رسالة في حديث اصحابي كالنجوم

السيّد علي الحسيني الميلاني

رسالة في حديث اصحابي كالنجوم

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام
نسخة غير مصححة

٢٧ ـ القاضي البهاري (١١١٩ )

وقال القاضي محب الله البهاري عند نفي حجية إجماع الشيخين أو الخلفاء الأربعة :

« قالوا : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

وعليكم سنتي ... الحديث.

قلنا : خطاب للمقلدين وبيان لأهلية الاتباع ، لأن المجتهدين كانوا يخالفونهم ، والمقلدين قد يقلدون غيرهم.

أما المعارضة : بأصحابي كالنجوم. وخذوا شطردينكم عن الحميراء كما في (المختصر) : فتدفع بانهما ضعيفان » (١).

ترجمة البهاري

توجد ترجمته في : سبحة المرجان في علماء هندوستان ٧٦ ـ ٧٨ وأبجد العلوم ٩٠٥ وكشف الظنون ، وهدية العارفين ،وإيضاح المكنون ، والاعلام ٦ / ١٦٩.

قال الزركلي :

« محب الله بن عبدالشكور البهاري الهندي. قاض ، من الأعيان من أهل بهار، وهي مدينة عظيمة شرقي بورب بالهند.

مولده في موضع يقال له كره بفتحتين ، ولي قضاء لكنهو، ثم قضاء حيدر اباد الدكن ، ثم ولي صدارة ممالك الهند، ولقب بفاضل خان ، ولم يلبث أن توفي.

من كتبه : مسلم الثبوت في أصول الفقه ، والجوهر الفرد رسالة، وسلّم العلوم في المنطق ».

__________________

(١) مسلم الثبوت بشرح الأنصاري ٢ / ٢٤١.

٤١

٢٨ ـ القاضي الشوكاني ( ١٢٥٠ )

وقال القاضي الشوكاني في مبحث الاجماع :

« وهكذا حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، يفيذ حجية قول كل واحد منهم.

وفيه مقال معروف ، لأن في رجاله عبدالرحيم العمي عن أبيه ، وهما ضعيفان جداً ، بل قال ابن معين : إن عبد الرحيم كذاب ، وقال البخاري متروك ، وكذا قال أبو حاتم.

وله طريق أخرى فيه : حمزة النصيبي وهو ضعيف جدا، قال البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن معين : لا يساوي فلسا، وقال ابن عدي : عامة مروياته موضوعة.

وروى أيضا من طريق : جميل بن زيد ، وهو مجهول » (١).

ترجمة الشوكاني

ترجم له في : البدر الطالع ٢ / ٢١٤ ـ ٢٢٥ وأبجد العلوم ٨٧٧ والأعلام ٧ / ١٩٠ـ١٩١ وغيرها.

قال الزركلي :

« محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني :

فقيه مجتهد من كبارعلماء اليمن ، من أهل صنعاء ولد بهجره شوكان (من بلاد خولان باليمن) ونشأ بصنعاء، وولّي قضاءها سنة ١٢٢٩ ومات حاكما بها ، وكان يرى تحريم التقليد. له ١١٤ مؤلفاً ... ».

__________________

(١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ٨٣.

٤٢

٢٩ ـ صديق حسن خان ( ١٣٠٧ )

واكتفى صديق حسن خان في مسألة عدالة الصحابة حيث ذكر هذا الحديث بالقول :

« وقوله : أصحابي كالنجوم ، على مقال فيه معروف » (١).

ترجمة الصديق حسن

توجد ترجمته في : الأعلام ٧ / ٣٦ ـ ٣٧ وأبجد العلوم ٩٣٩ وإيضاح المكنون ١ / ١٠ وغيرها.

قال الزركلي :

« محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القونجي أبو الطيب.

من رجال النهضة الاسلامية المجددين ، ولد ونشأ في قنوج بالهند ، وتعلم في دهلي ، وسافر إلى بهوبال ، طلباً للمعيشة ففاز ثروة وافرة.

قال في ترجمة نفسه : ألقى عصا الترحال في محروسة بهوبال ، فاقام بها ، وتوطن وتمول واستوزر وناب وألف وصنف.

وتزوج بملكة بهوبال ، ولقب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر.

له نيف وستون مصنفاً بالعربية والفارسية والهندية ».

* * *

ويجب أن ننبه هنا على أن ذكرهؤلاء العلماء لم يكن على سبيل الحصر ، وإنما كان على سبيل التمثيل ، إذ أن هناك علماء كثيرين غيرهم يصرحون بضعف حديث

____________

(١) حسن المأمول من علم الأصول ص ٥٦.

٤٣

النجوم منهم :

ابن الملقّن.

وابن تيمية.

والجلال المحلي.

وأبو نصر السجزي

وأبوذر الحلبي.

وأحمد بن قاسم العبادي.

والسبكي.

وابن امام الكاملية صاحب منهاج الأصول.

والمولوي نظام الدين صاحب صبح صادق في شرح المنار.

وولده المولوي عبدالعلي بحر العلوم صاحب شرح مسلم الثبوت.

ومن العلماء المتأخرين :

محمد ناصر الدين الألباني (١).

والسيد محمد بن عقيل العلوي (٢).

بل يمكن أن نقول : إنه رأي كافة العلماء ـ من القدماء والمتأخرين ـ الذين يجوزون الخطأ على الصحابة ، ولا يذهبون إلى عدالتهم وعصمتهم أجمعين ، وقد تقدم ذكر بعضهم في « التمهيد » ...

* * *

__________________

(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

(٢) النصائح الكافية لمن يتولى معاوية.

٤٤

تكملة

لقد علم فيما سبق في غضون الكتاب : أن بعض طرق حديث النجوم يشتمل على حديث آخر وهو « إختلاف أمتي رحمة » وقد ضعّف جماعة من المحدثين الاسناد المشتمل على الحديثين.

فرأيت من المناسب أن أورد هنا بعض كلماتهم بالنسبة إلى هذا الحديث خاصة.

قال الحافظ العراقي :

« حديث اختلاف أمتي رحمة : ذكره البيهقي في رسالته (الأشعرية) تعليقاً وأسنده في (المدخل) من حديث ابن عباس بلفظ : إختلاف أصحابي لكم رحمة.

وإسناده ضعيف » (١).

وقال الحافظ محمد بن طاهر (٢) :

« في (المقاصد) : إختلاف إمتي رحمة. البيهقي عن الضحاك عن ابن عباس رفعه في حديث طويل بلفظ : إختلاف أصحابي لكم رحمة.

وكذا الطبراني والديلمي :

والضحاك عن ابن عباس منقطع ، وقال العراقي : مرسل ضعيف » (٣).

وصرح محمد ناصر الدين الألباني المعاصر بأنه لا أصل له ، ونقل كلمات جماعة في ذلك (٤).

* * *

__________________

(١) المغني عن حمل الأسفار في الأسفار بهامش إحياء العلوم ١ / ٣٤.

(٢) ترجمته في : شذرات الذهب ٨ / ٤١٠ والنور السافر ٣٦١ وأبجد العلوم ٨٩٥ توفي سنة ٩٨٦.

(٣) تذكرة الموضوعات ٩٠ ـ ٩١.

(٤) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ / ٧٦ ـ ٧٨.

٤٥

كانت هذه كلمات هؤلاء الأعلام من أهل السنة في ردّ حديث النجوم وتضعيفه والحكم بوضعه ... فلننتقل إلى الناحية التالية وهي أسانيد هذا الحديث ورجالها ، لنرى كلمات الأئمة فيها بالتفصيل :

* * *

٤٦

(٢)

نظرات في أسانيد ورواة

حديث النجوم وآراء أئمة الجرح

والتعديل فيهم

إن الحديث النجوم أسانيد عديدة تفيد بمجموعها الشهرة ، اكن التتبع لما يفيد : أن واحداً من تلك الأسانيد لم يكن ليسلم من طعن علماء الرجال وأئمة الجرح واللعديل من أهل السنة.

رواية عبدالله بن عمر بن الخطاب :

لقد رووا هذا الحديث عن عبدالله بن عمر ، إلا أن في سند الرواية :

١ـ « عبدالرحيم بن زيد ».

ومن راجع كتاب (الضعفاء) للبخاري و (الضعفاء) للنسائي ، و (العلل) لابن أبي حاتم ، و (الموضوعات) و (العلل المتناهية) لابن الجوزي ، و (ميزان الاعتدال) و (الكاشف) و (المغني) للذهبي و (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) للخزرجي ... وغيرها وجد كلمات الطعن والذم لهذا الرجل كقولهم : « ليس بشيء » و« كذاب » و« ضعيف » و« كذاب خبيث ».

وقد مر في مواضع من الكتاب بعض تلك الكلمات.

٢ ـ « زيد العمي »

وقد صرحوا بضعفه أيضاً ، بل تقدم في كلام المناوي عن الحافظ ابن عدي قوله « عامة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء »

* * *

٤٧

ورووه بسند آخر من عبدالله بن عمر أيضاً إلا أن فيه :

« حمزة الجزري ».

الذي جاء في (الضعفاء) للبخاري « حمزة بن أبي حمزة النصيبي : منكر الحديث » وفي ( الضعفاء) للنسائي : « متروك الحديث » وفي (الموضوعات) : « قال يحيى ليس بشيء ، وقال ابن عدي يضع الحديث » وفيه عن أحمد « هو مطروح الحديث » وعن يحيى « لا يساوي فلسا » وتجد آمثال هذه الكلمات في (البحر المحيط) لأبي حيان و (الميزان) و (الكاشف) للذهبي وغيرها ، وقد تقدم بعضها.

رواية عمر بن الخطاب

ولقد رووا هذا الحديث عن عمر بن الخطاب أيضاً ، إلا أن في سند الرواية :

١ـ « نعيم بن حماد ».

وهو مجروح كما تقدم في كلام ابن الجوزي.

٢ ـ « عبدالرحيم بن زيد ».

٣ ـ « زيد العمي ».

وقد تقدم الكلام فيهما.

رواية جابر بن عبدالله الأنصاري

ورووا هذا الحديث عن جابر بن عبدالله ، إلا أن رواته مجهولون ، فقد تقدم عن ابن حجر العسقلاني في (تخريج أحاديث الكشاف) قوله :

« وأخرجه ـ يعني الدار قطني ـ في (غرائب مالك) من طريق حميد بن زيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في أثناء حديث وفيه :

فبأي قول أصحابي أخذتم اهتديتم ، إنما مثل أصحابي مثل النجوم ، من أخذ بنجم منها اهتدى.

٤٨

قال : لا يثبت عن مالك ، ورواته دون مالك مجهولون ».

* * *

ورواه بسند اخر عن جابر أيضاً ، إلأ أن فيه :

١ ـ « أبو سفيان ».

وقد قال ابن حزم « أبو سفيان ضعيف » (١).

٢ ـ « سلام بن سليم ».

وقد قال ابن حجر : « وسلام ضعيف ».

وقال ابن حزم : « يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك ».

وقال ابن خراش : « كذاب ».

وقال ابن حبان : « روى أحاديث موضوعة ».

ونقل هذه الكلمات في (سلسلة الأحاديث الموضوعة والضعيفة) وأضاف أنه « مجمع على ضعفه ».

٢ ـ « الحارث بن غصين ».

وقد قال ابن عبدالبر بعد أن نقل الحديث بالاسناد عن جابر : « هذا إسناد لا تقوم به حجة ، لأن الحارث بن غصين مجهول ».

وقد تقدم أن الزين العراقي أورد كلام ابن عبدالبرهذا مرتضياً إياه ...

رواية عبدالله بن عباس

ورووا أيضاً هذا الحديث عن ابن عباس ، إلا أن في سند الرواية :

١ ـ « سليمان بن أبي كريمة ».

__________________

(١) راجع سلسلة الأحاديث ١ / ٧٨.

٤٩

وقد ضعفه أبو حاتم الرازي والجلال السيوطي ومحمد بن طاهر وقال ابن عدي : « عامة أحاديثه مناكير » وقال الذهبي : « لين صاحب مناكير » راجع : (الموضوعات) لابن الجوزي و (ميزان الاعتدال) و (المغني) للذهبي ، (لسان الميزان) لابن حجر و (قانون الموضوعات) لمحمد بن طاهر ، وغيرها.

٢ ـ « جويبر بن سعيد ».

الذي قال النسائي في (الضعفاء) عنه : « متروك الحديث » والبخاري في (الضعفاء) : « جويبربن سعيد البلخي عن الضحاك ، قال علي بن يحيى : كنت أعرف جويبراً بحديثين ، ثم أخرج هذه الأحاديث فضعف » وابن الجوزي في (الموضوعات) : « وأما جويبر فأجمعوا على تركه. قال أحمد : لا يشتغل بحديثه » وفي (الميزان) « قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال الجوزجاني : لا يشتغل به ، وقال النسائي والدار قطني وغيرهما : « متروك الحديث » وفي (الكاشف) : « تركوه » إلى غير ذلك من الكلمات.

٣ ـ « الضحاك بن مزاحم ».

وقد جاء في ترجمته من (الميزان) و (المغني) للذهبي و (تهذيب التهذيب) لابن حجر العسقلاني وغيرها : إن الرجل كان لا يحدث عنه ، ضعيفاً في الحديث ، مجروحاً.

وقد أنكر شعبة وجماعة من كبار الأئمه أن يكون لقي الرجل ابن عباس ..

رواية أبي هريرة

ورووا هذا الحديث عن أبي هريرة أيضاً ، إلا أن في سند الرواية :

« جعفر بن عبدالواحد القاضي الهاشمي ».

وكان هذا لرجل متهما بوضع الحديث وسرقته ، متروكا كذابا ... كما يظهر من مراجعة (تخريج أحاديث الكشاف) و (لسان الميزان) لابن حجر العسقلاني ، و (المغني) و (الميزان) للذهبي ، و ( اللالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) للجلال

٥٠

السيوطي وغيرها.

هذا ... بغض النظر عن المقال المعروف في أبي هريرة نفسه.

رواية أنس بن مالك

ولقد رووا هذا الحديث كذلك عن أنس بن مالك ، إلا إن في سند الروايه :

« بشر بن الحسين ».

يرويه عن الزبير بن عدي عن أنس وقد قال الذهبي في (المغني) : « قال الدار قطني : متروك ، وقال أبو حاتم : يكذب على الزبير ».

ولاحظ سائر الكلمات في ذمه في (لسان الميزان) (١) لابن حجر.

* * *

__________________

(١) لسان الميزان ٢ / ٢١ـ٢٣.

٥١

(٣)

تأملات في مدلول حديث

النجوم

والآن ... هلّم معي لنرى هل يصح صدورمثل هذا الكلام من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ وهل كان جميع الصحابة على خيرمن بعده؟ وهل كانوا جميعاً مؤهلين لأن يقتدى بهم؟ وهل كانوا جميعا هادين حقاً؟ ...

إذا كان كذلك ، فما معنى قوله تعالى :

( أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (١).

وقوله تعالى :

( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) (٢).

وغيرهما من الآيات الكريمة التي تنص على وجود المنافقين بين أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثم هل يمكن الاعتقاد بأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لا يعلم ما سيقع بعده بين الأمة الاسلامية؟

كلا ... ثم كلا ... إنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على علم بجميع ما سيحدث بين أصحابه وأمته إلى يوم القيامة ، لذا وردت الأحاديث الكثيرة التي لا تحصى يخبر فيها عليه وعلى آله الصلاة والسلام عن القضايا التي سيستقبلها

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

(٢) سورة التوبة ٩ : ١٠١.

٥٢

المسلمون.

إنه صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين قال : « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ... » (١).

وهناك أحاديث كثيرة أيضا وردت في خصوص صحابته تفيد سوء حال جم غفير منهم ، وانقلابهم من بعده على أعقابهم ، مرتدين عن الدين راجعين بعده كفارا خاسرين.

منها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أخرجه البخاري :

«أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما احدثوابعدك « وفي حديث : فاقول : سحقا سحقا لمن غير بعدى » وفي بعض الأحاديث : « إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى »(٢).

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه :

« لا ترجعوا بعدي كفاراً » (٣).

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل » (٤).

... إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها القوم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذم الصحابه آحاداً وجماعات ، في موارد كثيرة ومناسبات مختلفة

__________________

(١) رواه جماعة ، وقال العلامة المقبلي في (العلم الشامخ ) : « وحديث افتراق الأمة إلى سبعين فرقة رواياته كثيرة يعضد بعضها بعضا بحيث لا تبقى ريبة في حاصل معناه ». المذاهب الاسلامية لمحمد أبو زهرة ص ١٤.

(٢) صحيح البخاري باب في الحوض ٤ / ٨٧ ـ ٨٨ وغيره من الصحاح وكتب الحديث.

(٣) إرشاد الفحول ص ٧٦.

(٤) الجامع الصغير. قال المناوي ، خرجه الإمام أحمد في المسند ، وكذا أبو يعلى عن أبي نفيسة ، ورواه أحمد والطبراني عن أبي موسى ، وأبو نعيم في الحلية عن أي بكر. فيض القدير ٤ / ١٧٣.

٥٣

ومواطن عديدة ...

فكيف يحسن منه سلام الله عليه وآله أن يجعل كلا من هؤلاء نجما يهتدى به والحال هذه؟

على أن كثيراً من الصحابة اعترفوا في مناسبات عديدة بالجهل وعدم الدراية والخطا في الفتيا ، حتى اشتهر عن بعض أكابرهم ذلك ... ولذا كان باب التخطئة والرد مفتوحا لدى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ، بل ربما تجاوزت التخطئة حد الاعتدال وبلغت التكذيب والتجهيل والتكفير ... وتلك قضاياهم مدونة في كتب الآثار.

وهل أعجب من دعوى كون جميعهم نجوما يهتدى بهم والحال أنه لم تكن لهم هذه المنزلة عندأنفسهم ، كما هو واضح عند من راجع أخبارهم؟

وأماسب بعضهم بعضا ، وضرب بعضهم بعضا ، ونفي بعضهم لبعض فقد كان فاشياً فيما بينهم ، بل لقد استباح بعضهم قتل بعض ...

أما إذا راجعنا أخبار كل واحد من الصحابة وتتبعنا أفعالهم وقضاياهم لعثرنا على أشياء غريبة عن الاسلام ، بعيدة عنه كل البعد ، من شرب للخمر ، وشهادة زور ، ويمين كاذبة ، وفعل للزنا ، وبيع للخمر ، والأصنام ، وفتيا بغير علم ... إلى غير ذلك من الكبار المحرمة بأصل الشرع واجماع المسلمين ... نشيرهنا إلى بعضها باختصار ...

١ ـ كذب جماعة من مشاهير الصحابة وأعيانهم في قضية الجمل في موضوع (الحوأب ، وتحريضهم الناس على شهادة الزور كما شهدوا هم ، والقصة مشهورة ... (١).

٢ ـ قصة خالد بن الوليد وقوم مالك على عهد أبي بكر إذ وقع فيهم قتلا

__________________

(١) هذه القصة مشهورة رواها كافة أرباب التواريخ ، كالطبري وابن الأثير وابن خلدون والمسعودي وأبي الفداء ... وغيرهم.

٥٤

ونهبا وسببا ، ثم نكح امرأة رئيسهم مالك بن نويرة من ليلته بغيرعدة ، حتى أنكر عمر بن الخطاب ذلك (١).

٣ ـ زنا المغيرة بن شعبة في قضية هذا مجملها :

إن المغيرة بن شعبة زنا بام جميل بنت عمر ، وهي أمرأة من قيس ، وشهد عليه بذلك : أبوبكرة ، ونافع بن الحارث ، وشبل بن معبد.

ولما جاء الرابع وهو زياد بن سمية ـ أو : زياد بن أبيه ـ ليشهد أفهمه عمر ابن الخطاب رغبته في أن يدلي بشهادته بحيث لا تكون صريحة في الموضوع حتى لا يلحق المغيرة خزي بإقامة الحد عليه ، ثم سأله عما رآه قائلأ :

أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة.

فقال : لا.

فقال عمر : الله اكبر ، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم.

فقام يقيم الحدود على الشهود الثلاثة (٢).

٤ ـ بيع سمرة بن جندب الخمرعلى عهد عمر بن الخطاب ، فقال عمرلما بلغه ذلك :

« قاتل الله فلانا ، باع الخمر ...؟ » (٣).

٥ ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الأصنام ، فقد جاء في (المبسوط ) ما نصه :

« وذكر عن مسروق رحمه‌الله قال : بعث معاوية رحمه‌الله بتماثيل من صفر تباع بارض الهند فمر بها على مسروق رحمه‌الله قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ، ولكني أخاف أن يعذبني فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية :

__________________

(١) وهذه الواقعة أيضا مشهورة تجدها في جميع التواريخ والسير وكتب الكلام ، وهي إحدى موارد الطعن في أبي بكربن ابي قحافة.

(٢) وفيات الأعيان ٤٥٥ / ٢ ، ابن كثير ٧ / ٨١ ، الطبري ٤ / ٢٠٧. وفي الواقعة هذه مخالفتان للنصوص الشرعية والأحكام الاسلامية الضرورية كما لا يخفى.

(٣) صحيح البخاري وغيره.

٥٥

رجل قد زين له سوء عمله ، أو رجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع في الدنيا ... » (١).

٦ ـ شرب عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب (وكنيته أبو شحمة) الخمر على عهد أبيه في مصر أيام ولاية عمرو بن العاص عليها.

وقد أقام عمر الحد على ولده هذا في المدينة ـ بعد أن طلبه من مصرـوقد أقام عمرو الحدّ عليه هناك وهو مريض ثم حبسه أشهر فمات على أثر ذلك (٢).

٧ ـ جهل بعض كبار الصحابة بالأحكام الشرعية ، بل بمعاني الألفاظ العربية ، وقوله في ذلك بغيرعلم.

فقد اشتهر عن أبي بكر أنه لم يعرف معنى« الكلالة » بالرغم من نزولها في القران ، وبيان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معناها للأمة ، فقال حينما سئل عنها :

« إنّي رأيت في الكلالة رأيأ ، فإن كان صوابأ فمن الله وحده لا شريك له ، وإن يكن خطا فمني والشيطان ، والله برئ منه ... » (٣).

٨ ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الشيء بأكثرمن وزنه ، فقد جاء في (الموطأ) ما نصه :

« مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : إن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق باكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا ، إلا مثلا بمثل ، فقال له معاوية : ما أرى بمثل هذا باسا.

فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى

__________________

(١) المبسوط في الفقه الحنفي كتاب الإكراه.

(٢) شرح النهج ٣ / ١٢٣ ط مصر ، وفي القضية مخالفات للنصوص الشرعية كما لا يخفى.

(٣) ذكر ذلك جميع المفسرين وعلماء الكلام.

٥٦

الله عليه وسلّم ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بارض أنت بها » (١).

٩ ـ إقدام زيد بن أرقم على أمر قالت عائشة أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن لم يتب ... فقد روى جماعة من المحدّثين والفقهاء والمفسرين «عن أم يونس : إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم الأنصاري : يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت : نعم ، قالت : فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة ، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل الأجل بستمائة ، فقالت : بئسما شريت وبئسما اشتريت ، ابلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب.

قالت : فقلت أفرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت : فنعم ، من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف » (٢).

١٠ ـ مؤامرة عائشة وحفصة على زينب بنت جحش ، فقد روي عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أن أيتنا دخل عليها. فلتقل له ؛ أكلت مغافير (٣)؟ قال : لا ولكن أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، لا تخبري بذلك أحدا » (٤).

والخلاصة : فإن الآيات الكريمة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، وكتب التاريخ والفقه تشهد على بطلان حديث النجوم ، وتدل على أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجيز لنا الاقتداء بكل واحد من صحابته ، لمجرد صحبته

__________________

(١) الموطأ ٢ / ٥٩ ، وانظر شرحه للسيوطي.

(٢) تفسير ابن كثير ١ / ٣٢٧ ، الدر المنثور ١ / ٣٦٥ كلاهما في تفسيرالآية ٢٧٥ من سورة البقرة النازلة في تحريم الربا ، وأضاف ابن كثير : « وهذا الاثر مشهور » وذكره ابن الأثير في (جامعه) والمرغياني في (هدايته) والكاساني في (بدائعه).

(٣) المغفور ، جمعه مغافر ومغافير : صمغ كريه الرائحه يسيل من بعض الشجر.

(٤) تجده في الصحاح وغيرها.

٥٧

وفيهم المنافق والفاسق والمجرم ...

فمعنى حديث النجوم دليل آخر على أنه موضوع ، بالاضافة إلى ضعف جميع رواته وطرقه ...

وقد نص على بطلان هذا الحديث من هذه الناحية جماعة من علماء الحديث كالبزار (١) وابن القيم (٢) وابن حزم (٣).

* * *

نعم. هناك في كتب أهل السنة ومصادرهم المعتبرة في الحديث ، أحاديث رووها عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نؤمن بمضمونها ، ونأخذ بمؤداها ، ونعتقدبمدلولها ، ولا مجال لورود شيء من المحاذير فيها ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي » (٤).

وقوله :

« النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض » (٥).

وقوله :

« النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهلى بيتي أمان لأمتي من

__________________

(١) تقدم قوله : والكلام أيضا منكرعن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلّم.

(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٢ / ٢٢٣ ـ ٢٢٤.

(٣) راجع سلسله الأحاديث ١ / ٨٣ حيث قال : « فمن المحال أن يامر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم باتباع كل قائل من الصحابة ... ».

(٤) ذخائر العقبى ١٧ تحت عنوان (ذكر أنهم أمان لأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، إحياء الميت ١٩ عن جماعة من أئمة الحديث.

(٥) ذخائر العقبى ١٧ ، إسعاف الراغبين ١٣٠ (بهامش نور الأبصار) كلاهما عن أحمد.

٥٨

الآختلاف ، فاذا خالفها قبيلة اختلفوا فصاروا حزب ابليس » (١).

وإنما قلنا ذلك : لاعتضادها بآيات القرآن العظيم والأحاديث المتواترة عن النبي الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وثبوت عصمة أئمة أهل البيت (وهم علي وبنوه الأحد عشر) بالكتاب والسنة ، وعدم اختلافهم في شيء من الأحكام ، وحرصهم التام على تطبيق الشريعة المقدسة ...

وختاما نعود فنسأل : هل يصح هذا الحديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

الجواب : كلا .. فإن التتبع لكلمات أئمة أهل السنة وآرائهم في هذا الحديث ، والنظر في أسانيده ، والتأمل في متنه ... كل ذلك يدل بوضوح على أن هذا الحديث موضوع باطل بجميع ألفاظه وأسانيده لا يصح التمسك به والاستناد إليه.

ويرى القارئ الكريم أنا لم نعتمد في هذا البحث إلا على أوثق المصادر في الحديث والتاريخ والتراجم وغيرها ، ولم ننقل إلا عن أعيان المشاهير وأئمة الحديث والتفسير والأصول والتاريخ.

ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وأن يوفقنا لتحقيق السنة واتباع ما هو بذلك حقيق ، والاقتداء بمن هو به جدير ... وصلى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين وآله المعصومين والحمد لله رب العالمين.

* * *

____________

(١) إحياء الميت ٢٤ عن الحاكم ، إسعاف الراغبين ١٣٠ إلى « الاختلاف » قال صححها الحاكم على شرط الشيخين ».

٥٩
٦٠