رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدّلائل - ج ١٢

السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي

رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدّلائل - ج ١٢

المؤلف:

السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم ISBN: 964-319-274-1
نسخة غير مصححة

وقصور السند بالأصل المتقدّم مجبور ، وضعف الدلالة على العموم في مطلق ما يوجب الحدّ كما هو المطلوب متمَّم بالإجماع المركّب.

( وقيل ) وهم الأكثر ، بل في الروضة أنّه المشهور (١) ، وعن الخلاف الإجماع عليه (٢) : إنّ ( أدناه أن تؤذي أهله ) بقول أو فعل ؛ لعمومه لغةً لذلك ، وهو مقدّم على العرف. مضافاً إلى المرسلين المفسِّرين للآية بذلك (٣).

وفي الأوّل منع ، من حيث التقديم ، مع أنّه على تقديره مخالف للإجماع من حيث شموله لفواحش أُخر ، كترك الصلاة ، والصوم ، ونحو ذلك ، ممّا لا قائل بجواز الإخراج به.

وفي الثاني قصور السند المانع عن العمل ، سيّما مع معارضتهما بالمرسل المتقدّم ، المعتضد بالأصل المتيقّن ، إلاّ أنّ الشهرة والإجماع المتقدّم لعلّهما يجبران جميع ذلك ، فلا بُعد في المصير إليه ، وإن كان الأحوط الأوّل.

( و ) كما لا يجوز له إخراجها ( لا ) يجوز لها أن ( تخرج هي ) بنفسها من دارها التي طلّقت فيها ؛ لعين ما مضى من الأدلّة الثلاثة ، بزيادة ظهور دلالة السنّة على الحرمة ، من حيث تضمّنها الأوامر باعتداد المطلّقة في بيتها ، التي هي في الوجوب وحرمة الترك ظاهرة ، وهي مستفيضة :

__________________

(١) الروضة ٦ : ٧٧.

(٢) الخلاف ٥ : ٧٠.

(٣) أحدهما في : الكافي ٦ : ٩٧ / ١ ، التهذيب ٨ : ١٣١ / ٤٥٥ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٠ أبواب العدد ب ٢٣ ح ١.

والآخر في : الكافي ٦ : ٩٧ / ٢ ، التهذيب ٨ : ١٣١ / ٤٥٦ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٠ أبواب العدد ب ٢٣ ح ٢.

٣٤١

ففي موثّقات ثلاثة : عن المطلّقة أين تعتدّ؟ قال : « في بيتها » (١) وزيد في أكثرها : « لا تخرج ، وإن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل ، ولا تخرج نهاراً ، وليس لها أن تحجّ حتى تنقضي عدّتها ». وإطلاقها كالآية ، وغيرها من المعتبرة ، وظاهر العبارة ، وصريح جماعة (٢) ، بل ادّعى عليه الشهرة جماعة (٣) عموم الحرمة لكل من صورتي الإذن من الزوج بالخروج وعدمه.

خلافاً للحلبي وجماعة (٤) ، فقيّدوها بالصورة الثانية ، بل ظاهر عبارة الفضل المحكيّة في الكافي الإجماع عليه في الأزمنة السابقة ، بل وادّعى أنّها المفهومة من عبارة الآية في اللغة ، قال : وإنّما الخروج والإخراج أن تخرج مراغمة ، أو يخرجها زوجها مراغمة ، وعلى أنّها لا تريد العود إلى بيتها وإمساكها ؛ لأنّ المستعمل في اللغة هذا الذي وصفناه ، وهذا الذي نهى الله تعالى عنه (٥).

وهو غير بعيد ، والمعتبرة شاهدة به ، ففي الصحيح (٦) ، ونحوه‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٢٢ : ٢١٣ أبواب العدد ب ١٨ ح ٣ ، ٤ ، وص ٢١٥ ب ١٩ ح ١.

(٢) منهم الشهيد الثاني في الروضة ٦ : ٧٤ ، وصاحب المدارك في نهاية المرام ٢ : ١٢٠ ، وصاحب الحدائق ٢٥ : ٥٢٥.

(٣) منهم المجلسي في ملاذ الأخيار ١٣ : ٢٥٧ ، وصاحب الحدائق ٢٥ : ٥٢٥ ، انظر آيات الأحكام للفاضل الجواد ٤ : ٣٠ ، والكفاية للفاضل الخراساني : ٢٠٨ وفيهما هذا القول منسوب إلى أكثر الأصحاب.

(٤) الحلبي في الكافي : ٣١٢ ؛ وانظر الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٦١٦ ، والتحرير ٢ : ٧٥.

(٥) الكافي ٦ : ٩٥ ، ٩٦.

(٦) الكافي ٦ : ٨٩ / ١ ، التهذيب ٨ : ١١٦ / ٤٠٢ ، الإستبصار ٣ : ٣٣٣ / ١١٨٤ ، الوسائل ٢٢ : ٢١٢ أبواب العدد ب ١٨ ح ١.

٣٤٢

المقطوع (١) : « لا ينبغي للمطلّقة أن تخرج إلاّ بإذن زوجها حتى تنقضي عدّتها » الخبر.

وفي الموثق : « المطلّقة تحجّ في عدّتها إن طابت نفس زوجها » (٢) ولا قائل بالفرق.

وبه يقيّد ما أُطلق فيه الإذن بالخروج إلى الحجّ وأداء الحقوق ، كالصحيح المقطوع : « المطلّقة تحجّ ، وتشهد الحقوق » (٣).

ويحتمل الحمل على الواجب ، فلها الخروج إليه ، كالاستمرار به لو كانت قبل الطلاق خارجة له ، بخلاف غيره ، فيجب عليها العود إلى منزله ، كما لو طلّقت وهي في غير مسكن.

ولا يتفاوت الحكم على هذا بين حالتي قبل الطلاق وبعده ، ولعلّ الحكمة في التعرض للنهي عن الخروج والإخراج في هذه الصورة احتمال توهّم انقطاع أحكام الزوجية ، التي منها النهي عن الأمرين بعد الطلاق ، فلا يجعل مثل هذا التعرض دليلاً أو شاهداً للأوّل ، ولكنّه أحوط.

وعليه فلو كانت في سفر مباح أو مندوب ففي وجوب العود إن أمكن إدراكها جزءاً من العدّة ، أو مطلقاً ، أو تتخيّر بينه وبين الاعتداد في السفر ، أوجه :

من إطلاق النهي عن الخروج من بيتها ، فيجب عليها تحصيل الكون به.

__________________

(١) الكافي ٦ : ٩١ / ١١ ، الوسائل ٢٢ : ٢١٤ أبواب العدد ب ١٨ ح ٧.

(٢) الكافي ٦ : ٩١ / ١٢ ، التهذيب ٨ : ١٣١ / ٤٥٢ ، الإستبصار ٣ : ٣٣٣ / ١١٨٧ ، الوسائل ٢٢ : ٢١٩ أبواب العدد ب ٢٢ ح ٢.

(٣) الكافي ٦ : ٩٢ / ١٣ ، التهذيب ٨ : ١٣١ / ٤٥٣ ، الإستبصار ٣ : ٣٣٣ / ١١٨٦ ، الوسائل ٢٢ : ٢١٩ أبواب العدد ب ٢٢ ح ١.

٣٤٣

ومن عدم صدق النهي هنا ؛ لأنّها غير مُستوطنة ، وللمشقّة ، وانتفاء الفائدة حيث لا تدرك جزءاً من العدّة.

وهذا أقوى ؛ لاختصاص النهي المطلق في النص والفتوى بحكم الوضع أو التبادر بغير محل الفرض جدّاً.

كلّ ذلك مع إمكان الرجوع ، وعدم الضرورة إلى عدمه ، ولا يجب العود معها قطعاً ؛ لمكان الضرورة المبيحة لعدمه على تقدير وجوبه وللخروج أيضاً.

( فإن اضطرّت خرجت ) إجماعاً ، لكن ( بعد انتصاف الليل ، وعادت قبل الفجر ) وجوباً ، على الأشهر ، بل لم أقف على مخالف إلاّ من بعض من ندر ممّن تأخّر (١).

والأصل فيه الموثّق الذي مرّ (٢) ، ولا قدح فيه من حيث الموثّقيّة والإضمار ، كما هو المقرّر ، مع أنّه على تقديره فهو بالشهرة العظيمة منجبر ، فهو أظهر إن ارتفع به وبغيره الضرر ، وإلاّ بأن كان الدفع بالغير منحصراً جاز قولاً واحداً.

( ولا يلزم ذلك ) أي المنع عن كلّ من الخروج والإخراج ( في ) الطلاق ( البائن ) مطلقاً ، حائلاً كانت المطلّقة أو حاملاً.

( ولا المتوفّى عنها زوجها ) مطلقاً كذلك ( بل تبيت كلّ منهما ) وتعتدّ ( حيث شاءت ) بلا خلاف في الظاهر في المقامين ، بل عليه الإجماع في كلام جماعة (٣) ، وهو الحجة فيه.

__________________

(١) انظر المسالك ٢ : ٥٠ ، وكفاية الأحكام : ٢٠٨.

(٢) في ص ٣٤٠.

(٣) منهم الشيخ في الخلاف ٥ : ٧٠ ٧١ ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٦١٦ ، والفاضل المقداد وفي التنقيح الرائع ٣ : ٣٥٧ وانظر نهاية المرام ٢ : ١٢٠ ، ومرآة العقول ٢١ : ١٥٤.

٣٤٤

مضافاً إلى الأصل السالم عن معارضة ما دلّ على المنع ؛ لاختصاص الآية (١) بحكم ما في آخرها من العلّة بالرجعيّة ، وعلى تقدير الإطلاق يلزم تقييده كإطلاق الروايات في المطلّقة بها ؛ للمعتبرة المستفيضة ، منها الصحيح : « إذا طلّق الرجل امرأته طلاقاً لا يملك فيه الرجعة بانت منه ساعة طلّقها ، وملكت نفسها ، ولا سبيل له عليها ، وتعتدّ حيث شاءت ، ولا نفقة لها » (٢) ونحوه غيره (٣).

ولا معارض لها من النصوص صريحاً ، سوى الإطلاقات المقيّدة بها وبالإجماع جدّاً.

وفي الصحيح : عن امرأة توفّي عنها زوجها أين تعتدّ ، في بيت زوجها ، أو حيث شاءت؟ قال : « حيث شاءت » الخبر (٤) ، ونحوه غيره (٥).

ولا معارض لها من إطلاقات الآية والأخبار أصلاً.

نعم في كثير من المعتبرة النهي عن بيتوتتها عن بيتها (٦) ، ولم أر عاملاً بها ، لأنّهم ما بين مصرّحٍ بحملها على الاستحباب ، ورادٍّ لها من أصلها.

وربما يوجد في المتأخّرين عامل بها ، مدّعياً عدم التعارض بينها‌

__________________

(١) الطلاق : ١.

(٢) الكافي ٦ : ٩٠ / ٥ ، التهذيب ٨ : ١٣٢ / ٤٥٨ ، الوسائل ٢٢ : ٢١٦ أبواب العدد ب ٢٠ ح ١.

(٣) الوسائل ٢١ : ٥١٩ أبواب النفقات ب ٨.

(٤) الكافي ٦ : ١١٥ / ٢ ، التهذيب ٨ : ١٩١ / ٥٥٨ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٢ / ١٢٥٨ ، الوسائل ٢١ : ٥٢٣ أبواب النفقات ب ٩ ح ٥.

(٥) الوسائل ٢١ : ٥٢٢ أبواب النفقات ب ٩.

(٦) انظر الوسائل ٢٢ : ٢٤١ أبواب العدد ب ٣٢.

٣٤٥

وبين ما تقدّمها ؛ لتضمّنه التخيير والرخصة في الاعتداد بالعدّة أينما شاءت ، وليس فيها التعرض للنهي عن البيتوتة عن مكان العدّة ، وقد تضمّنته هذه المعتبرة ، فالعمل بها غير ملازم لترك ما قابلها ، بل فيه جمع بينهما (١).

وهو أحوط ، وإن كان في تعيّنه نظر ، من حيث عدم القائل بها ، بل وظهور اتفاقهم على ردّها ، وما هذا شأنه يلحق بالنادر الذي يجب ردّه أو تأويله.

ثم إنّ المطلّقة بائناً وإن جاز إخراجها ولو حاملاً ، إلاّ أنّه في الأخيرة ليس على إطلاقه جدّاً ، بل ينبغي تقييده بما إذا أخرجها إلى مسكن آخر ، لا مطلقاً ، فإنّ لها النفقة والسكنى ، كتاباً وسنّة وإجماعاً ، فالفرق بينها وبين المطلّقة رجعيّة حينئذٍ هو عدم جواز إخراجها مطلقاً ، ولو إلى مسكن آخر ، دون هذه ، فيجوز إخراجها إليه ، فتأمّل جدّاً.

( وتعتدّ المطلّقة من حين الطلاق ) مطلقاً ( حاضراً كان المطلِّق أو غائباً ) إجماعاً في الأوّل ، وعلى الأظهر الأشهر في الثاني ؛ للصحاح المستفيضة ، وغيرها من المعتبرة ، ففي الصحيح : في الغائب إذا طلّق امرأته : « أنّها تعتدّ من اليوم الذي طلّقها » (٢).

وإطلاقه كغيره إمّا ظاهر فيما ( إذا عرفت الوقت ) الذي طلّقت فيه بالبيّنة الشرعية أو القرائن القطعية.

أو مقيّد به ؛ للصحاح المصرِّحة بذلك ، المعتضدة بفتوى الطائفة ، منها الصحيح : عن المطلّقة يطلّقها [ زوجها ] فلم تعلم إلاّ بعد سنة؟ قال :‌

__________________

(١) المفاتيح ٢ : ٣٥٤ ، مرآة العقول ٢١ : ١٩٧.

(٢) الكافي ٦ : ١١٠ / ٢ ، التهذيب ٨ : ١٩١ / ٥٦٠ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٣ / ١٢٦٣ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٦ أبواب العدد ب ٢٦ ح ٣.

٣٤٦

« إن جاء شاهدا عدلٍ فلا تعتدّ ، وإلاّ فلتعتدّ من يوم يبلغها » (١).

وإطلاقه كالصحيحين الآخرين (٢) يقتضي الاعتداد من يوم البلوغ مطلقاً ، ولو حصل القطع بتقدّم الطلاق عليه يوماً أو أزيد.

وربما يقيّد بصورة احتمال وقوع الطلاق فيه لقرب المسافة ونحوه ، وأمّا مع انتفائه وتيقّن سبق الطلاق يوم البلوغ فتعتدّ بالمتيقّن سبقه وتتمّه بالملتحق به ، ويكون المراد حينئذٍ من الاعتداد يوم البلوغ البناء عليه ولو باحتساب ما سبقه جزءاً من العدّة ، وليس المراد جعله ابتداءها.

وهو غير بعيد ، إلاّ أنّ المصير إلى الإطلاق أحوط ، وفاقاً لظاهر الماتن في الشرائع (٣).

وخلاف الحلبي (٤) هنا بالمصير إلى لزوم الاعتداد من حين البلوغ كالوفاة بعد الثبوت شاذّ ، ومستنده من أنّ العدّة عبادة فتفتقر إلى نيّة مع ما فيه من المنع ، فيه اطراح للصحاح.

( و ) تعتدّ الزوجة ( في الوفاة ) من حينه مع الحضور ، و ( من حين يبلغها الخبر ) مع الغيبة ، على الأظهر الأشهر بين الطائفة ؛ للمعتبرة المستفيضة ، منها الصحاح ، أحدها : في الرجل يموت وتحته امرأة وهو‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ١١١ / ٤ ، التهذيب ٨ : ١٦٢ / ٥٦٤ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٤ / ١٢٦٧ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٨ أبواب العدد ب ٢٧ ح ٣ وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(٢) أحدهما في : الكافي ٦ : ١١٢ / ١ ، التهذيب ٨ : ١٦٣ / ٥٦٨ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٥ / ١٢٧١ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٨ أبواب العدد ب ٢٨ ح ١.

والآخر في : الكافي ٦ : ١١٢ / ٢ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٨ أبواب العدد ب ٢٨ ح ٢.

(٣) الشرائع ٣ : ٤٦.

(٤) الكافي في الفقه : ٣١٣.

٣٤٧

غائب ، قال : « تعتدّ من يوم يبلغها وفاته » (١).

خلافاً للإسكافي (٢) ، فجعلها كالأُولى في الاعتداد من حين الوقوع بعد الثبوت ، ولا قبله ، بل من حين البلوغ ؛ للخبرين ، أحدهما الصحيح : امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة ، فقال : « إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها ، وإن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدّتها إذا قامت له البيّنة أنّه مات في يوم كذا وكذا ، وإن لم يكن لها بيّنة فلتعتدّ من يوم سمعت » (٣).

ونحوه الثاني (٤) ، إلاّ أنّه قاصر السند ، وهو كالأوّل ضعيف المكافأة للمستفيضة المتقدّمة ، من حيث الاعتضاد بالاستفاضة ، والشهرة العظيمة ، والاحتياط ؛ لأصالة بقاء الحرمة ، فليطرحا ، أو يؤوّلا ، أو يحملا على التقية ، كما فعله بعض الأجلّة (٥).

وحملها على الرخصة كما في المسالك (٦) وارتضاه جماعة (٧) فرع المكافأة ، ومنافٍ للزوم العمل بالأخبار الراجحة وطرح المرجوحة.

وبالجملة : لا ريب في شذوذ هذا القول وضعفه ، كمختار التهذيب (٨) المفصِّل بما في الصحيح : المرأة يموت زوجها ، أو يطلّقها وهو غائب ،

__________________

(١) الكافي ٦ : ١١٢ / ١ ، الوسائل ٢٢ : ٢٢٨ أبواب العدد ب ٢٨ ح ١.

(٢) حكاه عنه في المختلف : ٦١٤.

(٣) التهذيب ٨ : ١٦٤ / ٥٧١ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٥ / ١٢٧٤ ، الوسائل ٢٢ : ٢٣١ أبواب العدد ب ٢٨ ح ١٠.

(٤) التهذيب ٨ : ١٦٤ / ٥٧٠ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٥ / ١٢٧٣ ، الوسائل ٢٢ : ٢٣١ أبواب العدد ب ٢٨ ح ٩.

(٥) الوسائل ٢٢ : ٢٣١ ، الحدائق ٢٥ : ٥٤٢.

(٦) المسالك ٢ : ٥٦.

(٧) منهم السبزواري في الكفاية : ٢٠٨ ، والفيض الكاشاني في المفاتيح ٢ : ٣٥٢.

(٨) التهذيب ٨ : ١٦٥.

٣٤٨

قال : « إن كان مسيرة أيّام فمن يوم يموت زوجها تعتدّ ، وإن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر ؛ لأنّها لا بدّ أن تحدّ له » (١) لعين ما مضى ، بل بطريق أولى.

ثمّ لا فرق في الزوجة بين الحرّة والأمة في ظاهر العبارة ، كأكثر النصوص والفتاوي ، ولا يعارضها التعليل في بعضها بلزوم الحداد عليها وهو مختصّ بالحرّة جدّاً ؛ لغلبة أخصّيّة علل الشرع عن معلولاتها ، فلا يجسر مع ذلك على تقييد أكثر النصوص والفتاوي بها ، فجمود الروضة (٢) على العلّة ونفي العدّة عن الأمة ، وجعلها كالمطلّقة ، لعلّه ضعيف جدّاً ، ولذا لم يمل إليه في المسالك (٣) أصلاً.

ولا فرق أيضاً في الخبر الذي تعتدّ من يومه بين صدوره ممن يقبل قوله ويثبت الحكم بإخباره ، أم لا ، في ظاهر إطلاق أكثر النصوص والفتاوي ، بل صرّح به جماعة من أصحابنا (٤).

لكن ربما ينافيهما بعض النصوص ، كالخبر : « إن مات عنها » يعني : وهو غائب « فقامت البيّنة على موته ، فعدّتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر وعشراً » الحديث (٥).

__________________

(١) التهذيب ٨ : ١٦٥ / ٥٧٢ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٦ / ١٢٧٥ ، الوسائل ٢٢ : ٢٣٢ أبواب العدد ب ٢٨ ح ١٢.

(٢) الروضة ٦ : ٨٤.

(٣) المسالك ٢ : ٥٦.

(٤) منهم الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٣ : ٣٥٨ ، والشهيد الثاني في المسالك ٢ : ٥٦ ، والفيض الكاشاني في المفاتيح ٢ : ٣٥٢.

(٥) الكافي ٦ : ١١٢ / ٦ ، التهذيب ٨ : ١٦٣ / ٥٦٦ ، الإستبصار ٣ : ٣٥٤ / ١٢٦٩ ، الوسائل ٢٢ : ٢٣٣ أبواب العدد ب ٢٩ ح ١.

٣٤٩

إلاّ أنّه ضعيف السند ، قاصر عن المقاومة لما مرّ ، فإذاً ما قالوه أظهر ، لكن ليس لها بعد انقضاء العدّة بعد الخبر التزويج من دون ثبوتٍ شرعيّ ، فلو تزوّجت فسد في الظاهر ، وصح في الباطن مع الجهل بالتحريم إن تبيّن بعد ذلك موته وانقضاء عدّتها قبل العقد.

وأمّا مع العلم به فقيل : يجب القطع بالفساد ؛ لانتفاء القصد إلى العقد الصحيح (١).

وفيه نظر ؛ لعدم الملازمة هنا بين الحرمة والفساد ، فلا يلزم من العلم بها انتفاء القصد إلى ضدّه المستلزم له ، فإلحاق هذه الصورة بالأُولى متّجه جدّاً ؛ لعموم الأمر بالوفاء ، مع عدم مانعٍ أصلاً ، وبه صرّح جماعة من أصحابنا (٢).

__________________

(١) قاله صاحب المدارك في نهاية المرام ٢ : ١٢٤.

(٢) منهم الشهيد الثاني في المسالك ٢ : ٥٦ ، والسبزواري في الكفاية : ٢٠٨ ، والحدائق ٢٥ : ٥٤٥.

٣٥٠

( كتاب الخلع )

الخُلع بالضمّ من الخَلع بالفتح ، وهو النزع ، كأنّ كلاًّ منهما ينزع لباس الآخر ( هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ) (١).

( والمبارأة ) بالهمزة ، وقد تقلب ألفاً ، وهي المفارقة.

وكل منهما طلاق بعوض لازم لجهة الزوج ، ويشترط فيهما ما يشترط في الطلاق ، وزيادة شرط فيهما هو : رضاها بالبذل ، وآخر في الخلع ، وهو : كراهتها له ، وآخرين في المبارأة هما : كراهة كل منهما لصاحبه ، وعدم زيادة العوض على المهر ، ولا خلاف في شي‌ء من ذلك ؛ للمعتبرة المستفيضة ، إلاّ ما يأتي في كون الخلع طلاقاً ، وسيأتي إلى جميع ذلك مفصّلاً الإشارة.

وشرعيّتهما ثابتة بالكتاب ، والإجماع ، والسنّة المستفيضة الآتية ، قال الله سبحانه ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) (٢).

وظاهره الوقوع عند الحاكم ، ولعلّه لهذا حكي عن الإسكافي (٣) اشتراطه ، وله مضافاً إليه بعض النصوص بالخصوص : « ولا يكون ذلك إلاّ عند سلطان » (٤).

__________________

(١) البقرة : ١٨٧.

(٢) البقرة : ٢٢٩.

(٣) نقله عنه في المختلف : ٥٩٥.

(٤) التهذيب ٨ : ٩٨ / ٣٣١ ، الإستبصار ٣ : ٣١٨ / ١١٣١ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٦ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ١٠.

٣٥١

والأشهر خلافه ، بل في التنقيح (١) الإجماع عليه ؛ للأصل ، وقصور الآية عن إفادة الاشتراط ، مع احتمال ورودها مورد الغالب ، والرواية ضعيفة السند ، وإن انجبرت بوجود المجمع على تصحيح ما يصح عنه من الرواية في سندها ؛ لقصورها عن المقاومة للأصل المعتضد بالشهرة العظيمة ، وحكاية الإجماع المزبورة ، وإطلاقات الأخبار المستفيضة ، فإذاً ما اختاروه أقوى ، وإن كان الاحتياط ما ذكره جدّاً.

( و ) وكيف كان ( الكلام ) في الكتاب يقع ( في العقد ، والشرائط ، واللواحق ) ولمّا كان كل منهما من العقود المفيدة لإبانة الزوجة بفدية مخصوصة لزم فيهما مراعاة الصيغة الصريحة ، كسائر العقود اللازمة.

( و ) قد ذكر الأصحاب ، وحكاه عنهم جماعة (٢) أنّ ( صيغة الخلع ) الصريحة ( أن يقول ) الزوج : ( خلعتك ) أو خالعتك ، أو أنت ( أو فلانة مختلعة على كذا ) ولا ريب في الأوّلتين ، إلاّ أنّ في الأخيرتين لجماعة (٣) مناقشة لا جدوى في التعرّض لها بعد الاتفاق عليهما هنا.

واستظهر جماعة (٤) وقوعه بـ : أنتِ طالق على كذا ، من دون لفظ الخلع أصلاً ، بل ادّعى جماعة منهم (٥) ظاهر الاتفاق عليه ، وهو الحجّة فيه ، مع أنّا لم نقف فيه على مخالفٍ ، ولولاه لكان محلّ نظر ، فإنّ مقتضى الأصل والاقتصار على المتيقّن من النص العدم ؛ نظراً إلى أنّ المتبادر منه‌

__________________

(١) التنقيح الرائع ٣ : ٣٦٠.

(٢) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام ٢ : ١٢٧ ، والسبزواري في الكفاية : ٢٠٩.

(٣) الشرائع ٣ : ١٧ ، التنقيح الرائع ٣ : ٣٠٣ ، المهذب ٣ : ٤٥٢ ، كفاية الأحكام : ٢٠٠.

(٤) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام ٢ : ١٢٧ ، والسبزواري في الكفاية : ٢٠٩ ، وصاحب الحدائق ٢٥ : ٥٥٧.

(٥) انظر المبسوط ٤ : ٣٤٤ ، والمفاتيح ٢ : ٣٢٣.

٣٥٢

المتيقّن هو الوقوع بلفظه دون غيره ، فالحكم بأحكامه التي من جملتها عدم الرجعة والبينونة بمجرّده مشكل ؛ والالتفات في إثباته إلى أنّه وإن تجرّد عن لفظ الخلع لكنّه عقد معاوضة ، فيلزم ؛ لعموم الأمر بمطلقه ، غير جيّد مع الحكم بجواز رجوع المرآة في البذل.

نعم يمكن الاستدلال عليه بالصحيح : « إذا قالت المرآة لزوجها جملة : لا أُطيع لك أمراً ، مفسّراً أو غير مفسّر ، حلّ له أن يأخذ منها ، وليس له عليها رجعة » (١).

وهو كما ترى ظاهر في ترتّب الحكم بالبينونة على مجرّد البذل مع الكراهة ، أعمّ من وقوعها بلفظ الخلع أو الطلاق.

وهو وإن أمكن دعوى ظهوره في الأوّل بملاحظة ما عداه من النصوص ، إلاّ أنّ فتوى الأصحاب مع حكاية جماعة (٢) الإجماع عليه ، وظهور صدقه بعد التتبّع أوضح شاهد على العموم.

مضافاً إلى إشعار بعض النصوص (٣) به أيضاً ، فلا إشكال فيه بحمد الله تعالى ، وإن كان الأحوط الإتيان بلفظ الخلع أيضاً.

قالوا : ولا بدّ من قبول المرأة عقيبه بلا فصل معتدّ به ، أو تقدّم سؤالها قبله كذلك.

ولا ريب أنّه أحوط ، وإن كان في استفادته كملاً من النصوص نظر ، فإنّ غايتها الدلالة على اعتبار قبولها إمّا مطلقاً ، كما يقتضيه إطلاق بعضها ،

__________________

(١) الكافي ٦ : ١٤١ / ٦ ، الفقيه ٣ : ٣٣٩ / ١٦٣٣ ، التهذيب ٨ : ٩٧ / ٣٢٨ ، الإستبصار ٣ : ٣١٦ / ١١٢٧ ، الوسائل ٢٢ : ٢٧٩ أبواب الخلع والمباراة ب ١ ح ١.

(٢) راجع ص ٣٥١.

(٣) انظر الوسائل ٢٢ : ٢٧٩ أبواب الخلع والمباراة ب ١.

٣٥٣

أو إذا كان مقدّماً ، كما يقتضيه أكثرها ، وأمّا لزوم المعاقبة من دون فصل معتدّ به فلم يظهر منها.

نعم لو تحقّق فصل بعيد بعد أن سألت ، بحيث يحتمل رجوعها ، أمكن اشتراط عدمه هنا ، لا مطلقاً ، ولكنّه غير ما يظهر من عبائرهم ، والعمل على ما ذكروه.

( وهل يقع ) الخلع بكلّ من الألفاظ المذكورة ( بمجرّده ) من دون إتباع بالطلاق؟ ( قال ) المرتضى ( علم الهدى ) وأكثر أصحابنا بل ادّعى عليه في الناصريات (١) إجماعنا ـ : ( نعم ) والحجة بعده النصوص المستفيضة ، منها الصحاح الصراح ، في أحدها : عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين عدلين على طهر من غير جماع ، هل تبين منه بذلك ، أو هي امرأته ما لم يتبعها بطلاق؟ فقال : « تبين منه » إلى أن قال : فقلت : إنّه قد روي لنا أنّها لا تبين منه حتى يتبعها بطلاق ، قال : « ليس ذلك إذا خَلَعَ » (٢) بفتح الثلاثة ، كما ضبطه بعض مشايخنا (٣) ، ويكون « إذا » حينئذٍ شرطيّة.

ولعلّ المراد أنّه ليس الحكم الذي ذكره السائل من عدم البينونة إلاّ بالاتباع بالطلاق في صورة ما إذا خلع ، بل يختصّ ذلك بغيرها كالمباراة ؛ لاشتراطه فيها ، كما عليه أكثر أصحابنا ، وسيأتي الكلام فيه (٤) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ٢١٤.

(٢) الكافي ٦ : ١٤٣ / ٧ ، التهذيب ٨ : ٩٨ / ٣٣٢ ، الإستبصار ٣ : ٣١٨ / ١١٣٢ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٦ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٩.

(٣) انظر المسالك ٢ : ٥٩.

(٤) في ص ٣٦٨.

٣٥٤

وأمّا إذا خلع فلا يشترط ، بل يحصل البينونة بمجرده ، ولذا سأل الراوي بعد ذلك : فقلت : تبين منه؟ قال : « نعم ».

وهذه النسخة أجود النسخ من قراءة الخلع بسكون اللام وضمّ العين ، أو خلعاً بفتحها ، ليكون خبر ليس ؛ لما فيها من الدلالة حينئذٍ على اشتراط الخلع بعدم الاتباع بالطلاق ، ولا قائل به ، بل مثله خلع ، بل وأحسنه ، إجماعاً ، بل ولو تجرّد عن لفظ الخلع واكتفى بلفظ الطلاق لكان خلعاً أيضاً بلا خلاف ، بل قيل : إجماعاً (١) ، كما مضى ، مع ما في الاولى من النسختين من حزازة بحسب العربية.

وكيف كان فالرواية كغيرها من المعتبرة الكثيرة في المطلوب صريحة ، وبالشهرة العظيمة والأعدليّة والكثرة وحكاية الإجماع المزبورة معتضدة ، بها تكون غالبة على بعض الروايات ، وإن كان معتبراً بوجود المجمع على تصحيح رواياته في سنده فلا يضرّ ضعفه ، وفيه : « المختلعة يتبعها بالطلاق ما دامت في العدة » (٢).

وهي مع ذلك متضمنة لما لا يقول به أحد من الطائفة ؛ لاتفاقهم في الظاهر على اعتبار وقوع الطلاق بعد تلك الصيغة بلا فاصلة ، وما هذا شأنه يجب طرحه ، ولم يبق لها من المرجّحات عدا المخالفة للعامة ، وهي أحد المرجّحات المنصوصة ، وما قدّمناه أكثرها ، كيف لا؟! وكما أمرونا بالأخذ بما خالفهم أمرونا بالأخذ بالأعدل والمشتهر ، ويترجّحان على السابق عدداً واعتباراً ولو كان كلّ عن الآخر منفرداً ، فضلاً أن يكون مع الآخر مجتمعاً ، مع ما هما عليه هنا من كثرة العدد ، والاعتضاد بالإجماع المحكي.

__________________

(١) في ص ٣٥١.

(٢) التهذيب ٨ : ٩٧ / ٣٢٩ ، الإستبصار ٣ : ٣١٧ / ١١٢٩ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٥ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٥.

٣٥٥

فخلاف الشيخ (١) العامل به ضعيف ، وإن اعتضد بفتوى جماعة من قدماء الرواة (٢) ، لكنّهم فاسدوا المذهب ، معارض فتواهم بفتوى أجلّ الرواة القدماء ، وهو جميل ، كما في الكافي محكي (٣).

وقول المصنف : ( وقال الشيخ : لا ) يقع ( حتى يتبع بالطلاق ) من دون ردٍّ له ولسابقه مشعر بالتردّد ، ونحوه الشرائع والقواعد (٤) ، وليس في محلّه ، وإن كان أحوط ؛ للأصل.

( ولو تجرّد كان طلاقاً عند المرتضى ) (٥) وعليه أكثر أصحابنا المتأخّرين والقدماء ، وهو أظهر ؛ للصحاح المستفيضة ، منها : « خلعها طلاقها » (٦).

ومنها : « إذا قالت المرأة لزوجها ذلك حلّ له ما أخذ منها ، وكانت عنده على تطليقتين » (٧).

ومنها : « وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها » (٨).

__________________

(١) التهذيب ٨ : ٩٧ ، الإستبصار ٣ : ٣١٧.

(٢) حكاه في الكافي ٦ : ١٤١ / ٩ ، عن جعفر بن سماعة ، وفي التهذيب ٨ : ٩٧ عن جعفر بن سماعة والحسن بن سماعة وعلي بن رباط وابن حذيفة ، وهكذا في الاستبصار ٣ : ٣١٧.

(٣) الكافي ٦ : ١٤١ / ٩.

(٤) الشرائع ٣ : ٤٩ ، القواعد ٢ : ٧٧.

(٥) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ٢١٤.

(٦) الفقيه ٣ : ٣٣٨ / ١٦٣١ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٥ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٤.

(٧) الكافي ٦ : ١٣٩ / ١ ، التهذيب ٨ : ٩٥ / ٣٢٢ ، الإستبصار ٣ : ٣١٥ / ١١٢١ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٤ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٢.

(٨) الكافي ٦ : ١٤٠ / ٣ ، التهذيب ٨ : ٩٥ / ٣٢٤ ، الإستبصار ٣ : ٣١٥ / ١١٢٣ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٤ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٣.

٣٥٦

ومنها : « الخلع والمباراة تطليقة بائن ، وهو خاطب من الخطّاب » (١).

( وفسخاً عند الشيخ ) (٢) ( ، لو قال بوقوعه مجرّداً ) لوجوه مدخولة : هي مع ذلك اجتهاد صرف في مقابلة النصوص المعتبرة التي هي مع ذلك مستفيضة ، وبالشهرة العظيمة معتضدة.

ومظهر الثمرة عدّه من الطلقات الثلاث المحرّمة ، فيعدّ منها على الأوّل ولا على الثاني ، وصرّح بهذا بعض الصحاح المتقدّمة.

( وما صحّ أن يكون مهراً صحّ ) أن يكون ( فدية في الخلع ) إجماعاً ؛ للآية (٣) والنصوص (٤) ، إطلاقاً وعموماً.

( و ) يستفاد منها من جهة أنّه ( لا تقدير فيه ) أي في المجعول فدية في طرفي النقصان والزيادة بعد أن يكون متموّلاً ( بل يجوز أن يأخذ منها ) ما تبذله برضاها ولو كان ( زائداً ممّا وصل إليها منه ) مضافاً إلى الأصل ، والإجماع ، والنص الصحيح في المبارأة : « يؤخذ منها دون الصداق ، والمختلعة يؤخذ منها ما شئت ، وما تراضيا عليه من صداق قلّ أو كثر ، وإنّما صارت المبارئة يؤخذ منها دون المهر ، والمختلعة يؤخذ منها ما شاء ؛ لأنّ المختلعة تعتدي في الكلام » (٥) ونحوه غيره من المعتبرة (٦).

__________________

(١) الكافي ٦ : ١٤١ / ٧ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٩ أبواب الخلع والمباراة ب ٥ ح ٢.

(٢) الخلاف ٤ : ٤٢٢ ٤٢٤.

(٣) البقرة : ٢٢٩.

(٤) الوسائل ٢٢ : ٢٨٧ أبواب الخلع والمباراة ب ٤.

(٥) الكافي ٦ : ١٤٢ / ٢ ، التهذيب ٨ : ١٠١ / ٣٤٠ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٧ أبواب الخلع والمباراة ب ٤ ح ١.

(٦) الوسائل ٢٢ : ٢٨٧ أبواب الخلع والمباراة ب ٤.

٣٥٧

( و ) حيث إنّ الخلع معاوضة ( لا بدّ ) فيه ( من تعيين الفدية وصفاً ) يحصل به التعيين ، سواء كانت عيناً شخصيّة أو كلّية ( أو إشارة ) كهذا الثوب ، وهذا العبد ، وهذه الصبرة من الحنطة مثلاً ، بلا خلافٍ في الظاهر ؛ دفعاً للغرر ، واقتصاراً في الخلع المخالف للأصل على القدر المتيقّن بالإجماع والنصّ ، وليس فيه سوى ما يقع عليه التراضي ، ولا يكون في الأغلب إلاّ مع التعيين بأحد الأمرين.

وإطلاق العبارة كغيرها يقتضي أنّه لا يعتبر في الوصف كونه رافعاً للجهالة ، بل يكفي عنه ما يحصل به التعيين ، وعلى هذا فلو بذلت ما لها في ذمّته من المهر جاز وإن لم يعلما قدره ؛ لتعيّنه في نفسه ، وإن لم يكن معلوماً لهما.

واعتبر الماتن في الشرائع (١) في الغائب ذكر جنسه ووصفه وقدره ، مع أنّه اكتفى في الحاضر بالمشاهدة ، وإن لم يكن معلوم القدر.

وهو أحوط ، وإن كان في وجه الفرق نظر.

ويتفرّع على هذا الشرط فساد الخلع لو وقع على ألف غير معيّن بأحد ما مرّ ، وهو إجماع مع عدم قصدهما أو أحدهما إلى معيّن ، ومحتمل على قول معه أيضاً.

خلافاً للأكثر ، فيصح حينئذٍ ، وعلّل بأنّ المقصود أن يكون العوض معلوماً عند المتعاقدين ، فإذا توافقا على شي‌ء بالنيّة كان كما لو توافقا بالنظر.

__________________

(١) الشرائع ٣ : ٥٠.

٣٥٨

وهو أظهر ؛ لعموم النص بصحّة الخلع مع التراضي بالفدية ، وما نحن فيه من أفرادها الّتي يقع عليها التراضي بالنيّة ، إلاّ أنّ الأحوط : الأوّل.

و‌ ( أمّا الشرائط : فيعتبر في الخالع البلوغ ، وكمال العقل ، والاختيار ، والقصد ) فلا خلع لفاقد أحد الأوصاف إجماعاً ، حتى من القائل بكونه فسخاً ؛ لعموم الأدلّة على عدم الاعتبار بالعقود والإيقاعات الصادرة من فاقد الأوصاف المزبورة ، ويزيد عليها على المختار : من أنّها طلاق ، في الدلالة على اعتبار الأوصاف في الخالع ما دلّ على اعتبارها في الطلاق.

( و ) يستفاد منه شرطه ( في المختلعة ) إذا كان خلعها ( مع الدخول ) بها ، وهو : ( الطهر الذي لم يجامعها فيه ، إذا كان زوجها حاضراً ، وكان مثلها تحيض ) مع أنّه إجماع أيضاً ؛ لعموم النصوص المستفيضة ، منها الصحيح : « لا طلاق ، ولا خلع ، ولا مباراة ، إلاّ على طهر من غير جماع » (١).

والصحيح : عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشاهدين على طهر من غير جماع ، هل تبين منه؟ فقال : « إذا كان ذلك على ما ذكرت فنعم » (٢).

( و ) من الشرائط في المختلعة ( أن تكون الكراهة منها خاصة صريحاً ) بإجماع الطائفة ، والصحاح المستفيضة ، منها الصحيح : « المختلعة لا يحلّ خلعها حتى تقول لزوجها : والله لا أبرّ لك قسماً ، ولا أطيع لك أمراً ، ولا أغتسل لك من جنابة ، ولأُوطئنّ فراشك ، ولأُوذننّ عليك بغير‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ١٤٣ / ١٠ ، الوسائل ٢٢ : ٢٩١ أبواب الخلع والمباراة ب ٦ ح ٣.

(٢) الكافي ٦ : ١٤٣ / ٧ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٦ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٩.

٣٥٩

إذنك ، وقد كان الناس يرخّصون فيما دون هذا ، وإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها ، وكانت عنده على تطليقتين باقيتين ، وكان الخلع تطليقة » قال : « ويكون الكلام من عندها » (١) يعني من غير أن تعلّم.

ويستفاد منه كغيره عدم الاكتفاء بكراهتها ، بل لا بدّ من الوصُول إلى هذا الحدّ الذي فيها ، وهو تعدّيها في الكلام بما يدل على خوف وقوعها مع عدم الطلاق في الحرام ، وهو ظاهر الآية ( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) (٢) ١. وبمضمونها أفتى الشيخ (٣) وغيره (٤) ، حتى قال الحلّي في السرائر : إنّ إجماع أصحابنا منعقد على أنّه لا يجوز الخلع إلاّ بعد أن يسمع منها ما لا يحلّ ذكره ، من قولها : لا أغتسل لك من جنابة ، ولا أُقيم لك حدّا ، ولأُوطئنّ فراشك من تكرهه ، أو يعلم ذلك منها فعلاً (٥). ونحوه في الخلاف. وهو أحوط ، بل أولى وأظهر.

خلافاً لإطلاق العبارة والأكثر ، فالكراهة المطلقة.

ولا وجه له ؛ لما عرفت من النصوص التي هي في خلافه ظاهرة ، بل ربما دلّ بعضها على أنّ الاكتفاء بأقلّ من ذلك قول العامّة ، وربما أشعر أكثرها على اعتبار عبارات مخصوصة وألفاظ فيها مرسومة ، إلاّ أنّ إطلاق الآية وإجماع الطائفة مع اختلاف تلك الألفاظ المرسومة قرينة واضحة على‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ١٣٩ / ١ ، التهذيب ٨ : ٩٥ / ٣٢٢ ، الوسائل ٢٢ : ٢٨٤ أبواب الخلع والمباراة ب ٣ ح ٢.

(٢) البقرة : ٢٢٩.

(٣) النهاية : ٥٢٩ ، الخلاف ٤ : ٤٢٢.

(٤) انظر الجامع للشرائع : ٤٧٥ ، والوسيلة : ٣٣١ ، والكافي في الفقه : ٣٠٧.

(٥) السرائر ٢ : ٧٢٤.

٣٦٠