أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ١

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ١

المؤلف:

جواد شبّر

المحقق: المترجم:
الموضوع : الشعر والأدب الناشر: دار المرتضى
نسخة غير مصححة

٤ ـ الكميت الأسدي :

ومن اكبر الأحداث كانت مصيبة

علينا قتيلُ الادعياء الملحّبُ (١)

قتيل بجنب الطف من آل هاشم

فيالك لحماً ليس عنه مذبب

ومنعفر الخدين من آل هاشم

ألا حبّذا ذاك الجبين المتّرب

ومَن عجب لم أقضه أن خيلهم

لأجوافها تحت العجاجة أزمل (٢)

هَماهم بالمستلئمين عوابس

كحدآن يوم الدّجن تعلو وتسفل

يحلئن عن ماء الفرات وظله

حسيناً ولم يشهر عليهن منصل

كأنَّ حسينا والبهاليل حوله

لأسيافهم ما يختلي المتقبِّل

يخضن به من آل أحمد في الوغى

دما طل منهم كالبهيم المحجِّل

وغاب نبي الله عنهم وفقده

على الناس رزء ما هنالك مجلل

فلم أر مخذولا أجلَّ مصيبة

وأوجب منه نصرة حين يخذل

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم

فيا آخر أسدى له الغيَّ أول

__________________

١ ـ الملحب : المقطع بالسيف. والأدعياء جمع دعي وهو عبيد الله بن زياد بن سمية نسب الى امه اذ لم يعرف له اب.

٢ ـ الصوت المختلط والصوت من الصدر.

١٨١

تهافت ذُبّان المطامع حوله

فريقان شتى ذو سلاح وأعزل

إذا شرَعت فيه الأسنة كبّرت

غواتهم من كل أوبِ وهللوا

فما ظفر المجرى إليهم برأسه

ولا عذل الباكي عليه الموَلوِلُ

فلم أر موتورين أهل بصيرةِ

وحق لهم أيد صحاح وأرجل

كشيعته ، والحرب قد ثفيت لهم

أمامهم قدر تخيش ومرجل (١)

فريقان : هذا راكب في عداوة

وباك على خذلانه الحق معول

فما نفع المستأخرين نكيصهم

ولا ضرّ أهل السابقات التعجُّل

__________________

١ ـ ثفيت : افيم لها الا ثافي.

١٨٢

الشاعر :

ابو المستهل الكميت بن زيد الاسدي المولود سنة ٦٠ والمتوفى سنة ١٢٦ هـ. قال أبو الفرج : شاعر مقدم عالم بلغات العرب ، خبير بأيامها من شعراء مضر وألسنتها والمتعصبين على القحطانية المقارنين المقارعين لشعرائهم ، وكان في أيام بني امية ولم يدرك الدولة العباسية ومات قبلها ، وكان معروفاً بالتشيع لبني هاشم مشهوراً بذلك.

سئل معاذ الهراء : من أشعر الناس؟ قال : أمن الجاهليين أم الاسلاميين؟ قالوا : بل من الجاهليين. قال : امرؤ القيس وزهير وعبيد بن الابرص. قالوا : فمن الإسلاميين قال : الفرزدق وجرير والاخطل والراعي ، قال فقيل له : يا أبا محمد ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت ، قال : ذاك أشعر الاولين والآخرين.

قال صاعد مولى الكميت دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما‌السلام فأنشده الكميت :

مَن لقلب ميتم مستهام

غير ما صبوةٍ ولا احلامٍ

بل هواي الذي أُجنُّ وأبدي

لبني هاشم أجلّ الانامٍ

فأنصت له عليه‌السلام فلما بلغ الى قوله :

أخلص الله هواي فما أغرق

نَزعاً ولا تطيش سهامي (١)

قال له الباقر عليه‌السلام قل ( فقد أُغرق نَزعاً ولا تطيش سهامي ).

__________________

١ ـ النزع : جذب الوتر بالسهم ، والاغراق نزعا المبالغة في ذلك. وأغرق النازع في القوس مثل يضرب للغلو والافراط. فقوله ( فما اغرق نزعا ) ، لا يناسب المقام اذ يكون معناه اني لا ابالغ في المحبة ، والمناسب المبالغة فيها فلذلك غيره الامام عليه‌السلام بقوله. فقد اغرق نزعاً.

١٨٣

فقال : يا مولاي انت أشعر مني بهذا المعنى ، وعرض عليه مالا فلم يقبل. وقال والله ماقلت فيكم شيئا أريد به عرض الدنيا ولا أقبل عليه عوضاً اذا كان لله ورسوله ، قال (ع) فلك ما قال رسول الله (ص) لحسان : لا زلت مؤيداً بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت قال جعلني الله فداك. ثم لم يبق من أهل البيت الا من حمل اليه شيئاً فلم يقبل منهم ، وفي رواية أنه قال : ولكن تكرمني بقميص من قمصك فأعطاه ، ودخل يوماً على الامام فأنشده :

ذهب الذين يُعاش في أكنافهم

لم يبق الا شامت أو حاسدُ

وبقى على ظهر البسيطة واحد

فهو المراد وأنت ذاك الواحد

وقال بعضهم كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر ، كان خطيب اسد وفقيه الشيعة وحافظ القرآن وثبت الجنان وكان كاتباً حسن الخط وكان نسابة وكان جدلاً وهو اول من ناظر في التشيع وكان رامياً لم يكن في اسد أرمى منه وكان فارساً وكان سخياً دينّاً اخرجه ابن عساكر وقال ولد الكميت سنة ستين ومات سنة ست وعشرين ومائة. قال صاحب خزانة الأدب قال بعضهم كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر ، كان خطيب اسد ، فقيه الشيعة ، حافظ القرآن ، ثبت الجنان ، كاتباً حسن الخط ، نسابة ، جدلا وهو اول من ناظر في التشيع ، رامياً لم يكن في أسد أرمى منه ، فارساً شجاعاً ، سخياً ديّناً.

والكميت اول من احتج في شعره على المذهب الحجج القوية الكثيرة حتى زعم الجاحظ أنه اول من دل الشيعة على طرق الاحتجاج وموقفه بوجه الامويين بتلك العصور الجائرة والطغاة المستهترة يعطينا أقوى البراهين على تصلبه في مبدأه وصراحته في عقيدته وتفاديه لآل

١٨٤

الرسول صلوات الله عليهم ، قال المرزباني في معجم الشعراء : والكميت ابن زيد مكثر جدا وكان يتعمل لإدخال الغريب في شعره ، وله في أهل البيت الأشعار المشهورة وهي أجود شعره.

ورى ابو الفرج في الأغاني ١٥ باسناده عن محمد بن علي النوفلي قال سمعت ابي يقول : لما قال الكميت بن زيد الشعر وكان اول ما قال ( الهاشميات ) فسترها ثم أتى الفرزدق بن غالب فقال له : يا أبا فراس انك شيخ مضر وشاعرها وأنا ابن اخيك الكميت بن زيد الأسدي قال له : صدقت انت ابن اخي فما حاجتك قال نفث على لساني فقلت شعراً فأحببت أن أعرضه عليك فإن كان حسناً أمرتني باذاعته وإن كان قبيحا امرتني بستره وكنتَ اول من ستره علي فقال له الفرزدق أما عقلك فحسن واني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك فأنشدني ما قلت فأنشده :

طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب

قال فقال لي : فيم تطربت يا ابن اخي.

فقال :

ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب

قال بلى يابن أخي فالعب فإنك في أوان اللعب فقال :

ولم يلهني دار ولا رسم منزل

ولم يتطرّبني بناتُ مخضَّب

فقال ما يطربك يابن أخي فقال :

ولا السانحات البارحات عشية

أمرّ سليم القرن أم مرّ اعضب

فقال : اجل لا تتطير فقال :

ولكن الى اهل الفضائل والتقى

وخير بني حوّاء والخيرُ يطلب

١٨٥

فقال : ومن هؤلاء ويحك قال :

الى النفر البيض الذين بحبّهم

الى الله فيما نابني أتقرب

قال أرحني ويحك من هؤلاء قال :

بني هاشم رهط النبي فانني

بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب

خفضت لهم مني جناحي مودة

الى كنف عطفاه أهل ومرحب

وكنت لهم من هؤلاء وهؤلا

مجناً على أني أذم وأغضب

وأرمي وأرمي بالعداوة أهلها

واني لأوذي فيهم وأؤنب

يعيّرني جهال قومي بحبهم

وبغضهم ادنى لعار وأعطبُ

فقل للذي في ظلّ عمياء جونة

يرى العدل جوراً لا الى اين يذهبُ

بأيّ كتاب أم بأية سنة

ترى حبّهم عاراً عليك وتحسب

ستقرعُ منها سنّ خزيان نادم

إذا اليوم ضم الناكثين العصبصب

فمالي الاال أحمد شيعة

ومالي الا مذهب الحق مذهبُ

فقال له الفرزدق : يابن أخي والله لو جزتهم الى سواهم لذهب قولك باطلاً ، ثم قال له : يابن اخي أذع ثم أذع فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي.

ومن هذه القصيدة :

وأحمل أحقاد الأقارب فيكم

وينصب لي في الأبعدين فأنصبُ

بخاتمكم غصباً تجوز امورهم

فلم أر غصباً مثله يتغصّب

وقالوا ورثناها أبانا وامنا

ومآ ورثتهم ذاك أم ولا أب

يرون لهم حقاً على الناس واجباً

سفاها وحقُ الهاشميين اوجب

١٨٦

ومنها :

يشيرون بالأيدي اليّ وقولهم

ألا خابَ هذا والمشيرون أخيب

فطائفة قد كفرتني بحبكم

وطائفة قالوا مسيء ومذنبُ

فما ساءني تكفير هاتيك منهم

ولا عيب هاتيك التي هي أعيب

وقالوا ترابي هواهُ ودينه

بذلك أدعى فيهم وأُلّقب

ومنها :

فيا موقداً ناراُ لغيرك ضوئها

ويا حاطباً في غير حبلك تحطب

ألم ترني من حبّ آل محمد (ص)

أروح وأغدو خائفاً اترقب

على أيّ جرم ام بأية سيرة

اعنّف في تقريظهم وأؤنب

اناسُ بهم عزّت قريش فأصبحوا

وفيهم خباء المكرمات المطنّبُ

خضمون أشراف لها ميم سادة

مطاعيم ايسارُ اذا الناس أجدبوا

ومنها في الحسين (ع) :

قتيل بجنب الطف من آل هاشم

فيالك لحماً ليس عنهُ مذببُ

ومنعفرُ الخدين من آلِ هاشم

ألا حبذا ذاك الجبينُ المتّرب

قال البغدادي في خزانة الادب ج ١ ص ٨٧ : بلغ خالد بن عبد الله القسري خبر قصيدة الكميت المسماة بالمذهبة والتي اولها :

ألا حييتَ عنا يا مدينا

وهل ناس تقوى مسلمينا

ويستثير فيها العدنانية على القحطانية ـ اليمانية ومنها :

لنا قمر السماء وكل نجم

تشير اليه أيدي المهتدينا

١٨٧

وجدت الله اذ سمى نزاراً

وأسكنهم بمكة قاطنينا

لنا جعل المكارم خالصات

وللناس القفا ولنا الجبينا

قال : وكان خالد من عرب اليمن فقال : والله لاقتلنه ، ثم اشترى ثلاثين جارية في نهاية الحسن فراواهن قصائد الكميت ـ الهاشمياتِ ودسهن مع نخاس الى هشام بن عبد الملك فاشتراهن فأنشدنه يوماً القصائد المذكورة ، فقال لهن هشام : من القائل لهذا الشعر ، قلن الكميت بن الزيد الاسدي قال : وفي اي بلد هو ، قلن الكوفة فكتب في الحال الىّ خالد بن عبد الله القسري ان ابعث الي برأس الكميت فأخذه خالد وحبسه فوجَّه الكميت الى امرأته ( حُبي ) ولبس ثيابها وخرج من الحبس فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة فأجتمعت بنو اسد اليه وقالوا : لاسبيل لك على امرأة خدعها زوجها فخافهم وخلى سبيلها. وبقي الكميت خائفا متخفيا في البادية سنة ثم خرج ليلاً في جماعة من بني اسد على خوف ووجل وساروا حتى دخلوا الشام ، فتوارى الكميت في بني اسد وبني تميم فاجتمع عدة منهم ودخلوا على عنبسة بن سعيد بن العاص ـ وكان سيد قريش يومئذ ـ وقالوا : يا ابا خالد هذه مكرمة ادخرها الله لك ، هذا الكميت بن زيد لسان مضر جاء اليك لتخلصه من القتل ، فقال لهم : دعوه يضرب خيمه على قبر معاوية بن هشام فمضى الكميت فضرب فسطاطاً عند قبره ، ودخل عنبسة على مسلمة بن هشام وقال : يا ابا شاكر مكرمة اتيتك بها تبلغ الثريا فان كنت ترى انك تفي بها والا كتمتها ، قال مسلمة وما هي فاخبره الخبر ، فقام ودخل على ابيه هشام وهو عند امه في غير وقت دخوله ، فقال هشام : اجئت في حاجة قال نعم قال هي مقضية إلا ان يكون الكميت ، فقال ما أحب ان يستثني عليّ في حاجتي وما أنا والكميت ، فقالت امّه : والله لتقضين حاجته كائنة ما كانت ، قال : قد قضيتها قال حاجتي هي الكميت يا أمير المؤمنين

١٨٨

وهو آمن بأمان الله وأمان امير المؤمنين وهو شاعر مضر وقد قال فينا قولا لم يقبل مثله ، قال هشام : قد أمنته واجزت أمانك له فعقد له مجلساً فانشد الكميت قصيدة ارتجلها واولها : قف بالديار وقوف زائر.

روى ابو الفرج عن ورد بن زيد ـ اخي الكميت ـ قال : ارسلني الكميت الى ابي جعفر عليه‌السلام ، فقلت له : ان الكميت ارسلني اليك وقد صنع بنفسه ما صنع فتأذن له ان يمدح بني امية ، قال : نعم هو في حلّ فليقل ما شاء ، فنظم هذه القصيدة :

قف بالديار وقوف زائر

وتاي إنك غير صابر

مآذا عليك من الوقو

فِ بهامِد الطللين دائر

ومنها :

فالآن صرت إلى امية

والامور إلى المصائر

ومن غرو قصائد الكميت قصيدته العينية واولها :

تفى عن عينك الارقُ الهجوعا

وهُم يمتري منها الدموعا

ومنها :

لدى الرحمن يشفع بالمثاني

فكان له ابو حسن شفيعا

ويوم الدوحِ دوحِ غدير خُمٍ

أبان له الولايةَ لوٍ أطيعا

ولكن الرجالَ تبايعوها

فلم أرَ مثلها خطراً منيعا

ومنها :

فقل لبني أُمية حيثُ كانوا

وإن خفت المهنّد والقطيعا

اجاعَ الله من اشبعتموه

واشبع من بجوركم أُجيعا

بمرضيَّ السياسة هاشميّ

يكون حياً لامته ربيعا

١٨٩

ومن شعر الكميت الاسدي قوله :

من لقلب متيم مستهام

غَير ما صبوةٍ ولا أحلام

بل هوايً الذي اُجن وابدي

لبني هاشم أجلِ الانام

للقريبين من ندى والبعيدين

من الجور في عرى الاَحكام

والمصيبين بابَ ما اخطأ الناسُ

ومرسي قواعد الاسلام

والحماة الكفاة في الحرب إن لفّ

ضرام وقوده بضِرام

والغيوث الذين إن امحل الناسُ

فمآوى حواضن الايتام

راجحي الوزن كاملي العدل في

السيرة طبين بالأمور العظام

فضلوا الناس في الحديث حديثاً

وقديمآ في أولَّ القُدّام

أبطحيين أريحيين كالأنجم

ذات الرجوم والاعلام

واذا الحرب أومضت بسنا

الحرب وسار الهمام نحو الهمام

فهم الاسد في الوغى لا اللواتي

بين خيس العرين والآجام (١)

أُسد حربٍ غيوث جدب بها ليلَ

مقاويل غير ما أفدام (٢)

ومحلون محرمون مقرّون

لحل قراره وحرام

ساسةُ لاكمن يرى رعية الناس

سواءً ورعية الانعام

لا كعبد المليك أو كوليدٍ

أو سليمان بعد أو كهشام

ومنها في الامام :

ووصي الوصي ذي الخطة الفصل

ومُردي الخصوم يوم الخصام

وقتيل بالطف غودر منه

بين غوغاء أمِة وطغام

__________________

١ ـ الخيس بالكسر : موضع الاسد ، والعرين مأواه

٢ ـ الافدام جمع فدم : هو الذي عنده عي في الكلام مع ثقل ورخاوة

١٩٠

وابو الفضل إن ذكرهم

الحلو شفاء النفوس والاسقام

قتل الادعياء إذ قتلوه

اكرم الشاربين صوب الغمام

ما ابالي ولن ابالي فيهم

ابداً رغم ساخطين رٍغام

فهم شيعتي وقسمي من الأمة

حسبي من سائر الاقسام

ولهت نفسي الطروب اليهم

ولهاً حالَ دون طعم الطعام

١٩١

٥ ـ جعفر بن عفان الطائي :

لبيك على الإسلام من كأن باكياً

فقد ضيعت أحكأمه واستحلّت

غداة حسينُ للرمآح دريئة

وقد نهلت منه السيوف وعلّتِ

وغودر في الصحراء لحماً مبدداً

عليه عناف الطير بانت وظلت

فما نصرته أمة السوء إذا دعا

لقد طاشت الأحلام منها وظلت

ألا بل محوا أنوارهم بأكفهم

فلا سلمت تلك الاكف وشلت

وناداهم جهداً بحق محمد

فإن ابنه من نفسه حيث حلت

فما حفظوا قرب الرسول ولارعوا

وزلت بهم أقدامهم واستزلتِ

أذاقته حرّ القتل اُمة جده

هفت نعلها في كربلاء وزلتِ

فلا قدس الرحمن امة جده

وإن هي صاحت للاله وصلتِ

كما فجعت بنت الرسول بنسلها

وكانوا كماة الحرب حين استقلت

١٩٢

ابو عبد الله جعفر بن عفان الطائي كان معاصراً للامام الصادق (ع) توفي في حدود سنة ١٥٠ روى الكشى باسناده عن زيد الشحام قال كنا عند أبي عبد الله ونحن جماعة من الكوفيين فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله (ع) فقربه وادناه ، ثم قال يا جعفر قال لبيك جعلني الله فداك ، قال بلغني أنك تقول الشعر في الحسين (ع) وتجيد فقال له نعم جعلني الله فداك ، قال قل فأنشد فبكى (ع) ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ، ثم قال ، ياجعفر والله لقد شهدت ملائكة الله المقربون ههنا يسمعون قولك في الحسين (ع) ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر ، ولقد اوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعتك الجنة بأسرها وغفر لك ، ثم قال يا جعفر ألا أزيدك قال نعم يا سيدي قال ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وابكى به إلا أوجب الله له الجنة وغفر له.

وفي الخلاصة : ابو عبد الله جعفر بن عفان كان من شعراء الكوفة وكان مكفوفاً ، وله أشعاراً كثيرة في معان مختلفة ، ومن الشيعة المخلصين ذكره علماء الرجال ووثقوه وهو الذي ردّ على مروان بن أبي حفصة حيث يقول :

أنى يكون وليس ذاك بكائنٍِ

لبني البنات وراثةُ ألاعمامِ

فقال جعفر بن عفان :

لم لا يكون وإن ذاك لكائن

لبني البنات وراثة الأعمامِ

للبنت نصف كامل من ماله

والعم متروك بغير سهام

ماللطليق وللتراث وإنما

صلى الطليق مخافة الصمصام (١)

__________________

١ ـ الاغاني ج ٩ ص ٤٥.

١٩٣

ودخل جماعة على الامام الرضا عليه‌السلام فرأوه متغيراً فسألوه عن ذلك قال :

بتّ ليلتي ساهراً متفكراً في قول مروان بن أبي حفصة ، وذكر البيت المتقدم ، قال : ثم نمت فاذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب وهو يقول :

انى يكون وليس ذاك بكأئن

للمشركين دعائم الإسلام

لبني البنات نصيبتهم من جدهم

والعم متروك بغير سهام

ما للطليق وللتراث وإنما

سجد الطليق مخافة الصمصام

قد كان أخبرك القرآن بفضله

فمضى القضاء به من الحكام

ان ابن فاطمة المنوّه باسمه

حاز الوراثة عن بني الأعمام

وبقى ابن نثلة واقفاً متردداً

يبكي ويسعده ذوو الارحام (١)

ومروان سرق المعنى مما قاله مولى لتمام بن معبد بن العباس بن عبد المطلب معرضاً بعبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله (ص) فانه أتى الحسن بن علي عليه‌السلام وقال : أنا مولاك ، وكان قديماً يكتب لعلي ابن ابي طالب (ع) مولى تمام :

جحدت بني العباس حق أبيهم

فما كنت في الدعوى كريم العواقب

متى كان أولاد البنات كوارث

يحوز ويدعى والدا في المناسب (٢)

قال السيد الامين في الجزء الأول في الاعيان : وجعفر بن عفان الطائي صاحب المراثي في الحسين (ع) قال ابن النديم : هو من شعراء الشيعة شعره مائتا ورقة انتهى.

__________________

١ ـ عيون أخبار الرضا.

٢ ـ مقتل الحسين للسيد المقرم عن طبقات ابن المعتز.

١٩٤

وعده المرزباني في شعراء الشيعة وقال : كان من شعراء الكوفة وله اشعار كثيرة في معان مختلفة.

ومن شعره في أهل البيت عليهم‌السلام :

ألا يا عين فابكي الف عام

وزيدي إن قدرتِ على المزيد

اذا ذكر الحسين فلا تملي

وجودى الدهر بالعبرات جودي

فقد بكت الحمائم من شجاها

بكت لأليفها الفرد الوحيد

بكين وما درين وانت تدري

فكيف تهم عينك بالجمود

أتنسى سبط احمد حين يمسي

ويصبح بين أطباق الصعيد

١٩٥

٦ ـ سيف بن عميرة (١) :

قال يرثي الحسين عليه‌السلام أولها :

جلّ المصابُ بمن أُصبنا فاعذري

ياهذه وعن الملام فأقصري

__________________

١ ـ عميرة بالعين المهملة المفتوحة والميم المكسورة والياء المثناة من تحت الساكنة والراء المهملة المفتوحة والهاء وزان سفينة.

١٩٦

جاء في الجزء الثالث من رجال السيد بحر العلوم ص ٣٦ سيف بن عميرة النخعي. عربي كوفي ادرك الطبقة الثالثة والرابعة وروى عن الصادق والكاظم عليهما‌السلام ، وهو احد الثقاة المكثرين والعلماء المصنفين ، له كتاب روى عنه مشاهير الثقاة ، وجماهير الرواة ، كإبراهيم بن هاشم واسماعيل بن مهران ، وايوب بن نوح والحسن بن محبوب والحسن ابن علي بن ابي حمزة والحسن بن يوسف بن بقاح وابنه الحسين ابن سيف وحماد بن عثمان والعباس بن عامر ، وعبد السلام بن سالم ، وعبد الله بن جبلة وعلي بن أسباط وعلي بن حديد وعلي بن الحكم وعلي بن سيف ـ والاكثر عن أخيه عن ابيه ـ وعلي بن النعمان وفضالة بن ايوب ومحمد بن ابي عمير ومحمد بن خالد الطيالسي ومحمد ابن عبد الجبار ومحمد بن عبد الحميد وموسى بن القاسم ويونس بن عبد الرحيم وغيرهم.

وفي غاية المراد : وربما ضعف بعضهم سيفاً ، والصحيح انه ثقة (١) وذكر السيد اقوال العلماء في جلالة سيف وفّند الطعون الواردة وبرهن على عدم صحتها.

وقال السيد الأمين في الأعيان ج ٣٥ ص ٤٢٤ :

سيف بن عميرة بفتح العين المهملة وثقه الشيخ والعلامة بل والنجاشي وقال ابن شهر آشوب أنه واقفي ، وقال المحقق البهبهاني قال جدي : لم تَر من أصحاب الرجال وغيرهم ما يدل على وقفه وكأنه وقع منه سهواً. وله قصيدة في رثاء الحسين (ع) وأولها :

جل المصاب بمن اصبنا فاعذري ... الابيات.

وقال الشيخ المامقاني في ( تنقيح المقال ) :

سيف بن عميرة النخعي الكوفي ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه‌السلام وأخرى من أصحاب الكاظم قائلاً : سيف ابن عميرة له كتاب روى عن أبي عبد الله ، وعده ابن النديم في فهرسته ص ٣٢٢ من فقهاء الشيعة الذين رووا الفقه عن الائمة عليهم‌السلام.

__________________

١ ـ راجع غاية المراد في شرح نكت الارشاد للشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ جمال الدين المكي العاملي الجزيني المعروف بالشهيد الاول ، والمقتول سنة ٧٨٦ هـ.

١٩٧

٧ ـ السيد الحميري :

أُمرر على جدث الحسين

وقل لأعظمه الزكيّة

يا أعظاماً لا زلت من

وطفاء ساكبةِ رويه

ما لذّ عيشُ بعد رضـّك

بالجياد الاعوجية

قبر تضمن طيـّباً

آباؤه خير البرية

آباؤه أهل الريا

سة والخلافة والوصية

والخير والشيم المهذبة

المطيَّبة الرضيه

فإذا مررتَ بقبره

فأطل به وقف المطيّه

وابك المطهرَ للمطهّر

والمطهرة الزكيّة

كبكأء معولةٍ غدت

يوماً بواحدها المنية

والعن صدى عمر بن سعد

والملمع بالنقيه

شمر بن جوشنِ الذي

طاحت به نفس شقيه

جعلوا ابنَ بنت نبيهم

غرضاً كما ترمى الدرّيه

لم يدعُهم لقتاله

إلا الجعالة والعطيّة

لمآ دعوه لكي تحكم

فيه أولاد البغيه

أولاد أخبث من مشى

مرحاً وأخبثهم سجيه

فعصاهم وأبت له

نفس معززة أبيه

فغدوا له بالسابغات

عليهم والمشرفيه

والبيض واليلب اليما

ني والطوال السمهرية

١٩٨

وهم ألوف وهو في

سبعين نفس هاشميه

فلقوه في خلف لأحمد

مقبلين من الثنيه

مستيقنين بأنهم

سيقوا لأسبابِ المنيه

يا عين فابكي ماحييتِ

على ذوي الذمم الوفيه

لا عذر في ترك البكا

دماً وانتِ به حريه

وقوله في الحسين عليه‌السلام يخاطب أصحابه :

لست أنساه حين أيقن بالموت

دعاهم وقام فيهم خطيبا

ثم قال ارجعوا إلى أهلكم

ليس سوائي أرى لهم مطلوبا

١٩٩

الشاعر :

هو اسماعيل بن محمد ، كنيته ابو هاشم ، المولود سنة ١٠٥ ، والمتوفي سنة ١٧٨ أو ١٧٣ ببغداد ودفن بالجنينة ولد بعمان ونشأ بالبصرة ، نظم فأكثر ، ذكر ابن المعتز في طبقات الشعراء أنه رؤي حمّال في بغداد مثقل فسئل عن حمله فقال : ميميات السيد ، وفي تذكرة ابن المعتز أنه كان للسيد أربع بنات كل واحدة منهن تحفظ أربعمائة قصيدة من قصائده ولم يترك فضيلة ولا منقبة لأمير المؤمنين إلا نظم فيها شعراً على أن فضائله (ع) لا يحيط بها نطاق النظم والنثر ، ومما دلّ على إخلاصه قوله :

أيا رب إني لم أُرد بالذي به

مدحتُ علياً غير وجهك فارحم

ومن شعره :

وإذا الرجال توسلوا بوسيلة

فوسيلتي حُبّي لآلِ محمدِ

وجدّه يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميري هجا زياداً وآل زياد بأقذع الهجاء كما تقدم في ترجمته فهو قد ورث الشعر والصلابة عن جده.

وللسيد مناظرات ومحاججات مع القاضي سوار وغيره. وكان اذا جلس في مجلس لا يدع أحداً يتكلم إلا بفضائل آل بيت النبي (ص) فجلس يوما في مجلس من مجالس البصرة فخاض الناس في ذكر النخل والزرع فغضب السيد وقام فقيل له : مم القيام يا أبا هاشم فأنشد :

إني لأكره أن أُطيلَ بمجلس

لا ذكر فيه لآل بيت محمدِ

لا ذكر فيه لأحمدٍ ووصيه

وبنيه ذلك مجلسُ قصفُ ردي

إن الذي ينساهم في مجلس

حتى يفارقه لغير مسدد

٢٠٠