القرآن في الاسلام

السيد محمد حسين الطباطبائي

القرآن في الاسلام

المؤلف:

السيد محمد حسين الطباطبائي

المحقق: المترجم: السيد احمد الحسيني
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: سازمان تبليغات اسلامى
نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي الكريم ، محمد الذي انزل عليه القرآن العظيم ، وعلى آله الغر الميامين ، الهداة الدالين على الصراط القوي.

٣
٤

مقدمة الناشر:

يسر مركز اعلام الذكرى الخامسة لانتصار الثورة الإسلامية في ايران ان يقدم هذا الكتاب راجيا ان يجد فيه القراء رؤية صادقة اصيلة وفكراً اسلامياً نيراً ، داعياً المولى العلي القدير ان يمن على امام الامة الخميني العظيم دام ظله العالي بالرعاية والنصر المؤزر وعلى مسيرتنا الإسلامية بالتقدم المطرد ، وعلى نهضة المسلمين جميعاً بالتوفيق ، لتنال اهدافها العليا وتحكم شريعة الإسلام في الارض.

والله الموفق ...

٥
٦

تقديم

تمتاز بحوث الاستاذ العلامة المغفور له السيد محمد حسين الطباطبائي ودراساته القرآنية ، بانها تستمد قبل كل شيء من القرآن نفسه في معرفة مقاصده واستكشاف مفاهيمه وتبيان معانيه.

ان كثيراً من المفسرين والباحثين في العلوم الإسلامية ـ قديماً وحديثاً ـ لهم مسبقات ذهنية ورواسب فكرية ، جاءتهم من طريق الغور العقلي في المسائل او من التعرف على بعض المدارس الفلسفية والآراء الكلامية او من التعبد بمذاهب عقائدية وفقهية خاصة .. ثم يحاولون بكل ما رزقوا من وسائل علمية في حمل تلك المسبقات والرواسب على الآيات الكريمة والتمحل في صرف مفاهيمها الى ما يرونه من النظريات الخاصة بهم.

اما التفكير في ان يستنطقوا القرآن الكريم قبل ان يحاولوا تطبيق آياته على ما يرتأونه من النظريات والآراء الشخصية ، فهذا شيء لم نجده في كثير من التفاسير والبحوث القرآنية الواصلة الينا.

٧

هذا تفسير يطغى عليه الفكر المعتزلي ، لان مؤلفه من المنتمين الى مدرسة الاعتزال ..

وذاك تفسير ظاهر فيه الفكر الظاهري ، لان المفسر يرى رأي الظاهرية ..

وذلك تفسير بث في مطاويه الفكر الفلسفي البحت ، لانه مدبج بقلم فيلسوف يعتنق آراء الفلاسفة ..

وآخر تفسير اهتم بالمسائل التجريبية المادية ، لان كاتبه يريد ان يتظاهر بالمعرفة التامة في العلوم العصرية.

وهكذا دواليك في حمل الاتجاهات الفكرية والنظرية والفقهية والذوقية ـ في كثير من الاحيان ـ على القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

والعجب من بعض هؤلاء المفسرين والباحثين حيث يقطعون على رأي في آية من الآيات كأنه اصل مسلم لا يقبل اي نقاش ولا يتسرب اليه اي شك او ترديد ، مع انهم ان يمنعوا النظر في آيات اخرى مشابهة لها سيجدون ما يناقض رأيهم ويهدم كل ما بنوه عليه من المعتقدات والآراء. كأن هؤلاء يعيشون مع كل آية وحدها ، حتى من دون التروي في السياق والجو الذي يقرأون فيه تلك الآية ..

* * *

٨

من هذا المنطلق نعرف قيمة ابحاث العلامة الطباطبائي ومدى اهميتها في دراسة القرآن الكريم.

انه لم يتعصب لنظرية خاصة اختمرت في ذهنه ونمت في فكره حتى رسخت فلم يمكنه التخلي عنها ، بل يقرأ الآيات المناسبة لكل موضوع بامعان وترو ليعرف على ماذا تدل وماذا يمكن الاستفادة منها ، ثم تصبح دراسته المعمقة رأيه الخاص من دون التفات الى ما ارتآه من لم يمعن في تفهم الآيات امعانا يليق بالبحث العلمي المجرد.

وليس معنى كلامنا هذا انه لم يدرس بتاتا الآراء والنظريات التفسيرية المختلفة ، بل نريد ان نقول انه لم يتأثر بها الى حد يفرضها على القرآن فرضاً ويذهب بكل جهده في صرف الآيات عن وجوهها الصحيحة الى ما لا تتحملها.

هذا منهج صحيح يتجلى في تفسيره الكبير « الميزان في تفسير القرآن » ، وهذا منهجه ايضا في هذا الكتاب الذي خصه بدراسة بعض مسائل من « علوم القرآن » ، فهو يقول في مقدمته : من هنا نهدف في بحثنا هذا الى التعريف باهمية القرآن الكريم كما يدل عليه هو بنفسه لا كما نعتقده ونتصوره نحن ، وواضح ان بين هذين الموضوعين فروقا كثيرة لمن امعن النظر ».

* * *

٩

واننا حينما قرأنا هذا الكتاب ، وجدناه جديداً في اسلوبه العلمي بالرغم من عدم جديد فيه في فصوله وابحاثه ، فهو اذ يتحدث في موضوع من موضوعاته لا يلجأ الى سرد ما قاله علماء التفسير والباحثون في علوم القرآن ، بل يلجأ الى آيات القرآن ويستنتج النتيجة المطلوبة منها.

ولهذا وجدنا في تعريبه محاولة لاشراك قراء العربية في هذه البحوث المعروضه بأسلوبها الجديد : ونعتقد ان في هذا العلم فائدة كبرى سيلمسها القارىء الكريم عندما يمر على صفحات الكتاب.

والله تعالى هو الهادي الى طريق الحق والصراط المستقيم. قم ـ ايران

السيد احمد الحسيني

١٠

ـ مقدمة المؤلف ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الكتاب الذي بين يدي القارىء الكريم ، يبحث عن اهم مصدر للشريعة الإسلامية وهو القرآن الكريم الدستور الرباني الاول لمعتنقي الإسلام. والموضوع الذي يتناوله في فصوله وابحاثه ، هو « اهمية القرآن » في العالم الإسلامي ، فيتحدث بايجاز عن :

ما هو القرآن؟

ما قيمته لدى المسلمين؟

القرآن كتاب عالمي دائم.

القرآن وحي سماوي وليس من ابداع الفكر البشري.

القرآن والعلوم.

صفات القرآن.

١١

وفي الحقيقة سنتحدث في فصول هذه الرسالة عن كتاب لا يتردد في احترامه وقدسيته ومكانته الكبيرة اي واحد من المسلمين ، مع ما مني به الإسلام ـ كبقية الاديان المشهورة في العالم ـ من الاختلافات الداخلية والتفرق المذهبي وتشتت آراء المتدينين به.

من هنا نهدف في بحثنا هذا التعريف بأهمية القرآن الكريم كما يدل عليه هو بنفسه لا كما نعتقده ونتصوره نحن ، وواضح ان بين هذين الموضوعين فروقاً كثيرة لمن امعن النظر.

وبلغة اجلى : ان الاهمية التي نتصورها نحن ـ كان عليها دليل ام لم يكن ـ لا تخلو من احد امرين لا ثالث لهما : اما ان تكون مناقضة ومخالفة لما في الآيات القرآنية فليس لها قيمة في عالم الحق والحقيقة ، وإما ان تكون مما لم نجد عليه في القرآن دليلاً فلا يمكن اقناع كل المسلمين به لانهم مختلفون فيما بينهم فاذا لا بد من معرفة اهميته من آياته والدلائل الموجودة فيه.

وعليه ، فلا محيص من الاجابة على هذا السؤال : ماذا يقول القرآن في الموضوع؟ لا الاجابة على : ماذا نقول نحن الذين من اتباع مذهب كذا ...

١٢

الفصل الاول

قيمة القرآن لدى المسلمين

* القرآن ، دستور الحياة الافضل

* أهداف الإنسان في أعماله

* القرآن وضع مناهج الحياة للانسان

* القرآن سند النبوة

١٣
١٤

القرآن ، دستور الحياة الافضل

الدين الإسلامي الذي يشتمل على اكمل المناهج للحياة الإنسانية ويحتوي على ما يسوق البشرية الى السعادة والرفاه ، هذا الدين عرفت اسسه وتشريعاته من طريق القرآن الكريم ، وهو ينبوعه الاول ومعينه الذي يترشح منه.

والقوانين الإسلامية التي تتضمن سلسلة من المعارف الاعتقادية والاصول الاخلاقية والعملية ، نجد منابعها الاصيلة في آيات القرآن العظيم.

قال تعالى : ( ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم ) (١).

وقال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) (٢).

وواضح كل الوضوح ان في القرآن كثيراً من الآيات التي نجد فيها اصول العقائد الدينية والفضائل الاخلاقية وكليات القوانين العملية ، ولا نرانا بحاجة الى سرد كل هاتيك الآيات في هذا المجال الذي لا نجد سعة لاطالة القول فيه.

ــــــــــــــــــ

(١) سورة الاسراء : ٩.

(٢) سورة النحل : ٨٩.

١٥

وبشيء من التفصيل نقول : دقة النظر في النقاط التالية توضح لنا مدى اشتمال القرآن الكريم على المناهج الحياتية التي لا بد من توفرها للانسان :

١ ـ لا يهدف الإنسان من حياته الا السعادة والهناء والوصول الى الاماني التي يتمناها. السعادة والهناء لون خاص من الوان الحياة ، يتمناها الإنسان ليدرك في ظلها الحرية والرفاه وسعة العيش وما اشبه هذا.

والذي نراه في حالات شاذة ان اناسا يديرون وجوههم عن السعادة والرغد بما يفعلون بأنفسهم ، كالانتحار وجرح الابدان وبتر الاعضاء وبعض الرياضات الشاقة غير المشروعة بحجة الاعراض عن الدنيا ، وما اشبه هذه الاشياء مما يسبب حرمان النفس عن كثير من وسائل الرفاه والعيش الهانىء .. هكذا انسان مبتلى بعقد نفسية يرى ـ نتيجة لتأصلها في نفسه ـ ان السعادة تتحقق فيما يقوم به من الاعمال المضادة للسعادة.

فمثلاً يصيب البعض انواع من متاعب الحياة ولا يتمكن من حملها فيلجأ الى الانتحار لانه يرى الراحة في الموت ، او يتزهد بعضهم ويجرب انواع الرياضات البدنية ويحرم على نفسه اللذائذ المادية لانه يرى السعادة في هكذا حياة نكدة.

اذاً ، الجهد الذي يبذله الإنسان ليس الا لدرك تلك السعادة المنشودة التي يسعى في تحقيقها ونيلها.

١٦

نعم ، تختلف الطرق المتبعة للوصول الى الهدف المذكور ، فبعضهم يسلك السبيل المعقول الذي تقره الإنسانية وتجوزه الشريعة ، وبعضهم يخطأ المسالك الصحيحة فيقع في متاهات الضلال والانحراف عن صراط الحق.

٢ ـ الاعمال التي تصدر من الإنسان لا تكون الا في اطار خاص من الانظمة والقوانين. هذا بديهي لا يقبل الانكار ، ولو ذلك في بعض الحالات فليس الا لشدة الوضوح والظهور.

ذلك لان الإنسان الذي له نصيب من العقل لا يعمل شيئا الا بعد ان يريده ، فعمله صادر عن ارداة نفسية يعملها هو ولا تخفى عليه. ومن جهة اخرى انما يعمل ما يعمل لاجل نفسه ، ونعني انه يحس بضرورات حياتية لا بد من توفرها ، فيعمل ليوفر تلك الضرورات على نفسه. فبين اعماله كلها ربط وثيق يربط بعضها ببعض.

ان الاكل والشرب والنوم واليقظة والجلوس والقيام والذهاب والمجيء .. هذه الاعمال وغيرها من الاعمال الكثيرة التي تصدر من الإنسان ، هي ضرورية له في بعض الحالات وغير ضرورية في حالات اخرى ، نافعة له حيناً وتضره في احيان اخرى. فكل ما يعلمه الإنسان نابع من قانون يدرك كلياته في نفسه ويطبق جزئياته على اعماله وافعاله.

١٧

ان اي شخص في اعماله الفردية يشبه حكومة كاملة لها قوانيها وسننها آدابها ، والقوى الفعالة في تلك الحكومة عليها ان تقيس اعمالها مع تلك القوانين اولاً ثم تعمل.

والاعمال الاجتماعية الجارية في مجتمع ما تشبه الاعمال الفردية ، فتحكم فيها مجموعة من القوانين والآداب التي تواضع عليها اكثر افراد ذلك المجتمع ، والا فسوف يسود الفوضى في اقرب وقت وينفصم عراهم الاجتماعي.

نعم تختلف صبغة المجتمعات في قوانينها السارية فيها والحاكمة عليها ، فلو كان المجتمع مذهبيا جرت فيه احكام المذاهب وقوانينه ، ولو كان غير مذهبي الا انه يتمتع بالمدنية اخذت افعاله لون القانون المدني ، اما اذا كان المجتمع متوحشا ليس له نصيب من المدنية حكمت عليه الآداب والقوانين الفردية المستبدة او القوانين التي وجدت من جراء احتكاك مختلف العقائد والآداب بصورة فوضى غير منظمة.

فاذاً ، لا بد للانسان من هدف خاص في افعاله الفردية والاجتماعية ، للوصول الى ذلك الهدف المنشود لا محيص فيه من تطبيق اعماله بقوانين وآداب خاصة موضوعة من قبل دين او مجتمع او غيرهما.

والقرآن الكريم نفسه يؤيد هذه النظرية حيث يقول : ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) (١).

ــــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة : ١٤٨.

١٨

والدين في عرف القرآن يطلق على الآداب والقوانين بصورة عامة ، فان المؤمنين والكافرين ـ وحتى المنكرين لله تعالى ـ لا يخلون من دين ما ، لان كل انسان يتبع قوانين خاصة في اعماله ، كانت تلك القوانين مستندة الى نبي ووحي او موضوعة من قبل شخص او جماعة ما ، يقول تعالى في اعداء الدين : ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ) (١).

٣ ـ ان احسن واثبت الآداب التي يليق بالإنسان متابعتها هي الآداب التي توحيها اليه الفطرة السليمة ، لا النابعة من العواطف والاندفاعات الفردية او الاجتماعية.

ولو امعنا النظر في كل جزء من اجزاء الكون ، نرى ان له هدفا خاصا وجهته من اول يوم خلقته تحقيق ذلك الهدف من اقرب الطرق واحسنها ، وهو يشتمل على ما لا بد منه لتحقيق هدفه من الوسائل والالات. هذا شأن كل مخلوق في الكون ذي روح ام غير ذي روح.

مثلاً حبة الحنطة من اول يوم توضع في بطن الارض

ــــــــــــــــــ

(١) سورة الاعراف : ٤٥. وجه دلالة الآية الكريمة على ما قلناه ان جملة « سبيل الله » تطلق في عرف القرآن على الدين ، والآية تدل على ان الكافرين بما فيهم المنكرين لله تعالى ـ يحرفون دين الله ( دين الفطرة ) ، فالآداب التي يتبعونها في حياتهم هي دينهم.

١٩

تسير في طريق التكامل فتخضر وتنمو حتى تكون لها سنابل تحمل طياتها حبات كثيرة من الحنطة ، وهي مجهزة بوسائل خاصة تستفيد بواسطتها من العناصر التي لا بد من توفرها في سيرها التكاملي ، فتجذب الى نفسها من اجزاء الارض والهواء وغيرهما بنسب معلومة ، فتنشق عنها الارض وتخضر وتنمو يوماً فيوماً وتتحول من شكل الى آخر حتى يكون لها سنابل في كل سنبلة حبات ، وحينئذ تكون الحبة الاولى المزروعة في الارض قد وصلت الى هدفها المنشود وكمالها الذي كانت تسير نحوه.

وهكذا شجرة الجوز لو دققنا النظر فيها لنرى انها تسير ايضاً نحو هدف خاص من اول خلقتها ، وللوصول الى ذلك الهدف جهزت بآلات خاصة تناسب سيرها التكاملي وقوتها وضخامتها ، وهي في مسيرتها لا تتبع الطريقة التي اتبعتها الحنطة ، كما ان الحنطة في مدارجها التكاملية لم تسر سير الجوزة ، ولكل منهما تطوره الخاص به لا يتعداه في طول الخط.

ان جميع ما نشاهده في الكون يتبع هذه القاعدة المطردة ، وليس لدينا دليل ثابت على ان الإنسان شاذ عنها في مسيرته الطبيعية الى هدفه الذي جهز بآلالات اللازمة للوصول اليه. بل الاجهزة المودعة فيه احسن دليل على انه

٢٠