ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

عبد الله الحسن

ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

المؤلف:

عبد الله الحسن

المحقق: المترجم:
الموضوع : الشعر والأدب الناشر: المؤلّف
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

(٤)

زينب تخاطب الليل

تشبُّ بقلبي نارُ وجدي وتُضرمُ

لذكراكَ يا ليلَ الوداعِ متيّمُ

وهيهات أن أسلو مصائب كربلا

وتلك بَكاها قبلُ طه المكرّمُ

فما زلت في بحرٍ من الحزن والشّجا

أعومُ وطرفي بالكرى لا يهوّمُ

مدى العمر لا أنسى عقيلةَ حيدرٍ

عشيّةَ أمست والقضاءُ مخيّمُ

تودّع أهليها الكرامَ وتنثني

مع اللّيل من فرط الأسى تتكلّمُ

تقول له يا ليلُ رفقاً بحالنا

فأنت بنا من شمس صبحكَ أرحمُ

بربّك لا تُبدي الصّباحَ فإنّه

صباحٌ به جيشُ الضلالةِ يهجمُ

أطلْ يا رعاكَ اللهُ وقتَكَ أن تجد

طريقاً ولا تخفى لجوّك أنجمُ

أطلْ لوداع الطّاهراتِ حماتِها

فصُبحكَ فيه منهمُ يُهرقُ الدّمُ

أنا زينبُ الكبرى سليلةُ أحمدٍ

وهذا حسينٌ والزّمانُ محرّمُ

وهذي جيوشُ الظالمينَ تراكمت

علينا فهل فيما يُريدونَ تعلمُ

يُريدونَ قتلَ ابن النبي وصحبهِ

وإنّك تدري مَنْ حسينٌ وَمَنْ همُ

أطالت مع اللّيل الحديث من الأسى

وأجفانُها كالمُزنِ تهمي وتسجمُ

فلو فَهِمَ اللّيلُ البهيمُ كلامَها

لرقَّ لها لكنّه ليس يفهمُ

ولو كان ذا حسٍّ ويعرفُ قدْرَها

أجاب نداها لكن اللّيلُ أبكمُ

تُخاطِبُه في أن يُطيلَ ظلامَه

عليها وما للّيلٍ أُذنٌ ولا فمُ

٣٦١

شكتْ همّها للّيل واللّيلُ أخرسٌ

وزينبُ حيرى والفؤادُ مكلَّمُ

ومرَّ عليها وقتُهُ وتصرَّمت

دقائِقُه والصُبحُ بالشرِّ مُفعمُ

ولاقتْ مُصاباً لو اُصيبَ ببعضه

أشمُّ الرواسي الشامخات يُهدَّمُ

لقد شاهدتْ قتلَ الحسينِ بعينها

وهل منه أدهى في الزمان وأعظمُ (١)

* * *

__________________

(١) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص ٢٢١.

٣٦٢

الشيخ محمد سعيد المنصوري

الشيخ المنصوري مشدود إلى تلبية نداء الخطابة الصارم في شعره بشكل لا يخفى على المطّلع ، لذا فشعره مضغوط داخل شروط ومتطلبات آمرة ناهية تحصر الشاعر بحدّتها وضيقها ومع ذلك فالشيخ المنصوري يتجاوز كل هذا بعد تحقيقه وينصرف إلى جمال التصوير بلغة توصيلية سهلة التلقي يراعي فيها ثقافة السامعين اللغوية ليحقق جماهرية النص فى التواصل على حساب التعبير التوّاق إلى الإنطلاق والتحرر من المباشر والسائد والمألوف.

إن القصيدة المنبرية تتوجه لمخاطبة مساحة عريضة من المتلقين فتكون لذلك قصيدة محافظة على جذورها واُسسها ، لا تستخدم آليات الإيماء البعيد والإشارة المحتاجة للمفاتيح الغائبة أو الغموض الموحي بالدلالة غير المباشرة ، وهي أقرب إلى نقل الجانب المأساوي الفاجع الباكي أو المتباكي أو هي تصنع هذا الجو مثيرة لحزن المتلقّي مستدّرة لدموعه وناشدة للتوجّع والتأوه على ماحدث لسيد الشهداء عليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه من مآسٍ وأحداث دامية فلغتها تعريفية متدرّجة في نقل المعلومات التفصيلية التي تذكّر السامع بكل شيء حتى وإن كان من البديهيات المسلّم بها فمثلاً يقول المنصوري بلسان حال زينب عليها‌السلام :

أنا زينب الكبرى سليلة احمد

وهذا حسين والزمان محرّم

وهذه طريقةٌ منبرية قائمة على شرح وتفسير تفاصيل الأحداث رغبةً بالشمولية واستيعاب كل ما جرى ، على أن قصائد المنصوري تنحو منحى ذاتياً في

٣٦٣

استهلالها ، فالقصيدة تبدأ من وقفة الشاعر الخطيب على الحدث معبّراً عن عواطفه وانفعاله واحاسيسه ولواعجه :

تشبّ بقلبي نار وجدي وتضرمُ

لذكراك يا ليل الوداع متيّم

وهيهات أن أسلو مصائب كربلا

وتلك بكاها قبل طه المكرّم

فما زلت في بحر من الحزن والشجا

أعوم وطرفي بالكرى لا يُهوّم

ثم يلتفت إلى الحدث لنقله :

مدى العمر لا أنسى عقيلة حيدر

عشيّةَ أمست والقضاء مخيّم

وتبدأ الأحداث بين رسمه وتصويره وتعقيبه وبين حوارات زينب عليها‌السلام وبنفس الاسلوب وذات الطريقة نرى قصيدة اُخرى :

بكِ يا ليلة الوداع الرهيب

سال دمعي دماً لرزء الغريبِ

ويلتفت سريعاً :

مذ أحاطت به الجيوش وأمسى

يتلقّى الردى بصدرٍ رحيبِ

وفي قصيدة ثالثة نرى :

صاح دهري ولم أكن بالجزوع

قد رماني بكل خطبٍ فظيعِ

وسقاني كؤوس همّ وحزن

سلبت راحتي وأحنت ضلوعي

ويلتفت كالعادة :

ذلكم حين صاح ليلاً حسينٌ

يا بني هاشمٍ بصوت رفيع

وقد تكون قصيدته لسان حال احدى الشخصيات مثل زينب عليها‌السلام منذ البداية تخاطب ليلة الوداع في حوارية نسيجها العتاب المرّ والشكوى والأنين فنرى :

يا ليلة العشر طولي

قد زاد فيكِ نحولي

وددتُ من قبل قومي

يحين وقت رحيلي

٣٦٤

٣٣ ـ للسيد محمد شعاع فاخر (١)

ليلة في زمن الأنبياء

أليلٌ سجى في كربلاءَ أم الحشرُ ؟

تَسامت به الأيام وافتخر الدهرُ

وهل بسماتُ الوالهين إلى الرضا

أضاءَتْهُ أم ثغرُ الحقيقةِ يفترُّ

وتلك دموعُ المشفقات تسابقتْ

شآبيبَ أم سحبٌ بها انبجسَ القطرُ

وهذي جباهٌ أم بروقُ صوارمٍ

أم اللوحُ محفوظاً بهيكله الذكرُ

وهل تلك أرضٌ أشرقت في عراصها

ـ أو الفلكِ الأعلى ـ الكواكبُ (٣) البدرُ

نعم حلَّها ثقلُ الرِّسالةِ فاكتسى

بهم سندساً من فيضِ جدواهم القفرُ

* * *

تعالتْ على رمضان أيّامُ عشرها

وعن ليلة القدر استطال بها القدرُ

لئن زاد قدرُ الشهرِ بالذكرِ وحدَهُ

ففي العشر منها استُشهد الذكرُ والطهرُ

وإن كان يفنى بالثلاثين عدُّه

فما هي إلا الدهر أيامها العشرُ

__________________

(١) هو : الفاضل الخطيب الشاعر السيد محمد شعاع فاخر ، ولد سنة ١٣٦٠ ه‍ في الضفة الشمالية من شط العرب درس في حوزة الأهواز العلمية ثم هاجر إلى حوزة النجف الأشرف لإكمال دراسته وكان عضواً في الرابطة الأدبية في النجف الأشرف ، ثم عاد إلى الأهواز وحضر عند العلامة الكرمي ، ثم آثر الإقبال على الخطابة والكتابة ، من مولفاته ١ ـ حجة الشيعة الكبرى ٢ ـ دفاع عن السيد المسيح ٣ ـ جهاد كربلاء والإنسان ٤ ـ ديوان شعر بعنوان « أنا الشاعر ».

(٢) فاعل أشرقت.

٣٦٥

وليس ظلاماً ما أرى بل صحيفةً

من النور تبدو والجهادُ لها سِفْرُ

جرت من أبيِّ الضّيمِ فيها دماؤُهُ

كتاباً جهادُ الأنبياء به سطرُ

ففي كلِّ جرحٍ من عديد جراحه

لنوحٌ وبلواهُ السفينةُ والبحرُ

وفي كلِّ حرفٍ من لهيب ندائه

خليلٌ لإسماعيله في الحشا جمرُ

وإنْ كان بالذبح العظيم فداؤُهُ

لتُفْدى بإسماعيلَ فتيانه الغُرُّ

* * *

وإنْ فخرت أرضُ الطَّواف بها جرٍ

فكم هاجرٍ بالطَّفِّ أبرزها الخدرُ

سَعتْ ألفَ شوطٍ تطلبُ الماءَ بعدما

جرى في مسير النَّهر ريّقُهُ الغمرُ

ولو ملكتْ أمراً سقت من دموعها

عطاشاه لولا أنَّها أدمعٌ حُمرُ

تسيلُ بجنب النهر يندى بها الثرى

وتنسجُ برديه الشّقائقُ والزَهْرُ

فلم يعرفِ الراؤونَ ما الدمعُ منهما

غداةَ جرى من مقلتيها وما النَّهْرُ

* * *

وهذا ابنُ عمرانَ استقلَّ جهَادَه

وما صَغُرَتْ شأناً مواقفُه الكُثْرُ

غداةَ رأى سبطَ النبيِّ بكربلا

به يستجيرُ الدينُ إذ مسَّهُ الضُرُّ

لئن خانه الحانون في الذل جبهةً

وأصبتهم الدنيا فما خانه النَّصرُ

وإن ظلَّ فرداً حيثُ خلاَّه عسكرٌ

فكان له من عزمهِ عسكرٌ بحرُ

تمنَّى كليمُ الله تفديه نفسُهُ

ودونَ الحسينِ السبطِ تنحرهُ السُمْرُ

وجلَّ الصليبُ المجتلىٰ فوق عوده

مسيحٌ كما يجلى من الغَبَش الفَجْرُ (١)

__________________

(١) هذه الأبيات ناظرة إلى ما جاء في الإنجيل من أن المسيح عليه‌السلام جزع حين رُفع على خشبة الصليب وأظهر ضعفاً ، وبالطبع هذا مفتعل على روح الله ولكن الشاعر جرى على معنى الإنجيل وفيه شبه الرد على النصارى.

٣٦٦

تسلَّق أعواد الصليب فما ونَتْ

رؤاه ولكن باح بالألم السرُّ

يقولُ وملءُ الكونِ منه شكايةٌ

إلى الله ممزوجٌ بها الألمُ المُرُّ

إلهي وربي كُنْ معي في مصيبتي

رفيقي فقد عنَّاني الصلبُ والأسرُ

وأُولاءِ فتيانُ الرسولِ تسابقوا

إلى الموت يتلو الحُرَّ في سعيه والحُرُّ

تَلفُّهُمُ الحربُ العَوانُ كأنَّها

نعيمٌ وفيه الأُنسُ لا البيضُ والسُمْرُ

فما ضَعُفَت منها القلوبُ عن الوغى

أجَلْ مات فيها الخوفُ وانذعر الذُعْرُ

وإن جلَّ يوم المطمئنِ وخائفٍ

فَمَن منهما في السابقين له الفَخْرُ ؟

* * *

طوى اللهُ آناءِ الزَّمانِ الذي مضى

وفي ليلِ عاشوراءَ كان له النَّشْرُ

تَطلَّعَ ماضٍ في الزَّمانِ وحاضرٌ

كراءٍ جيادَ السبقِ أبرزها الحضرُ

إلى فتيةٍ قد زانت الأرضَ بالسنا

كما ازدان في عقدٍ من الدُرَرِ النَّحْرُ

أحاطت بسرِّ الله فيها كأنَّه

فؤادٌ حواه بين أضلُعهِ الصدرُ

تمنَّت لقاءَ الموت قبل أوانهِ

فأمْثَلُ شيءٍ أن يطولَ بها العُمْرُ

تبرَّجَ رضوانُ الإله بعينها

نعيماً وما أخفاه عن ناظرٍ سِتْرُ

هَفَتْ لعناق البيض وهي مشوقةٌ

لمقعدِ صدقٍ عندهُ يَعظمُ الأجْرُ

وحَفَّتْ بسبط المصطفى وهو باسمٌ

أضاءَ الهدى في ثغره إذ دجا الكفر

أبَتْ أن ترى من هاشمٍ بشبا الظُبا

عفيراً فعند المصطفى ما هو العُذْرُ

ولكن أبَتْ فرسانُ هاشم أن تُرى

مُحَلأةً والموتُ ريَّانُ مُحْمَّرُ

ونادى الهدى في حكمه متنهِّداً

كما فاح من غَنَّاءَ مطلولةٍ نَشْرُ

دَعُوا للوغى أنصارنا فقلوبُها

لقطف رؤوس الكفر ضاق بها الصبرُ

ومذ حَظِيتْ بالحكم في الموت أقبلت

كما احتشدت في الأفقِ أنجُمُهُ الزُهرُ

٣٦٧

وقد مال خدرُ الهاشمياتِ بالأسى

كما مال في زغبٍ مروَّعةٍ وكرُ

دعوا عند آل الله لنْ يخلص العدى

إليكم بضرٍّ ما جرى دَمُنا الثرُّ

فما عرفت ما الخوفُ حتى تمرَّغتْ

على الفلق الريَّان من دمها العُقْرُ

* * *

ويا لك من ليلٍ محت مُدلهِمَّه

جباهُهُم والبدرُ والقُضُبُ البُتْرُ

رأى الملأُ الأعلى لو انَّ متونَهُ

لهم صهواتٌ لا المُجمَّلةُ الشُقْرُ

جرى دمهم في المَهْمِه القفر فاغتدى

نعيماً وأمسى وهو مُؤتلفٌ نضرُ

وما سال فوقَ الأرض حتى تضَّرجت

به وجناتُ الأفقِ مما جنى الغدرُ

تفجَّرتْ الدّنيا جمالاً بهم كما

تفجَّرَ بالإبداعِ من مُلهمٍ فِكْرُ

وحقَّق للإنسانِ معنى وجوده

دمٌ سال منهم لا قليلٌ ولا نزرُ

وخصَّهم بالسبط ربٌّ بَراهُمُ

فلا قَدْرَ إلا فوقَه لهم قَدْرُ

السيد محمد شعاع فاخر

٢٧ / ١٠ / ١٤١٧ ه‍

الأهواز

السيد محمد شعاع فاخر

قصيدة الإقتطاف الجميل من حدائق النص القرآني الكريم هي قصيدة السيد محمد شعاع فاخر ( ليلة من زمن الأنبياء ) وهو توجّه مقتدر كم أحببت أن يساوقه تحرّرٌ من أسار الفخامة والتراكيب المستدعية لنمط التراكيب القديمة التي إستنفدت طاقتها فلم

٣٦٨

تعد تخاطب السمع النابض لحركة العصر الحديث.

فمنذ الصدر الاول يتبادر إلى الذهن هذا التنميط الذي يجر القصيدة إلى الوراء فمثلاً ( أليلٌ سجى في كربلاء .. ) يُذكّرني بقوة ( أبرقٌ بدا من جانب الحي لامع .. ) لكن الشاعر يغادر هذه المناطق كثيراً مما يمنح القصيدة عدم الإستقرار على محورٍ نظميّ محدّد وواضح فكأن شاعريته مرآة تعكس ما يمرّ أمامها من نصوص يداخلها في نصّه

فنرى مثلاً هذا البيت الرائع :

تسلّق أعواد الصليب فما ونت

رؤاه ولكن باح بالألم السرُّ

٣٦٩

٣٤ ـ للشاعر الأستاذ محمد الشويلي (١)

ليلة عاشوراء أعراس الدم

قِدُ الحرف وسط الليلِ يقتحم القدرْ

فقلبُ المنايا من لغاك سينتحرْ

تناغيك أمواج الأعاصير في غدٍ

تعدُّ لها المهر الجريح لتنتصر

تُرى ليلَ عاشوراء عرسَ منابرٍ

تمشّىٰ بها صحوُ الضمير فما عثر

قُمَيْرٌ يناغي النجم وهي تحوطه

تفدّيه إن ألوىٰ بجانبه الخطر

ومن كلّ نجمٍ ينزف الضوءُ أحمراً

تُضاءُ بها الأكوان ، تُفتتنُ العصر

فيا ليلة العشاق كان دويّهم

تخرُّ له الدنيا ويستسلم القدر

يمدُ الدجى فوق الرمال مخاوفاً

فتنكسر الصحراء والعزمُ معتمّر

وأنت فمٌ قد جلل الكونَ رفضُه

وأنفٌ شموخُ فرّعتْ كبرَهُ مضر

فتعلنُ أن الموت غايتك التي

سَتُسعَدُ فيها والحياةُ لمن قُهر

وينثالُ كلٌّ يستبيحُ وجودَهُ

فداءً لظل الله والأضلع الطهر

صمودٌ له التاريخ يندى جبينه

ويرقى على عين الزمان فيُختصر

ستبصر عند الأفق شرذمةً سعت

لتغتالَ ضَوء الشمس أو تطفئ القمر

وسوف تمدُّ الطرفَ نشوانَ والوغىٰ

كغابات خوفٍ والاسنّةُ كالشجر

__________________

(١) هو : الشاعر الأستاذ محمد الشويلي ولد سنة ١٣٨٧ ه‍ في بغداد ، تخرج من معهد التكنولوجيا ، له مشاركات في الملتقيات الأدبية والدينية ، وله ديوان شعر ( مخطوط ).

٣٧٠

ويوم غدٍ من كل طعنةِ خنجر

يصيحُ فمٌ إنَّ البغاة ستندحر

ستعدو بهم والأفق سُدَّت تخومه

من الخيل ، والرمضاء ترميه بالشرر

رويداً سيلقاكم رضيعي بنحره

خطاباً عصيّاً دكّ افئدة الحجر

ويلقاكم حتى الصبي يُشدُّ في

ذراعيه عزمات النبي فما انكسر

ولادة أحلام هنا تقهر الظما

ونبعٌ مذالٌ في مدى الروح ينفجر

فصِحْ يا فراتُ الآنَ هذي دماؤنا

ستغترف الأجيالُ من نزفها الغَضِر

ويا حزمةً للضوءِ ودَّتْ لو انّها

تُحرِّقُ ألفاً أو تُذرُّ ولاتَذَر

تخطَّي على الدنيا نبوءة عاشق

توطّئ في أزكى مواجعها المطر

فيا أيها الحرف المطهر لم يزل

على شفة الأرماح بالوحي يدَّكر

ويا ليلةً ( غابت نحوس نجومها )

لك المجدُ أن أشرقتِ في ظلمة البشر

محمد الشويلي

١ / ١٢ / ١٤١٧ ه‍

٣٧١

٣٥ ـ للشاعر الأستاذ محمد الماجد (١)

خصلةُ شَعرٍ لساعديَّ

ومن ذا سيعبر بين الفراتين ..؟

هذا أنا ..

ربّ هذا المسيل المولّه بالصافنات الجيادْ !

قرونٌ وأنت تمرّين من ههنا ياجيادْ

على هذه الأضلع الخاوياتْ

بربك أيّ المضامير رحت تجوبين فيّ ؟

وأيّ الأعنة شدّت يداي ؟

أحبّك يا من تجيبين نذري

عقدتُ على ساعديّ الضعيفين

خصلة شعر لجيدكِ

ثمّ ارتميت اقبّل نقش الحوافر فوق الصعيد

__________________

(١) هو : الشاعر الأستاذ محمد حسن يوسف الماجد ، ولد سنة ١٣٨٦ ه‍ في تاروت ـ القطيف ، حاز على شهادة البكالوريوس في العمارة من كلية تصاميم البيئة في جامعة الملك للبترول والمعادن سنة ١٤١١ ه‍ ويعمل حالياً في إدارة المشاريع والصيانة بالإدارة العامة للتعليم ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية.

٣٧٢

اقومُ وأهوي عليها مراراً !

أقوم ..

وأهوى عليها مراراً !

فهلا تعجّلت بُرئي

فهذا صدى الحمحمات يذيب فؤادي

ـ قرونٌ عليه ـ

ومازال يملأ صدري نحيبا

جياد الخلاص

اضاء لك البرق ليل المتاهة فاجري

صراطك : صدري وقلبي .. ونحري

صراطك : هذا الممدّد بين الفراتين

ربّ المسيل الموّله بالصفنات الجياد

افيقيه عدواً ..

أقضّي مضاجع هذا الرفات ..

قليل من العدو يسكر رمسى ..!

فطوفى عليه مطاف الجوامح

أُنعلْنَ جمراً ..

وأُشربْن نخب الطفوف

ذرفْن الدموع علي ساكنيها

وزرْن ( الغريب ) ..

٣٧٣

تحلقن حول الضريح المدمىّ

ألوفا .. الوف

ألا يا جياد ..!

قليلٌ من العدو يسكر رمسي

فأصحو ..

لينشقّ عن مدنفٍ لا يتوب

تحمّل ما لا يطاق

وعاد تحمّل ما لا يطاق

وعاد .. وعاد ..

الى ان افاق

محمد الماجد

٢٠ / ٣ / ١٤١٧ ه‍

سنابس

٣٧٤

الأستاذ محمد الماجد

قصيدة الماجد ( خصلة شعر لساعديّ ) إعتمدت الوحدة العضوية في نسيجها بمتابعة متأملة لحركة خيول يستعطيها أن تأتي من زمنٍ عصيّ لتمسح البعد المأساوي عن صفحة الوجود ، وانعكست حركة الخيول إيقاعاً نفسيّاً داخلياً أحاط أجواء القصيدة في مونولوجها الداخلي وتداعياتها المتسائلة الباحثة عن الخلاص من ليل المتاهة.

الإستعطاء تبدّى في عنف الأسئلة المتتالية ، فالنص يبدأ بسؤال كبير ( من ذا سيعبر بين الفراتين ؟ ) والعبور ببقعة جغرافية محددة رَمَزَ لها الشاعر بالفراتين فأزاح الدلالة عن أن تكون مخصوصة بالفرات ـ وهو مفردة تنتظم في تشكيلة الطفّ جغرافياً وشعورياً ـ ليذهب أبعد في انتظار ما سيحدث فيخاطب الخيول ليعرّفها بنفسه ( هذا أنا ربُّ هذا المسيل المولّه بالصافنات الجياد ) إنه صاحب المسيل والإقتران المائي واضح في تتابع ( الفراتين ـ المسيل ) لكن هذا المسيل هو تيار الوعي الذي يلازم الحب هنا بصيغة الخلاص فهو مولّه بالصافنات الجياد في إسقاط قرآني لتلبّس شخصية النبي سليمان عليه‌السلام بشكل ناقص ، فهو أضلع خاويات تتساءل بإلحاح مقترن بالقسم ( بربك أيُّ المضامير رحت تجوبين فيَّ ؟ ) في حركة داخلية نفسية هي حركة الأمل داخل الذات و ( أيّ الأعنّة شدّت يداي ؟ ) وهو أمل آخر عندما تقبض يداه على أعنّة غير محدّدة للخيول ، ليبتدئ مونولوجاً عاطفياً يناجيها به من ( أحبك يا من تجيبين نذري ) إلى أن تظهر صنميّة الحب في تقبيل

٣٧٥

نقش الحوافر فوق الصعيد وتكون آثار الأمل الصغيرة هي الأمل كلّه في قيام وهويّ ينتهي إلى التحضيض والطلب ( فهلاًّ تعجّلت برئي ) ويتحوّل جانب حسيّ من الأمل هو ( صدى الحمحمات ) إلى نحيبٍ ذائب في القلب لتبدأ حركة أخرى من ندائه لها لكن على التخصيص هنا ( جياد الخلاص ) ويطرح عهداً وميثاقاً بالتضحية قائماً على الإستعطاف والإلحاح في الطلب ( أفيقيه عدواً .. أقضّي مضاجع هذا الرفات ) وهي حالة يأس من النهوض والقيام الذاتي فتتمّ مطالبة الأمل المجسد في الخيول في حركتها الصاخبة الممتلئة بالحيوية ( قليل من العدو يسكر رمسي ) هذه الحاجة إلى ومض بسيط لتنبعث الحرائق وتدبّ الحياة ، ويتكرر هذا الخطاب ثانية في القصيدة لتلحقه لفظة ( فأصحو ) هذه الصحوة المطلوبة بإصرار مبدئي تأخذ شكل الحتمية في عودة الروح إلى أوصال المدنف التي تحمّلت عناء المسيرة ، وتكرّر هذا التحمل والمعاناة إلى أن تتم الإفاقة والنهوض.

قصيدة الماجد ولائية الجذور وعقيدية الإنطلاقة بشكل يخلق واقعية خاصة يمكن أن نسميها الواقعية الشعرية التي لا تصاحب الواقع الحقيقي لتطابقه ، بل لتوازيه وتنهل من ينابيعه بإختيار صادر عن موقفٍ وتجربة وتوجه جماليٍّ فنّي.

وأخيراً فإنّ ليلة عاشوراء لم تكن موجودةً في نصه كوثيقة تاريخية بل كحالة مستبطَنة يخاطبها الشاعر بإيماءٍ مكثّف من خلال خطاب عام للجرح الحسيني الغائر في الأعماق المتلهّفة للخلاص.

٣٧٦

٣٦ ـ للشيخ مهدي المصلّي (١)

عزائم الأبطال

ليلةٌ أسهرت عيون الليالي

لتُرينا عزائمَ الأبطالِ

وتُرينا الشموسَ تفترسُ اللي‍

‍لَ لتمحو عصرَ الليالي الطوالِ

وتُرينا التاريخَ أشرقَ فيه

عقدُ نورٍ مرصّعٍ باللآلي

وتُرينا الإنسانَ يسمو على النج‍

‍مِ مناراً ورجلُهُ في الرمالِ

وتُرينا الليلَ الذي يلد الفج‍

‍رَ فيهوي ظلامُهُ للزوالِ

فيها عصبةٌ تُسبّحُ بالحم‍

‍دِ فتذكي شوامخَ الآمالِ

في دويٍّ كالنهرِ يملؤُهُ التس‍

‍بيحُ ينسابُ من رُبى شَلاّلِ

في جلالٍ كنسمةِ الفجرِ هبّت

لتبُثَّ الحياةَ في الآصالِ

والحسينُ الشهيدُ يفتحُ باباً

في زوايا المسيرِ والترحالِ

إنّما شخصيَ المرادُ فسيروا

ودعوا ساحةَ القنا والنصالِ

__________________

(١) هو : الأستاذ الفاضل الشيخ مهدي بن الحاج حسن بن الحاج عيسى المصلّي ، ولد في سنة ١٣٨٣ ه‍ في جزيرة تاروت ـ القطيف ، أكمل شطراً من الدراسة الأكاديمية ، ثم التحق بالحوزة العلمية في قم المقدسة سنة ١٤٠٠ ه‍ ، ثم واصل دراسته الحوزوية متنقلاً بين القطيف والأحساء وسوريا ، ولا يزال يواصل مسيرته العلمية في النجف الأشرف ، ومن مؤلّفاته ١ ـ رسالة في غسل الوجه ( استدلالية ) ( مطبوعة ) ٢ ـ الأصول النقية ( مخطوط ) ٣ ـ ديوان شعر ( مخطوط ) وله كتاباتٌ أخرى ، وله مشاركات فعالة في النوادي الثقافية الدينية والادبية.

٣٧٧

فإذا بالقلوبِ تنطقُ إنّا

بمواضي سيُوفِهم لا نُبالي

إنما الموتُ يفتحُ البابَ للخل‍

‍دِ فتُمحى عظائمُ الأهوالِ

إنّنا نعشقُ الشهادةَ في الحقِّ

وإن مُثِّلَتْ بألفِ مِثالِ

وسنبقى حولَ الحسينِ سِياجاً

من قلوبٍ لا من سيوفٍ صقالِ

فالقلوبُ الولهى أحدُّ من السيفِ

وأقوى من الدروعِ الثقالِ

والفؤادُ المجروحُ يعصفُ كالاع‍

‍صارِ يمحو ثوابتَ الآجالِ

والجريحُ المظلومُ لا يَرهبُ الموتَ

إذا ما دعاهُ داعي النِّزالِ

إنَّما الموتُ خطوةٌ لجنانِ الخل‍

‍دَ أو رشفةٌ من السلسالِ

حبَّذا الموتُ في سبيلِكَ يا سِ‍‍

‍بْطُ ويا حَبَّذا مروعُ القتالِ

ليس في الموتِ ما يُخيفُ إذا كا

نَ سيُحيي ضمائرَ الأجيالِ

ليس في الموتِ ما يُخيفُ إذا كا

نَ طريقاً إلى جَميل المآلِ

رايةٌ قَلبُها الحسينُ تَشقُّ

الحشرَ شقاً إلى عظيمِ النَّوالِ

وقلوبٌ حُبُّ الحسينِ يناغي‍

‍ها تغذَّت حياتُها بالزّلالِ

حُبُّهم مصدرُ الرواءِ وأسّ الطُ‍

‍هرِ والخيرِ والهدى والجمالِ

في سبيل الحسين ما أنتَ يا موتُ

سوى يومِ رحلةٍ للكمالِ

ليس أغلى من الحياة ولكن

لك غالي أرواحِنا والعيالِ

كلُّ غالٍ تَملَّكَ القلبَ حُباً

في سبيل الحسينِ ليسَ بغالِ

مهدي المصلي

١٢ / ١١ / ١٤١٦

تاروت ـ القطيف

٣٧٨

الشيخ مهدي المصلّي

تتدفّق الصور في قصيدة المصلّي ببراءة إبداعية متصاعدة في الكشف عن أحداث ليلة عاشوراء ، فهو حريص على التسجيل والتوثيق لكن عبر عينيه المفتوحتين على ماوراء الظاهر والسطحي والمألوف لنشاركه كشوفه وارتياداته لدروب الحقيقية والمصير البشري عبر ليلة نوعية في حسابه لليالي التي مرّت ولا زالت تمرّ وستبقى تمرّ كاشفة لنا بؤس المصير لغير المرتبطين بسموّ الحقائق المطلقة ، السائرين في متاهات السراب والخواء والجدب ، فنرى المصلّي صدّاحاً بما تجلوه الليلة من ضميره :

وتُرينا الإنسان يسمو على النجم

مناراً ورجلُه في الرمال

مع إرتباطه بما هو أرضي فهو متطلّعٌ إلى السمو والتحليق بروحه في سماوات الوجود الحق ، فهكذا الإنسان المتكامل.

والمصلّي مع معانقته لجلال الأفكار السامية فهو لا يعدم وسيلة إلى طرحها بمعادلاتها الشعرية الوجدانية المصوّرة ، حتى أنه يقارب المتن التاريخي بصور شفّافة وتكوينات بصرية برّاقة فنراه يقول عن الوصف التاريخي لعبادة الأصحاب ( دويّ النحل ) :

فى دويٍّ كالنهر يملؤه التسبيح

ينساب من ربى شلال

فهو يفكّك الوثيقة التاريخية ليعيد إنتاجها وفق ما تريد شاعريته لكن ضمن الإطار الدلالي العام الذي لا يعوم بعيداً عن ضفاف التوصيل وربما خرج علينا بحلّة

٣٧٩

شاعرية محضة ليُنطِق الشخصيات التأريخية بما يخطر لتأملاته أن تقول فنراه يُنطِق الأصحاب بما يحسّه هو :

وسنبقى حول الحسين سياجاً

من قلوب لا من سيوفٍ صقال

هذا هو التوغل الباحث عمّا هو جوهري وعما وراء الظواهر في تجربة المصلي الشعرية يتجلّى في هذا البيت المنسوج بكل الأدوات الممكنة ، فنرى الخروج على التراكيب النمطية التقليدية في بؤرة تركيبة مشعّة على عموم البيت في ( سياجاً من قلوب ) وهذا التركيب حداثيٌّ أدخله المصلي بكل يسر إلى قلب البيت لينظّم دقّاته بنبضٍ متسارع على مستوى المضمون والشكل ، ولنا أن نلاحظ أيضاً ثيمة إيقاعية تقصّدها الشاعر في إستخدامه لحرفين من حروف الصفير الصاخبة هما ( السين والصاد ) فنرى صدر البيت وقد توشّح نُطقاً بثلاثة سينات تموسق الإيقاع المتشابك لبحر الخفيف ببريق لحني أخّاذ في ( وسنبقى حول الحسين سياجاً ) في تعارضٍ ثنائي مع حائين في الوسط متجوّفين كعمق نغمي مستقر في ( حول الحسين ) لننتهي إلى قفلةٍ مطربة تسبق جرس حرف الروي من القافية عندما إشتبكت السين في ( سيوف ) مع الصاد في ( صقال ) بصفير متقابل لا يُوفّق له إلا ذو حظّ عظيم من الشاعرية التي تستوعب وتشمل ، وأراني منساقاً إلى إبداء أكثر من الإعجاب بهذه الشاعرية الفذّة التي سيكون لها شأن عندما تنفتح بشكل أكثر عمقاً على التجارب الشعرية الأخرى وأختم إنطباعاتي ببيت آخر للشاعر بلا تعليق :

رايةٌ قلبها الحسين تشقّ

الحشر شقّاً إلى عظيم النوال

٣٨٠