيد / ١.

٤ ـ الكهف / ١١٠ ، والانبياء / ١٠٨.

٥ ـ البقرة / ٤٣ ، ٨٣ ، ١١٠ ، والنساء / ٧٧ ، والنور / ٥٦ ، والمزمل / ٢٠.

٦ ـ النساء / ١١.

٢٥٨

إلى غير ذلك ، بحيث لا يعتريه شك ولا يدانيه ريب.

ويؤيد هذا الوجه :

ما ذكره الطبرسي : [ من ] « أن التفسير : كشف المراد عن اللفظ المشكل » (١).

و : أن الفقهاء في جميع الاعصار كانوا يستدلون بالآيات القرآنية ، وكتاب ( من لا يحضره الفقيه ) مملوء منه ، سيما كتاب المواريث وغيره (٢) ، واستدلالات الائمة عليهم‌السلام لاصحابهم الشيعة ولغيرهم بالآيات ، مما لا يعد ولا يحصى.

وحمل الطبرسي التفسير بالرأي على عدم مراعاة شواهد الالفاظ ، وفيه بعد.

الثاني : أن المراد انحصار العلم بكل القرآن في الائمة عليهم‌السلام.

ويؤيده : ما رواه الكليني ، في كتاب فضل القرآن : أن القرآن اسم للمجموع (٣) ، وما رواه في باب الرد إلى الكتاب والسنة ، أو باب آخر قريب منه من أنه : « لا يدعي العلم بجميع القرآن غيرنا إلا كذاب » (٤).

الثالث : أن ههنا أخبارا معارضة للاخبار الاولة ، كحديث عرض الحديث على كتاب الله ، والاخذ بالموافق وطرح المخالف خلف الحائط (٥).

وفي هذا المضمون أخبار كثيرة بالغة حد التواتر ، فلو فرض أن العلم بالقرآن لا يحصل إلا بالحديث ، لم يكن للعرض فائدة.

وفي هذا الوجه دلالة على صحة الاعتماد على الاصل وظاهر الحال ، من

__________________

١ ـ مجمع البيان : ١ / ١٣ ـ الفن الثالث.

٢ ـ يكفي لصدق هذا المقال ملاحظة خطبة كتاب الكافي للكليني ( منه رحمه‌الله ).

٣ ـ الكافي : ٢ / ٦٣٠ ـ كتاب فضل القرآن / باب النوادر ح ١١.

٤ ـ الكافي : ١ / ٢٢٨ ـ كتاب الحجة / باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الائمة (ع) / ح ١ وغيره.

٥ ـ الكافي : ١ / ٦٩ ـ كتاب فضل العلم / باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب. ذكر بعضها الكليني في خطبة الكافي ( من رحمه‌الله ) ، مجمع البيان : ١ / ١٣ ـ المقدمة / الفن الثالث.

٢٥٩

عدم النسخ والتخصيص ، إذ لو كان احتمال النسخ موجبا لعدم صحة الاعتماد على مدلول الآية ، لم يحصل العلم بصحة الحديث بسبب عرضه على القرآن ، سيما عند تعارض الخبرين.

وعلى هذا ، يسقط ما يتوهم من أنه على تقدير العلم بمضمون الآية ، فالعلم ببقاء التكليف بمضمونه غير حاصل لنا ، لاحتمال النسخ والتخصيص ، وإذا حصل التعارض فيجب ـ على تقدير التكافؤ ـ حمل الأخبار الاولة على المتشابهات ، كما لا يخفى.

وأما حديث التغيير في القرآن : فهو مما نفاه الاكثر ، وبالغ فيه السيد الاجل المرتضى في جواب المسائل الطرابلسيات ، وقد نقل كلامه الشيخ الطبرسي في أوائل كتاب مجمع البيان (١).

وعلى تقدير التسليم ، فقد روي أيضا جواز العمل بهذا القرآن الموجود ، حتى يقوم قائم آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام (٢).

واعلم : أنه يتصور في حق المتجزي استغناؤه في التفسير ، كما لا يخفى ، فتأمل.

والثاني من القسم الثالث : العلم بالاحاديث المتعلقة بالاحكام ، بأن يكون عنده من الاصول المصححة ما يجمعها ، ويعرف موقع كل باب ، بحيث يتمكن من الرجوع إليها.

ويتصور في حق المتجزي الغناء عنها ، ببعض الكتب الاستدلالية ، كما لا يخفى.

والثالث من الثالث : العلم بأحوال (٣) الرواة في الجرح والتعديل ، ولو بالمراجعة إلى كتب الرجال.

__________________

١ ـ مجمع البيان : ١ / ١٥ ـ الفن الخامس.

٢ ـ انظر ما تقدم في الهامش ( ٢ ) من ص ١٤٨.

٣ ـ كذا في أ و ب و ط ، وفي الاصل : حال.

٢٦٠