تربية الطفل في الاسلام

السيد شهاب الدين الحسيني

تربية الطفل في الاسلام

المؤلف:

السيد شهاب الدين الحسيني

المحقق: المترجم:
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع الناشر: مركز الرسالة المطبعة: ستاره ISBN: 964-8629-55-2
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « نظر الوالد إلىٰ ولده حبّاً له عبادة » (١).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحبّوا الصبيان وارحموهم ، فاذا وعدتموهم فوفوا لهم ، فانّهم لا يرون إلاّ انكم ترزقونهم » (٢).

ومن مصاديق محبة الطفل واشعاره بمكانته التشجيع له ومدحه علىٰ ما ينجزه من أعمال وإنْ كانت يسيرة والتجاوز عن بعض الهفوات ، وعدم تسفيه أقواله أو أعماله وعدم حمله علىٰ مالا يطيق كما جاء في قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « رحم الله من أعان ولده علىٰ برّه... يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره ولا يرهقه ولا يخرق به... » (٣).

وتقبيل الطفل من أفضل الوسائل لإشعاره بالحب والحنان ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أكثروا من قبلة أولادكم ، فان لكم بكلِّ قبلة درجة في الجنة » (٤).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من قبّل ولده كان له حسنة ، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة... » (٥).

وقال الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : « برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم » (٦).

ومن مصاديق إشعار الطفل بانه محبوب إسماعه كلمات الحبّ والودّ

__________________

(١) مستدرك الوسائل ٢ : ٦٢٦.

(٢) مكام الاخلاق : ٢١٩.

(٣) الكافي ٦ : ٥٠ / ٦ باب بر الاولاد.

(٤) مكارم الاخلاق : ٢٢٠.

(٥) عدّة الداعي : ٧٩.

(٦) تحف العقول : ٢٦٧.

٦١

ففي روايةٍ ( جاء الحسن والحسين يسعيان إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخذ أحدهما فضمّه إلىٰ إبطه ، وأخذ الآخر فضمّه إلىٰ إبطه الآخر وقال : « هذان ريحانتاي من الدنيا » ) (١).

ومن أجل إشعار الطفل بمكانته الاجتماعية لتتعمق الثقة بنفسه كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسلّم علىٰ الصغير والكبير كما جاء في الخبر إنّه : ( مرّ علىٰ صبيان فسلّم عليهم ) (٢).

وتعامل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الحسن والحسين تعاملاً خاصاً ، فقد ( بايع الحسن والحسين وهما صبيّان ) (٣).

وإشعار الطفل بالحب والحنان من أهم العوامل التي تساعده علىٰ الطاعة والانقياد للوالدين (٤).

والافضل أن يكون إشعار الطفل بانّه محبوب مرافقاً له في كلِّ الاوضاع والاحوال حتىٰ وإنْ أخطأ أو ارتكب ما يوجب التأنيب أو العقاب ، والافضل أن نجعل الطفل مميّزاً بين الحب له وعدم كراهيته في حالة خطئه أو ذنبه ، يقول الدكتور سپوك : ( انّنا كآباء يجب أن لا نجعل الطفل يشعر في أي مرحلة من مراحل عمره بانّه منبوذ ولو حتىٰ بمجرد نظرة عين ، انّ الطفل لا يستطيع ان يفرّق بين كراهية والديه لسلوكه وبين

__________________

(١) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ٧ : ١٤ ـ دار الفكر ١٤٠٥ ه‍ ط ١.

(٢) مستدرك الوسائل ٢ : ٦٩.

(٣) تحف العقول : ٣٣٧.

(٤) قاموس الطفل الطبي : ٣٢٨.

٦٢

كراهيتهما له ) (١).

ولكن بالتدريب وتكرار العمل يمكننا أن نقنع الطفل بأنّ العمل الخاطىء الذي يرتكبه مبغوضاً من قبل والديه ، أو من قبل المجتمع مع بقاء المحبوبية له ، ونحاول إقناعه بالاقلاع عن الاعمال الخاطئة وإشعاره بإنْ الحب والحنان سيصل إلىٰ أعلىٰ درجاته في هذه الحالة.

خامساً : التوازن بين اللين والشدّة

تكريم الطفل والإحسان إليه وإشعاره بالحب والحنان وإشعاره بمكانته الاجتماعية وبانه مقبول عند والديه وعند المجتمع ، يجب أنْ لا يتعدىٰ الحدود إلىٰ درجة الافراط في كلِّ ذلك ، وأن لا تُتْرك له الحرية المطلقة في أن يعمل ما يشاء ، فلابدّ من وضع منهجٍ متوازن في التصرّف معه من قبل الوالدين ، فلا يتساهلا معه إلىٰ أقصىٰ حدود التساهل ، ولا أن يعنّف علىٰ كلِّ شيء يرتكبه ، فلا بدّ أنْ يكون اللين وتكون الشدّة في حدودهما ، ويكون الاعتدال بينهما هو الحاكم علىٰ الموقف منه حتىٰ يجتاز مرحلة الطفولة بسلام واطمئنان ، يميّز بين السلوك المحبوب والسلوك المنبوذ ، لان السنين الخمسة الاولىٰ أو الستة من الحياة هي التي تكوّن نمط شخصيته.

وقد أكدّت الروايات علىٰ الاعتدال في التعامل مع الطفل فلا إفراط ولا تفريط.

__________________

(١) مشاكل الآباء : ١٤١.

٦٣

قال الإمام الباقر عليه‌السلام : « شرّ الآباء من دعاه البرّ إلىٰ الإفراط.. » (١).

وفي حالة ارتكاب الطفل لبعض المخالفات السلوكية ، علىٰ الوالدين أنْ يُشعِرا الطفل بأضرار هذه المخالفة وإقناعه بالاقلاع عنها ، فإذا لم ينفع الاقناع واللين يأتي دور التأنيب أو العقاب المعنوي دون البدني ، والعقوبة العاطفية خيرٌ من العقوبة البدنية كما أجاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام حينما سُئِل عن كيفية التعامل مع الطفل فقال : « لا تضربه واهجره... ولا تطل » (٢).

فالإمام لا يدعو إلىٰ اللين والتساهل مع الطفل في حالة تكرار الاخطاء ، كما لا يدعو إلىٰ استمرار العقوبة العاطفية وهي الهجر ، وإنّما يدعو إلىٰ الاعتدال والتوازن بين اللين والشدّة.

والإفراط أو التفريط يؤدي إلىٰ تأثيرات سلبية علىٰ الطفل من جميع الجوانب العقلية والعاطفية والخلقية.

ويجب في ضوء المنهج التربوي السليم أنْ يحدث التوازن بين المدح والتأنيب ، فالمدح الزائد كالتأنيبْ الزائد يؤثر علىٰ التوازن الانفعالي للطفل ، ويجعله مضطرباً قلقاً ، فالطفل ( الناشيء في ظل الرأفة الزائدة لا يطيق المقاومة أمام تقلبات الحياة ، ولا يستطيع الصراع معها ) (٣).

ويتأخر النضوج العاطفي عند الطفل المدلل ، ( وتطول فترة الطفولة

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٢٠.

(٢) بحار الانوار ٢٣ : ١١٤.

(٣) الطفل بين الوراثة والتربية ٢ : ١٨٠ عن كتاب نحن والابناء ٣٩.

٦٤

لديه ) (١) فيبقىٰ محتاجاً لوالديه في كلِّ المواقف التي تواجهه وتستمر هذه الحالة معه حتىٰ في كبره ، فنجد في واقعنا الاجتماعي أطفالاً أو كباراً ينتظرون من المجتمع ان يلبي مطالبهم أو يؤيد آرائهم ، أو يمدحهم ويثني عليهم ، فهم لا يستطيعون مواجهة المشاكل التي تقف في طريق تلبية طموحاتهم ، ونفس الكلام يأتي في سلوك الطفل المنبوذ أو المتعرّض للاهانات أو التأنيب الزائد من قبل والديه ومحاسبته علىٰ كلِّ شيء يصدر منه ، كما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : « الافراط في الملامة يشبّ نيران اللجاج » (٢).

ولذا نجد في المجتمع أنَّ الأحداث المنحرفين المتصفين بصفات عدوانية اتجاه الآخرين كانوا معرضيّن للاهانات والعقوبات المستمرة.

وعلىٰ الوالدين أنْ يضعوا للاطفال برنامجاً يوضّحون لهم المحبوب والمذموم من الاعمال ، ويكون المدح أو التأنيب منصبّاً علىٰ العمل المرتكب ، لكي نزرع في قلوبهم حبّ الاعمال الصالحة وبغض الاعمال غير الصالحة ، وأن تعمل علىٰ تقوية الضمير في نفس الطفل في هذهِ المرحلة حتىٰ يكون صماماً له في المستقبل فنزرع في قلبه الخوف من ارتكاب العمل غير الصالح والشوق إلىٰ العمل الصالح ، بدلاً من الخوف من العقوبة أو الشوق إلىٰ المدح والاطراء ، وعلىٰ الوالدين أن يجعلوا المدح أو التأنيب خالصاً من أجل تربية الاطفال ، وان لا يعكسوا أوضاعهم النفسية في التربية ، كمن يواجه مشكلة فيصّب غضبه على

__________________

(١) علم النفس التربوي ، للدكتور فاخر عاقل : ٥٣٥.

(٢) تحف العقول : ٨٤.

٦٥

الطفل دون أي مبرّر.

وفي هذا الصدد ( نهىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الأدب عند الغضب ) (١).

وهنالك بعض الحالات يجب علىٰ الوالدين الانتباه إليها لكي لا تأتي علىٰ عقل الطفل وعواطفه بآثار عكسية ، فمثلاً يقوم الطفل بكسر شيء ثمين فيصيبه الفرح لانّه يرىٰ نفسه قد أقدم علىٰ شيء جميل بأن حوّل هذا الشيء إلىٰ شيئين عن طريق عملية الكسر ، فهو يحتاج في نظره إلىٰ مدح وثناء ، وهنا تأتي بدلاً من المدح العقوبة فيتفاجأ الطفل ، وتكون للعقوبة تأثيراتها النفسية عليه.

وفي حالات أُخرىٰ يكون الطفل بحاجة إلىٰ التأنيب أو الذّم أو الهجران أو العقوبة البدنية أحياناً كما يقول الدكتور سپوك : ( إنّ الاطفال في معظم الاحوال يفرحون لأنّ الوالد قد وضع حداً لوقاحتهم ) (٢).

والطفل في حالة مرضه بحاجة إلىٰ الرعاية المتوازنة فلا إفراط ولا تفريط ، فلا اهتمام زائد ولا عدم اهتمام ، والتوازن أفضل ، وهو اشعاره بالاهتمام في حدوده المعقولة لانّ ( طريقة المبالغة التي تتبعها الامهات عندما يصاب اطفالهنّ بالمرض تؤثر علىٰ نفسية الطفل في الكبر... يخلق منه طفلاً مكتئباً كثير الشكوىٰ سريع الانفعال ) (٣).

ويجب مراعاة وحدة الاسلوب التربوي من قبل الوالدين ، والاتفاق

__________________

(١) بحار الانوار ٧٩ : ١٠٢.

(٢) مشاكل الآباء : ٧٥.

(٣) قاموس الطفل الطبّي : ٢٧٨.

٦٦

على منهج واحد من أجل أنْ يتعرّف الطفل علىٰ الصواب والخطأ في سلوكه ، فلو استخدم الأب التأنيب مع الطفل لخطأ معين ، فعلىٰ الأُم ان لا تخالف الاب في ذلك ، وكذا الحال في المدح لأنّ ( الاضطرابات السلوكية والامراض النفسية التي تصيب الطفل في حداثته والرجل في مستقبله تكون نتيجة المعاملة الخاطئة للابوين... كتناقضات اسلوب المعاملة ، كالتذبذب بين التسامح والشدة... والتدليل والاهمال ، وتكون نتيجة هذه التطورات إما خلق روح العدوان والجنوح وبرود العاطفة والاحباط والوسواس من ناحية أو المغالاة في الاعتماد علىٰ الغير والسلوك المدلّل وضعف الشخصية من ناحية أُخرىٰ ) (١).

سادساً : العدالة بين الاطفال

الطفل الأول في الاسرة يكون موضع حب وحنان وعناية من قبل والديه لأنّه الطفل الأول والطفل الوحيد ، فيمنح الاهتمام الزائد ، والرأفة الزائدة ، وتلبّىٰ كثيراً من حاجاته المادية والنفسية ، فنجد الوالدين يسعيان إلىٰ إرضائه بمختلف الوسائل ويوفّرون له ما يحتاجه من ملابس وألعاب وغير ذلك من الحاجات ، ويكون مصاحباً لوالديه في أغلب الاوقات سواء مع الأُم أو مع الأب أو مع كليهما وبعبارة أُخرىٰ يلقى دلالاً واهتماماً استثنائياً ، ومثل هذا الطفل وبهذه العناية والاهتمام ، سيواجه مشكلة صعبة عليه في حالة ولادة الطفل الثاني ، وتبدأ مخاوفه من الطفل الثاني ، لانّه سيكون منافساً له في كلِّ شيء ، ينافسه في حب الوالدين ورعايتهم له ، وينافسه في منصبه باعتباره الطفل الوحيد سابقاً ، وينافسه في ألعابه ،

__________________

(١) اضواء علىٰ النفس البشرية ، للدكتور الزين عباس عمارة : ٣٠٢ ـ دار الثقافة ١٤٠٧ ه‍ ط ١.

٦٧

وتبدأ بوادر الغيرة عليه منذ أول يوم الولادة ، إذ ينشغل الوالدان بالوضع الطارىء الجديد وسلامة الوالدة والطفل ، فاذا لم ينتبه الوالدان إلىٰ هذه الظاهرة ، فان غيرة الطفل الأول ستتحول بالتدريج إلىٰ عداء وكراهية للطفل الجديد ، وينعكس هذا العداء علىٰ أوضاعه النفسية والعاطفية ، ويزداد كلّما انصبّ الاهتمام بالطفل الجديد وأُخرج الطفل الاول عن دائرة الاهتمام ، فيجب علىٰ الوالدين الالتفات إلىٰ ذلك والوقاية من هذه الظاهرة الجديدة ، وابقاء الطفل الاول علىٰ التمتع بنفس الاهتمام والرعاية واشعاره بالحب والحنان ، وتحبيبه للطفل الثاني ، واقناعه بانه سيصبح أخاً أو أختاً له يسلّيه ويتعاون معه ، وانه ليس منافساً له في الحب والاهتمام ، ويجب عليهما تصديق هذا الاقناع في الواقع بأن تقوم الأم باحتضانه وتقبيله ويقوم الأب بتلبية حاجاته أو شراء ألعاب جديدة له ، إلىٰ غير ذلك من وسائل الاهتمام والرعاية الواقعية ، والحل الامثل هو العدالة والمساواة بين الطفل الاول والثاني فانها وقاية وعلاج للغيرة والكراهية والعداء وتتأكد أهمية العدالة والمساواة كلمّا تقدم الطفلان في العمر ، إذ تنمو مشاعرهما وعواطفهما ونضوجهم العقلي واللغوي بالتدريج يجعلهما يفهمان معنىٰ العدالة ومعنى المساواة ، ويشخّصان مصاديقها في الواقع العملي ، وقد وردت الروايات المتظافرة لتؤكد علىٰ إشاعة العدالة بين الاطفال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اعدلوا بين أولادكم كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف » (١).

والعدالة بين الاطفال مطلقة وشاملة لكلِّ الجوانب الحياتية التي تحيط

__________________

(١) مكارم الاخلاق : ٢٢٠.

٦٨

بالاطفال في جانبها المادي والمعنوي ، أي في إشباع حاجاتهما الماديّة وحاجاتهما المعنوية للحب والتقدير والاهتمام جاء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنه نظر إلىٰ رجل له ابنان فقبّل أحدهما وترك الآخر ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فهلاّ ساويت بينهما » ) (١) وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ الله تعالىٰ يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم حتىٰ في القُبل » (٢).

وأكّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ العدالة في العطاء والهدية سواء في الأكل والشرب والثياب والالعاب إلىٰ غير ذلك كما جاء في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ساووا بين أولادكم في العطيّة ، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضّلتُ النساء » (٣).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البرّ واللطف » (٤).

والعدالة لا تعني عدم التفضيل بين الاطفال ، فبعض الاطفال يكونون أكثر جاذبية من بعض من قبل الوالدين ، فعن رفاعة الاسدي قال : ( سألت أبا الحسن ـ موسىٰ بن جعفر عليه‌السلام ـ عن الرجل يكون له بنون وأُمهم ليست بواحدة ، أيفضل أحدهم علىٰ الآخر ؟ قال عليه‌السلام : « نعم ، لا بأس به ، قد كان أبي عليه‌السلام يفضلّني علىٰ أخي عبدالله » ) (٥).

والتفضيل يجب أن يكون مستوراً لا يظهره أمامهما ويحتفظ به في

__________________

(١) مكارم الاخلاق : ٢٢١.

(٢) كنز العمّال ١٦ : ٤٤٥ / ٤٥٣٥٠.

(٣) كنز العمّال ١٦ : ٤٤٤ / ٤٥٣٤٦.

(٤) كنز العمّال ١٦ : ٤٤٤ / ٤٥٣٤٧.

(٥) مكارم الاخلاق : ٢٢١.

٦٩

مشاعره القلبية ، أمّا في الواقع فلا يعمل إلاّ بالعدالة والمساواة ، كما قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام : « قال والدي : والله لأصانع بعض ولدي وأجلسه علىٰ فخذي وأكثر له المحبّة ، وأكثر له الشكر ، وانّ الحق لغيره من ولدي ، ولكن محافظة عليه منه ومن غيره لئلا يصنعوا به ما فعل بيوسف اخوته » (١) لأن عدم العدالة له تأثيره السلبي علىٰ نفسية الاطفال تؤدي إلىٰ زرع روح الكراهة والبغضاء بينهم وتؤدي بهم في النتيجة إلىٰ العداء المستحكم ، واتخاذ الموقف غير السليم كما فعل اخوة يوسف به حينما ألقوه في البئر.

وقد كانت السيرة قائمة علىٰ أساس إشاعة العدالة بين الاطفال سواء كانوا أخوة أو أرحام ، فعن عبدالله بن عبّاس قال : ( كنت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلىٰ فخذه الايسر إبنه ابراهيم وعلىٰ فخذه الايمن الحسين بن علي ، وهو تارة يقبّل هذا وتارة يقبّل هذا ) (٢).

فإبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسين ابن بنته ، ومع كلِّ هذهِ الاختلافات في الروابط فانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يفرّق في المعاملة بينهما.

وفي رواية ( كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي فجاء الحسن والحسين فارتدفاه ، فلما رفع رأسه أخذهما أخذاً رفيقاً فلمّا عاد عادا ، فلما انصرف أجلس هذا علىٰ فخذه الأيمن وهذا علىٰ فخذه الأيسر ) (٣).

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب علىٰ المنبر فجاء الحسن والحسين

__________________

(١) مستدرك الوسائل ١٢ : ٦٢٦.

(٢) بحار الانوار ٤٣ : ٢٦١.

(٣) بحار الانوار ٤٣ : ٢٧٥.

٧٠

يمشيان ويعثران ( فنزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ) (١).

ومن مصاديق العدالة والمساواة هو عدم إقامة المقارنة بين الاطفال ، في صفاتهم الجسمية والمعنوية والنفسية ، فلا يصح ان يقال فلان أجمل من فلان ، أو أذكىٰ منه أو أكثر خُلقاً منه لانّها ستكون منبعاً للحقد ، لانّ المقارنة بين الاطفال تؤدي إلىٰ ( الغيرة من بعضهم وإلىٰ التنافس ) (٢).

والمقارنة تؤدي إلىٰ فقدان الثقة بين الاشقاء والعكس صحيح ( عدم التفرقة في المعاملة هو أكبر دعامة لخلق جو من الثقة المتبادلة بينه وبين سائر أفراد العائلة ) (٣).

ونلاحظ عند كثير من الآباء مواقفَ غير مقصودة بأن يقول : ان ابني فلان يشبهني ، وفلان لا يشبهني ، فحتى هذه المقارنة تعمل عملها في الغيرة والتنافس ، والافضل اجتنابها.

ومن العدالة هو عدم التمييز بين الولد والبنت ، لانّ التميز يؤثر تأثيراً سلبياً علىٰ نفسية البنت ، وعلىٰ زرع العداوة والحقد بين الاخت وأخيها ، وهذه ظاهرة شائعة في أغلب البلدان ، حيثُ يميل الابوين إلىٰ الابن أكثر من ميلهما إلىٰ البنت ، ويلبيّان مطاليب الولد أكثر من مطاليب البنت ، ولغرض التقليل من شأن هذهِ الظاهرة جاءت الروايات لتعطي للبنت عناية استثنائية وتمرّن الابوين عليها كما جاء عن ابن عباس عن رسولً

__________________

(١) بحار الانوار ٤٣ : ٢٨٤.

(٢) حديث إلىٰ الامهات : ٦٨.

(٣) قاموس الطفل الطبي : ٢٧٤.

٧١

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلىٰ عياله كان كحامل صدقة إلىٰ قوم محاويج ، وليبدأ بالاناث قبل الذكور.. » (١).

والبدء بالاناث لا يولّد أي تأثير سلبي علىٰ الطفل الابن ، لانّه يراه أمراً طبيعياً فلابدّ من تقديم أحدهم ، وغالباً ما يسكت الطفل ولا يلتفت إلىٰ التمييز إنْ حصل علىٰ عطاء والديه ، سواء كان العطاء أولاً أو ثانياً.

والعدالة بين الاطفال لا تعني ان لا نتخذ اسلوباً للتشجيع بان تخصص هدية إضافية لمن يعمل عملاً صالحاً ، فان ذلك ضروري لتشجيع الطفل علىٰ السلوك الصالح ، وقد ينفع في إقامة المنافسة المشروعة بين الاطفال لا تؤثر علىٰ نفسياتهم بصورة سلبية ، بل يجدونها أمراً مشروعاً وحقاً طبيعياً ، وعلىٰ الوالدين التعامل بحذر في مثل هذه الحالة بالتعرّف علىٰ نفسية أطفالهم ، وابتكار الاساليب الناجحة في التشجيع المنسجمة مع حالاتهم النفسية التي لا تؤدي إلىٰ الشعور بعدم العدالة.

ومهما تحققت العدالة والمساواة بين الاطفال فانّها لا تستطيع إنهاء بعض المظاهر السلبية كالشجار والصراع بين الاطفال ، وهي ظاهرة طبيعية تحدث بين الاطفال في كلِّ أو أغلب الاسر ، فتحدث حالات من النقاش الحاد أو الاشتباك بالايدي بين الاطفال ، ويتهم أحد الاطفال أخاه أو اخته بانه المقصر في حقه أو البادىء في العدوان عليه ، وفي مثل هذه الحالة علىٰ الوالدين ان يدرسا المشكلة دراسة موضوعية وان ينظرا إلىٰ الشجار والصراع بانّه حالة طبيعية ، فاذا كان سهلاً وبسيطاً ومحدوداً ، فالافضل عدم التدخل في إنهائه ، وان يترك الاطفال يعالجون أمورهم بأنفسهم

__________________

(١) مكارم الاخلاق : ٢٢١.

٧٢

لانهاء الشجار ، وليس صحيحاً ان يدخل الوالدان أو أحدهما كقاضي في الحكم بينهما ، لانّ الحكم لأحد الاطفال دون الآخر لا ينسجم مع مبدأ تطبيق العدالة والمساواة مع الاطفال ، امّا اذا تكرر الشجار والصراع عدة مرّات أو كان مستمراً طول النهار ، أو كان قاسياً وخطراً علىٰ الاطفال ، يأتي دور الابوين في التدخل لانهائه ، باصدار الاوامر لكليهما بالتوقف السريع عن الاستمرار به ، أو إلفات نظرهم إلىٰ موضوع آخر ، واشغالهم به ، أو التدخل لابعاد أحدهم عن الآخر ، واذا تطلّب الأمر استخدام التأنيب أو العقوبة المعنوية فالافضل ان تكون موجهة لكليهما انسجاماً مع تطبيق العدالة بين الاطفال.

سابعاً : الحرية في اللعب

اللعب استعداد فطري عند الطفل يتم من خلاله التخلّص من الطاقة الزائدة وهو مقدمة للعمل الجدي الهادف ، وفيه يشعر الطفل بقدرته علىٰ التعامل مع الآخرين ، وبمقدرته اللغوية والعقلية والجسدية ، ومن خلاله يكتسب الطفل المعرفة الدقيقة بخصائص الاشياء التي تحيط به ، فللعب فوائد متعددة للطفل وهو ضروري للطفل في هذه المرحلة والمرحلة التي تليها ، فالطفل ( يتعلم عن طريق اللعب عادات التحكم في الذات والتعاون والثقة بالنفس... والالعاب تضفي علىٰ نفسيته البهجة والسرور وتنمي مواهبه وقدرته علىٰ الخلق والابداع ) (١).

ومن خلال اللعب يتحقق ( النمو النفسي والعقلي والاجتماعي

__________________

(١) قاموس الطفل الطبّي : ٢٢١ ـ ٢٢٢.

٧٣

والانفعالي للطفل... ويتعلم الطفل من خلاله المعايير الاجتماعية ، وضبط الانفعالات والنظام والتعاون... ويشبع حاجات الطفل مثل حب التملك... ويشعر الطفل بالمتعة ويعيش طفولته ) (١).

فاللعب حاجة ضرورية للطفل ، فلا يمكن أن نتصور أو نرىٰ طفلاً لا يلعب ، وحتى الانبياء والصالحين فانهم مرّوا في مرحلة اللعب وان اختلفوا عن الآخرين في طريقة واسلوب اللعب ، ولذا جاءت الروايات لتؤكد علىٰ اشباع هذه الحاجة قال الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : « دع ابنك يلعب سبع سنين... » (٢).

ووردت رواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتعبير آخر « الولد سيّد سبع سنين... » (٣).

وعن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام : « يرخى الصبي سبعاً... » (٤).

فالروايات تؤكد علىٰ ان مرحلة ما قبل الثامنة من العمر هي مرحلة اللعب ، وعلىٰ الوالدين ان يمنحا الطفل الحرية في اللعب دون ضغط أو إكراه ، باستثناء الالعاب الخطرة التي يجب إبعادها عن الطفل أو ابعاده عنها.

والحرية في اللعب تعني عدم تدخل الوالدين في اختيار وقت اللعب

__________________

(١) العلاج النفسي الجماعي للاطفال ، لكاميليا عبدالفتاح : ١٦٢ ـ مكتبة النهضة المصرية ١٩٧٥ م.

(٢) مكارم الاخلاق : ٢٢٢.

(٣) مكارم الاخلاق : ٢٢٢.

(٤) مكارم الاخلاق : ٢٢٣.

٧٤

أو نوعه أو اسلوبه ، ما دام اللعب لا ينافي الاخلاق العامة ولا خطورة فيه علىٰ الطفل أو علىٰ الآخرين ، والطفل في هذه المرحلة لا يحبذ تدخل الوالدين في شؤونه ، ولا يحبّذ كثرة الأوامر الصادرة اليه.

وأفضل اللعب عند الطفل هو اللعب الذي يختاره ، أو يصنعه بنفسه ، أو يكتشف بنفسه طريقة جديدة للعب ، أو طريقة خاصة لاستعمال اللعب ، ومن الافضل للطفل أن يقوم الوالدان بتوفير اللعبة التي يحتاجها الطفل ، وتكون منسجمة مع رغباته يقول الدكتور سپوك : ( اننا يجب ان نترك للاطفال إدارة شؤون ألعابهم حتىٰ يستطيعوا التعلم منها... لابد ان نترك له قيادة الامر بنفسه ، وان يتبع ما يقوله له خياله ، بهذا فقط تصبح اللعبة مفيدة ، انها يجب ان تكون معلّمة له ، ولابدّ ان يخضعها لافكاره ، وعندما يجد نفسه في حاجة إلىٰ مساعدة أحد الوالدين لادارة الكمية من المشاكل الطارئة مع لعبته ، فلابدّ أن يساعده الوالدان ) (١).

ويؤكد جميع علماء النفس والتربية علىٰ حرية الاطفال في اللعب ( اذا حاول الاطفال رسم برنامج خاص لهم في أعمالهم فلا تمنعوهم من ذلك ، لانّ مواصلة تطبيق خطّة مرسومة دون وقوف العوائق في طريق ذلك عامل فعّال في تكوّن الشخصية عندهم ) (٢).

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشجّع الحسن والحسين علىٰ المصارعة بينهما فانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل ذات ليلة بيت فاطمة عليها‌السلام ومعه الحسن والحسين عليها‌السلام فقال لهما :

__________________

(١) مشاكل الآباء : ١٠٦.

(٢) الطفل بين الوراثة والتربية ٢ : ٦٤ ، عن كتاب نحن والابناء ٥٦.

٧٥

« قوما فاصطرعا... » (١).

وعن صفوان الجمال قال : ( ... اقبل أبو الحسن موسىٰ ، وهو صغير ومعه عناق مكيّة ، وهو يقول لها : اسجدي لربّك ، فأخذه أبو عبدالله عليه‌السلام وضمّه إليه.. ) (٢).

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمنح الحرية الكاملة للحسن والحسين في التعامل معه ، فكان الحسن والحسين أحياناً ( يركبان ظهر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويقولان : حَلْ حَلْ ، فيقول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نعم الجمل جملكما ) (٣).

ومثل هذه العملية تتكرر في علاقة الطفل مع أبيه إذ يقوم الاطفال بالركوب علىٰ ظهر أحد الوالدين في الصلاة ، ولذا يجب علىٰ الوالدين عدم تعنيف الطفل علىٰ ذلك وترك الحرية له ، فانه سيتركها بمرور الزمن.

وقد يفهم من بعض الروايات إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسهّل مثل هذهِ العملية وان كانت علىٰ مرأىٰ المجتمع ، فعن عبدالله بن الزبير قال : ( انا أحدّثكم بأشبه أهله إليه وأحبهم اليه الحسن بن عليّ ، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو ظهره ، فما ينزله حتىٰ يكون هو الذي ينزل ، ولقد رأيته يجيء وهو راكع ، فيفرج له بين رجليه حتىٰ يخرج من الجانب الآخر ) (٤).

__________________

(١) بحار الانوار ١٠٣ : ١٨٩.

(٢) الكافي ١ : ٣١١ / ١٥ باب ٧١ من كتاب الحجة.

(٣) بحار الانوار ٤٣ : ٢٩٦.

(٤) مختصر تاريخ دمشق ٧ : ١٠.

٧٦

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشارك الحسن والحسين في فعلهما ، ومشاركته لا تعني التدخل في شؤونهما ، وانّما يشارك متصرفاً كانّه أحدهما ( فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبرك للحسن والحسين ويخالف بين أيديهما وأرجلهما ، ويقول : « نعم الجمل جملكما » ) (١).

ومشاركة الوالدين أو أحدهما للاطفال في اللعب ضروري جداً وهي من ( أهم العوامل لتنمية قدرات الطفل وأهمها ان يصبح مستقلاً وقويّ الشخصية ) (٢).

وأفضل طرق المشاركة في اللعب أن يتكلم الوالدان مع الاطفال بالكلمات والعبارات التي يفهمونها والمتناسبة مع مستواهم اللغوي والعقلي ، وبمعنىٰ آخر أن يتصرّف وكأنّه طفل ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من كان عنده صبي فليتصابَّ له » (٣).

وقد أكّد علماء التربية هذه الحقيقة ، يقول موريس تي يش : ( يجب أن تسلكوا مع أولادكم كأصدقاء ، أن تعملوا معهم ، أن تشاركوهم في اللعب... أن تتحدثوا معهم بعبارات الودّ والصداقة... إنّ الفرد يجب أن يعرف كيف يجعل نفسه بمستوىٰ الاطفال ويتكلم بلغة يفهمونها ) (٤).

واللعب مع الاطفال يمنحهم الاحساس بالمكانة المرموقة ويُدخِل عليهم البهجة والسرور فيجب ( علىٰ الكبار الخضوع لرغبة الصغار إذا

__________________

(١) مستدرك الوسائل ٢ : ٦٢٦.

(٢) قاموس الطفل الطبي : ٢٢٢.

(٣) من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣١٢ / ٢١ باب فضل الاولاد.

(٤) الطفل بين الوراثة والتربية ٢ : ٩٧.

٧٧

طلبوا منهم اللعب معهم ) (١).

واللعب وسيلة من وسائل التربية والاعداد للعمل الجدي فهو ( وسيلة لفهم نفسيات الاطفال ، والوقوف علىٰ استعداداتهم ، ووسيلة لتعليمهم وتربيتهم اجتماعياً وخلقياً ) (٢).

ويعتبر لعب الاطفال تعبيراً حقيقياً عن سلوكهم السوي أو المضطرب ( فالطفل أثناء لعبه يعبر عن مشكلاته وصراعاته التي يعاني منها ، ويسقط ما بنفسه من انفعالات تجاه الكبار علىٰ لعبه ) (٣).

ومن هنا فعلىٰ الوالدين مراقبة الاطفال في لعبهم دون أنْ يشعروا بالمراقبة ، فسيحصلون علىٰ معلومات متكاملة عن جميع الجوانب لدىٰ الطفل ، في التفاعل الاجتماعي بينهم ، وملاحظة الاحاديث والانفعالات التي تصاحب اللعب ، وملاحظة اسلوب تعبير الطفل عن رغباته وحاجاته ومخاوفه ومشكلاته ، وخصوصاً في حالة التكرار المتزايد ، وملاحظة سلوك الاطفال من حيثُ اللين والعنف ، والاضطرابات العاطفية ، وملاحظة آرائه بوالديه ، وخصوصاً في حالة تمثيل الطفل لدور الأب أو دور الأم ، ومن خلال المراقبة والملاحظة يمكن التعرّف علىٰ نموه اللغوي والعقلي والعاطفي ، ويأتي دور الوالدين بعد المراقبة في وضع منهج متكامل للتوجيه والتربية ينسجم مع حالة الطفل العاطفية والنفسية والعقلية.

__________________

(١) قاموس الطفل الطبي : ٣١٧.

(٢) علم النفس اسسه وتطبيقاته التربوية ، للدكتور عبدالعزيز القوصي : ٢٣٩ ـ ١٩٧٨ م ط ٨.

(٣) علم النفس العلاجي ، للدكتور اجلال سري : ١٥٢ ـ عالم الكتب ١٩٩٠ ط ١.

٧٨

والملاحظة والمراقبة غير المباشرة تجدي نفعاً أكثر من الملاحظة والمراقبة المباشرة عن طريق المشاركة في اللعب ، لأنّ الطفل في هذهِ الحالة المباشرة يخفي كثيراً من عواطفه وآرائه وتصوراته خجلاً من والديه أو خوفاً منهم.

ثامناً : التربية الجنسية وإبعاد الطفل عن الاثارة

التربية الجنسية من أصعب وأعقد أنواع التربية ، وهي من الظواهر التي تسبب إحراجاً للوالدين ، وتتنوع طريقة التربية تبعاً للمنهج الذي يتبنّاه الوالدان وتبعاً للعادات والتقاليد الحاكمة علىٰ المجتمع ، وتبعاً لدرجة الادراك والوعي التي يحملها الوالدان ، ولذا نجد إفراطاً أو تفريطاً في كثير من أساليب التربية الجنسية ، والطفل سواء كان ذكراً أم انثىٰ يبدأ بالتساؤل عن كثير من الامور المتعلقة بالجنس ، فيتساءل عن كيفية خلقه في بطن أُمّه ، واختصاص الاُم بالحمل دون الأب ، وكيفية الولادة ، ويتساءل عن عدم الحمل عند الطفلة الصغيرة أو المرأة غير المتزوجة ، ويتساءل عن الفرق بين الذكر والانثىٰ وعن سببه ، اضافة إلىٰ العديد من الاسئلة ، ومن العقل والحصانة أن يعتبر الوالدان أنّ هذهِ الاسئلة طبيعية ، فلا يظهروا مخاوفهم منها ، والافضل عدم منع الطفل من هذه الاسئلة لانّه سيبحث عن الاجابة من غير الوالدين فتسبب له اتعاباً وانزعاجات وقلقاً ان كانت إجابات غير شافية أو اجابات صريحة ، فعلىٰ الوالدين ان يكونا علىٰ استعداد تام لمساعدة الطفل باجابات معقولة مريحة تشبع فضولهم وتقطع تساؤلاتهم بعد الاقناع والوثوق بها ، علىٰ أن تكون منسجمة مع فهم الطفل وادراكه ودرجة تقبله ، وعلىٰ سبيل المثال ان سأل عن الحمل

٧٩

فيكون الجواب ( ان الله تعالىٰ يضع الطفل في بطن امه ) ، وان سأل علىٰ الاختلاف بين الجنسين يكون الجواب ( أنتَ مثل والدك ، وأنتِ مثل والدتك ) أو يقال له : ( لقد خلق الله الاولاد مختلفين عن البنات ) ، وان تكون الاجابة بشكل طبيعي بعيداً عن القلق والاضطراب بل بشكل هادىء لا يفهم الطفل من خلالها انّ سؤاله والجواب عنه غير طبيعي لأنه يدفعه للبحث بنفسه عن الجواب.

وهنالك رغبات عند الاطفال يجب أنْ تُعالج بصورة هادئة ومرنة دون تزمّتٍ باستخدام التأنيب أو الضرب ، ففي المرحلة التي تقع بين السنة الثالثة والخامسة أو السادسة من العمر يميل الاطفال إلىٰ ( التلذذ بعرض أجسامهم من حين لآخر ) (١).

وبعض الاطفال يعبثون باللعب بأعضائهم التناسلية ، فعلىٰ الوالدين إبعادهم عن ذلك بالاسلوب الهادىء واشغالهم بشيء آخر ، وعليهم أن لا يتعرّوا أمام الاطفال ، فان معظم الاطباء النفسيين قرّروا من واقع خبراتهم وتجاربهم ( ان عري الابوين وكشفهم لما يجب أن يستر ، أمر مزعج للطفل ) ، ويعلّق الدكتور سپوك علىٰ ذلك قائلاً : ( اقترح علىٰ كلِّ الآباء والامهات ، ان يراعوا ذلك ويستروا ما يجب أن يستر إلىٰ الحد المعقول في وجود الطفل دون أن يحيطوا الأمر بهالات الانزعاج العفوية التي تحدث في كلِّ اسرة ) (٢).

وأغلب الاطفال في مرحلة الطفولة المبكرة من العام الرابع حتىٰ

__________________

(١) مشاكل الآباء : ٢٨٢.

(٢) مشاكل الآباء : ٢٨٣.

٨٠