الصوت اللغوي في القرآن

الدكتور محمد حسين علي الصّغير

الصوت اللغوي في القرآن

المؤلف:

الدكتور محمد حسين علي الصّغير

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار المؤرّخ العربي
نسخة غير مصححة

١

٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

هذا بحث قد يكون جديداً في موضوعه ، أو أصيلاً في نتائجه ، ولا أدعي ذلك كوني صاحب هذا البحث ، أو كاتب فصوله المتواضعة ، ولكن طرافة موضوعه ، وجدة مباحثه ، ودقة تطبيقاته ساقت لمثل هذا الادعاء.

هناك جدبٌ حضاري لدى جملة من المثقفين ، وطائفة من المستشرقين ، يوحي بأصالة النظريات النقدية والفنية واللغوية في الدراسات الأوروبية ، دون ريادة لحضارة الأمة العربية التي أسست معالم الثقافة والفن والإبداع.

وقد جاء هذا البحث مؤصلاً للنظرية العربية في علم الأصوات : phonetics التي تطورت فيما بعد للتخصص في علم الصوت الوظيفي : التشكيلي phonology وكان مجال ذلك تطبيقاً وتنظيراً في أرقى نصّ عربي ؛ وهو القرآن الكريم ، لذلك فالصوت اللغوي في حياة التراث ليس جديداً ، ولكنه في القرآن ـ فيما أزعم ـ يوحي بالجدة والطرافة والحداثة.

فالقرآن كتاب الله العظيم ، ومعجزة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخالدة ، وتطبيق البحث الصوتي قرآنياً ، فيه صعوبة ومعاناة ، وتسخير مفاهيم الصوت للقرآن ليس أمراً يسيراً ، فالقرآن وهو عربي العبارة يتسع لمئات الجزئيات في العربية ، والعربية وهي عالمية اللغة تسير مع العالم في أصواته السابحة ،

٥

فاللغات أصوات ، ومهمة هذا البحث ضم هذه المفاهيم في وحدة فنية لا تنفصل ، فخاض غمار هذا الموضوع الشائك ، وخرج بجملة صالحة من النتائج والكشوف التي أرجو متفائلاً أن تضيف شيئاً ما للمكتبة القرآنية بخاصة ، والمكتبة العربية بعامة ، والمكتبة الصوتية في العالم مطلقاً.

إن التماس النظريات الصوتية المعقدة في رحاب القرآن العظيم مما يحتاج إلى الصبر والأناة ، واستكناه فصائل هذا الملحظ الدقيق مما يدعوا الى الترصد والتصدي والاستنتاج ، فالصوتيات علم سبق إليه علماء العربية فيما ثبت بالبحث ، وتناوله الأوروبيون بالنقد والتمحيص في ضوء أجهزة العلم المتطورة ، وكان حصيلة هذا السبق وهذا التناول المزيد من الدراسات المنهجية المتقدمة التي ما زال للبحث فيها فضل استزادة وريادة ، وللباحث فيها موطن تشبث واستقراء. بيد أن إخضاع هذه المقاييس الفنية في الأشكال ، والموازين الصوتية في القياسات لمحكم الآي المجيد لا يتأتي بيسر وسماح ، ولا يتم بتجوال مجمعي بسيط ، فليس السبيل معبدا ، ولا المعالم من الوضوح بحيث تُستوعب استيعاب المسلمات البديهية ، فقد تتخلل هذا وذاك العقبات التنظيرية ، وقد تعيقه قلة المصادر والموارد ، فيبقى الفكر متكلاً على عبقريته في الإبداع ، والبحث معتمداً على سجيته في الاستنباط ، والباحث بينهما قد يخطىء ويصيب ، والأسنّة من حوله مشرعة ، فهو بأزاء مقارنة صعبة ، وخيارات أهونها ذو عسرة وشدة متصلتين ، حتى ليضيق ـ أحياناً ـ بالحديث حذر المتاهات ، وتجاوز صلب الموضوع.

ومهما يكن من أمر ما قدمناه ، فقد ترعرع هذا البحث المستفيض في خصائص الصوت القرآني وملامحه ومميزاته فيما لم يسبق إليه صوتياً في ستة فصول انتظمت شمل هذا الكتاب ، أشير إليها هنا بالتسمية ، وأحيل معها على خاتمة البحث في استلهام النتائج ، واستقراء الحقائق التي أرجو أن أفيد منها ويفيد الجيل ما نتبصر به بين يدي كنوز القرآن ، ومكنونات التراث ، وفضل العربية على اللغات :

الفصل الأول ، وعنوانه : ( أبعاد الصوت اللغوي ).

وقد تناول بالبحث المركز المفردات الآتية :

٦

١ـ مصطلح الصوت اللغووي.

٢ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين.

٣ـ تطور الصوت اللغوي.

٤ـ نظرية الصوت الغوي.

الفصل الثاني ، وعنوانه : ( منهجية الدرس الصوتي ).

وقد تناول بالبحث المنهجي المفردات الآتية :

١ ـ الخليل بن أحمد ومدرسته الصوتية.

٢ـ الصوت في منهجة سيبويه.

٣ـ الفكر الصوتي عند ابن جني.

٤ـ القرآن والصوت اللغوي.

الفصل الثالث ، وعنوانه: ( البحث اللغوي في فواتح السور القرآنية ).

وقد تناول بالبحث والتمحيص المفردات الآتية :

١ ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي.

٢ ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني.

٣ ـ جدولة الصوت اللّغوي في فواتح السور عند الزمخشري.

٤ ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي.

٥ ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات.

الفصل الرابع ، وعنوانه : ( الصوت اللغوي في الأداء القرآني ).

وقد كشف المفردات الآتية :

١ ـ أصول الأداء القرآني.

٢ ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني.

٧

٣ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني.

٤ ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني.

٥ ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام.

الفصل الخامس ، وعنوانه: ( الصوت اللغوي في فواصل الآيات القرآنية ).

وقد تناول بالبحث التحليلي المفردات الآتية :

١ـ مصطلح الفاصلة في القرآن.

٢ ـ معرفة فواصل القرآن صوتياً.

٣ ـ ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات.

٤ ـ الإيقاع الصوتي في موسيقي الفواصل.

الفصل السادس ، وعنوانه : ( الدلالة الصوتية في القرآن ).

وقد تناول مظاهر الدلالة الصوتية ، ولمس أبعادها المتشعبة في المفردات الآتية :

١ ـ دلالة الفزع الهائل.

٢ـ الاغراق في مدّ الصوت واستطالته.

٣ ـ الصيغة الصوتية الواحدة.

٤ ـ دلالة الصدى الحالم.

٥ ـ دلالة النغم الصارم.

٦ ـ الصوت بين الشدة واللين.

٧ ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب.

وكانت خاتمة البحث في إجمال النتائج التي توصل إليها. واقتضت طبيعة البحث المتنوعة أن تكون مصادره القديمة ومراجعة الحديثة ذات أصناف ثلاثة :

٨

أ ـ كتب الأصوات قديمها وحديثها ، عربيها وأوروبيها.

ب ـ كتب علوم القرآن والتفسير والقراءات.

جـ ـ كتب اللغة والتراث والأدب والبلاغة والنقد. وبعد ، فلا أدعي لهذا البحث الكمال ، ولا لمباحثه الشمولية والاستيعاب ، ولكنه جذوة من ألف القرآن الهادي ، ونفحة من عبيره الفياض ، وضع شاخصاً في معالم الطريق ، عسى أن ينتفع به الناس وأنتفع : « يوم لا ينفع مال وولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم » وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

النجف الأشرف

الدكتور محمد حسين علي الصغير

أستاذ في جامعة الكوفة

٩

١٠

الفصل الأول

أبعاد الصوت اللغوي

١ ـ مصطلح الصوت اللغوي

٢ ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين

٣ ـ تطوّر الصوت اللغوي

٤ ـ نظرية الصوت اللغوي

١١

١٢

مصطلح الصوت الغوي :

الصوت لغة : الجرس ، والجمع أصوات : قال ابن السكّيت : الصوت صوت الإنسان وغيره ، والصائت : الصائح ، ورجل صيّت : أي شديد الصوت (١).

ورجل صائت : حسن الصوت شديده.

وكل ضرب من الأغنيات صوت من الأصوات (٢).

وتعريف الصوت مرتبط بأبعاده وموارده ، ومتعين بتقييده بمراده ، وقد أعطى الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) خلاصة دقيقة لهذه المصادر، بعد اعتباره الصوت الهواء المنضغط عن قرع جسمين ، وهما ضربان :

صوت مجرد عن تنفس بشيء كالصوت الممتد ، وتنفس بصوت ما. والمتنفس نوعان : غير اختياري كما يكون من الجمادات والحيوانات. ونوع اختياري كما يكون من الإنسان ، وهو ضربان :

١ ـ ضرب باليد كصوت العود وما يجري مجراه.

٢ ـ ضرب بالفم في نطق وغير نطق.

فالمنطوق منه : إما مفرد من الكلام ، وإما مركب كأحد الأنواع من

__________________

(١) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : صوت.

(٢) الخليل ، كتاب العين :٧ | ١٤٦.

١٣

الكلام. وغير النطق : كصوت الناي (١).

وقد ثبت علمياً أن الصوت اهتزازات محسوسة في موجات الهواء ، تنطلق من جهة الصوت ، وتذبذب من مصانعه المصدّرة له ، فتسبح في الفضاء حتى تتلاشى ، يستقر الجزء الأكبر منها في السمع بحسب درجة تذبذبها ، فتوحي بدلائلها ، فرحاً أو حزناً ، نهياً أو أمراً ، خبراً أو إنشاء ، صدى أو موسيقى ، أو شيئاً عادياً مما يفسره التشابك العصبي في الدماغ ، أو يترجمه الحس المتوافر في أجهزة المخ بكل دقائقها ، ولعل في تعريف ابن سينا ( ت : ٤٢٨ هـ ) إشارة إلى جزء من هذا التعريف ، من خلال ربطه الصوت بالتموج ، واندفاعه بسرعة عند الانطلاق ، فهو يقول : « الصوت تموج الهواء ودفعه بقوة وسرعة من أي سبب كان ».(٢).

ولا كبير أمر في استعراض تمرس علماء العربية بهذا النمط من الدراسات والتحديدات ، وهذا النحو من تلمس الصوت فيزيائياً ، وقياس سرعته ومساحته أمواجياً فقد سبق إليه جملة من الباحثين.(٣).

والصوت غنائياً : تعبير عن كل لحن يردد على نحو خاص من الترجيع في الشعر العربي له طريقة محددة ، ورسم يعرف به ، لأن الأصوات : مجموعة مختارة من أغاني العرب القديمة والمولدة في أشعارها ومقطعاتها » أمر الرشيد المغنين عنده أن يختاروا له مائة صوت منها فعيونها له. ثم أمرهم باختيار عشرة فاختاروها ، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا. وحكي أن هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق المذكورة لا تبقي نغمة في الغناء إلا وهي فيها في ألحان موسيقية ثلاثة هي : لحن معبد ، ولحن ابن سريج ، ولحن ابن محرز ، في جملة من الشعر العربي (٤).

وتسمية هذه الألحان بالأصوات ناظرة إلى الغناء لأنه تلحين الأشعار

__________________

(١) الراغب ، المفردات : ٢٨٨.

(٢) ابن سينا ، أسباب حدوث الحروف : ٧.

(٣) ظ : للتفصيل كلاً من : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ١٢٩ ـ ١٤٥ + خليل العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ٦ ـ ١١ + المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث.

(٤) ظ : أبو الفرج ، الأغاني : ١|٧ وما بعدها.

١٤

الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة ، يوقع كل منها إيقاعاً عند قطعه فتكون نغمة ، ثم تؤلف تلك الأنغام بعضها إلى بعض على نسب متعارفة ، فيلذ سمعها لأجل ذلك التناسب ، وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. وذلك أنه تبين في علم الموسيقي أن الأصوات تتناسب ، فيكون صوت نصف صوت ، وربع آخر ، وخمس آخر ، وجزءاً من أحد عشر من آخر ، واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب (١).

والصوت لغوياً : « عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته ، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً ، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها » (٢).

هذا التعريف لابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) وهو معني بملامح الصوت اللغوي دون سواه ، بدليل تحديده مقاطع الصوت التي تثنيه عن الامتداد والاستطالة ، ويسمى وقفة الانثناء مقطعاً في صيغة اصطلاحية دقيقة ، نتناولها بالبحث في موضعه ، ويسمى المقطع عند الانثناء حرفاً ، ويميز بين الجرس الصوتي لكل حرف معجمي بحسب اختلاف مقاطع الأصوات ، فتلمس لكل حرف جرساً ، ولكل جرس صوتاً.

ولما كانت اللغة أصواتاً يعبر بها كل قوم عن أغراضهم (٣). فالصوت بوصفه لغوياً في هذه الدراسة يعني : تتبع الظواهر الصوتية لحروف المعجم العربي ، وفي القرآن العظيم بخاصة لأنه حقل البحث ، وذلك من حيث مخارج الأصوات ومدارجها ، وأقسامها وأصنافها ، وأحكامها وعللها ، ودلائلها وخصائصها في أحوال الجهر والهمس والشدة والرخاوة ، وملامح صوائتها وصوامتها في السكون وعند الحركة ، وضوابطها في الأطباق والانفتاح ، مما يتهيأ تنظيره من القرآن ، ويتوافر مثاله الفريد من الكتاب ،

__________________

(١) ظ : ابن خلدون ، المقدمة : فصل في صناعة الغناء.

(٢) ابن جني ، سر صناعة الأعراب : ١|٦.

(٣) ابن جني ، الخصائص : ١|٣٣.

١٥

ضمن موازنة محدثة ، ورؤية صوتية معاصرة ، استلهمت التراث في ثرائه ، وتنورت الجديد في إضاءته ، فسارت بين هذين مسيرة الرائد الذي لا يكذب أهله.

ومن هنا فقد توصل هذا البحث إلى أن الأوائل من علماء العربية قد مهدوا بين يدي الأوروبيين جادة البحث المنظم في استكناه الصوت اللغوي ، وأسهموا إسهاماً حقيقياً في إرساء ركائزه الأولى ، مما أتاح لهم فرصة الاستقرار المبكر لحقيقة الأصوات اللغوية ، وسهل عليهم خوض الموضوع بكل تفصيلاته المضنية ، وترويض جماح تعقيداته المتشعبة ، مما سجل للعرب في لغة القرآن أسبقية الكشف العلمي ، والتواصل إلى النتائج التي تواضعت عليها اليوم حركة الأصواتيين العالمية ، بعد المرور بتجربة المعادلات الكاشفة ، والأجهزة الفيزولوجية المتطورة التي أكدت صحة المعلومات الهائلة التي ابتكرها العرب في هذا الميدان. ومصطلح علم الأصوات مصطلح عربي أصيل ، لا شك في هذا لدنيا ، وعلة ذلك : النص على تسميته صراحة دون إغماض ، واستعمال مدلولاته في الاصطلاح الصوتي بكل دقة عند العرب القدامى ، يقول ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) : « ولكن هذا القبيل من هذا العلم ؛ أعني ( علم الأصوات ) والحروف ، له تعلق ومشاركة للموسيقي ، لما فيه من صنعة الأصوات والنغم » (١).

فهو لا ينص عليه فحسب حتى يربطه بالإيقاع الموسيقي والنغم الصوتي ، وكلاهما منه على وجه ، ولا أحسب أن هذه التمسمية الصريحة بهذه الدلالة الاصطلاحية الناصعة قد سبق إليها ابن جنبي من ذي قبل ، فهو مبتدعها وهو مؤسس مصطلحها المسمى : ( phonemics ).

إن نظرة فاحصة في كتابه الجليل « سر صناعة الأعراب » تؤكد بكل جلاء كونه مخططاً حقيقياً لعلم الصوات متكامل العدة والأسباب ، من خلال المفردات الصوتية الفذة التي بحثها وصنف القول فيها ، متبدئاً بتعداد حروف المعجم وضبط أصولها صوتياً ، وإيغاله في وصف مخارج الحروف وصفاً دقيقاً ، وتقسيمه الأصوات إلى الأقسام التي لم يزد عليها علم

__________________

(١) ابن جني ، سرصناعة الاعراب : ١|١٠.

١٦

الصوت الحديث جزءاً ذا بال ، وخوصه لما يعرض على حروف من حذف وترخيم وإعلال وإبدال وإدغام وإشمام ، يضاف إلى هذا رهافة صوتية متأنقة ، وذهنية لغوية وقادة ، تمازج بين اللغة والصوت فتخالهما كياناً واحداً متماسكاً يشد بعضه بعضاً ، ومقارنة هذه المناحي وملاحظتها ، تجده يبتكر مصطلح ( علم الأصوات ) ويضعه موضع البحث الموضوعي الهادف ، لهذا فإن ماتواضع عليه ابن جني من مصطلح علم الأصوات ، يمكن أن يكون الأصل الاصطلاحي الأول لما استقر عليه المصطلح الأوروبي ( الفونولوجي ـ phonology ) : التشكيل الأصواتي ، وهو يعني كل العناية بأثر الصوت اللغوي في تركيب الكلام نحوياً وصرفياً في ضوء الصوت والإيقاع لدى بحثه المصطلح ، والذي تطور فيما بعد للكشف عن الأصوات الإنسانية العالمية المجهولة ، ووضع لذلك مصطلحه الحديث ( الفوناتكس ـ phonetics ).

تقسم الصوت بين العرب والأوروبيين :

لقد اتسم العرب بدقة الملاحظة ، وسلامة الحس الفطري ، في تذوق الأصوات ، فقسموا الحروف إلى طائفتين صوتيتين :

الأصوات الصائتة ، والأصوات الصامتة. فحروف العلة في المعجم العربي وهي : الياء والواو والألف من الصوائت ، وبقية حروف المعجم من الصوامت ، وقد أدركوا جميع الملامح التي ميزت بين هذه الأصوات ، فانقسمت عندهم إلى مجهورة ومهموسة تاره وإلى رخوة وشديدة تارة أخرى ، وإلى أسنانية ولثوية مرة ، والى حنكية ولهوية مرة ، ومن ثم تجد الإشارات الصوتية في كل ملحظ من ملاحظ الأصوات المترامية لدى التقسيم.

يقول الأستاذ ( كاردنر ـ W. H.T. cairdener ) : « لقد سبق العلماء العرب الأصواتيين المحدثين في تصنيف الأصوات حيث أشاروا إلى الأصوات الأسنانية والحنكية واللهوية واللثوية من الصوامت ، وقدموا ملاحظاتهم المضبوطة عن المواقع الدقيقة للّسان والحنك متمثلة بأصوات متعددة ... وسلموا بصحة اندراجها تحت فصيلتين هما المجهورة والمهموسة ، وللعرب معرفة كبيرة بالتقسيم الثاني الأساسي للأصوات الصحيحة ، حيث يسمّون القسم الأول حروف الشدة ، ويقصدون به

١٧

الأصوات الصحيحة المشددة أو المتوترة. أما القسم الثاني فيسمونه حروف الرخاوة ، ويقصدون به الأصوات المرتخية »(١).

وكان من نتائج مسيرة التطور للبحث الصوتي عند الأوروبيين أن قسموا الأصوات اللغوية إلى قسمين رئيسيين :

الأول : كونسونانتس ـ consonants.

الثاني : فزيلز ـ vowels.

ويمكن تسمية القسم الأول بالأصوات الساكنة ، وتسمية الثاني بأصوات اللين ، أو هي : الأصوات الصامتة والأصوات الصائتة (٢). وهذا ما أشار إليه علماء الصوت العرب منذ عهد مبكر لدى اعتبارهم الفتحة والكسرة والضمة ، وألف المدّ ، وياء المدّ ، وواو المدّ : أصوات لين ، وما سواها أصواتاً ساكنة.

ومع أن الاهتمام العربي المبكر كان منصبّا على الأصوات الساكنة وهي الصامتة ، وقد عبر عنها العلماء برموز كتابية معينة إلا أنهم أشاروا إلى الأصوات اللينة وهي الصائتة ، واعتبروها أبعاض تلك الحروف.

وقد كان ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) سبّاقاً إلى هذا الملحظ بقوله : « إعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين وهي : الألف والواو والياء ، فكما أن هذه الحروف ثلاثة فكذلك الحركات ثلاث وهي : الفتحة والكسرة والضمة.

فالفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمة بعض الواو ، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة : الألف الصغيرة ، والكسرة : الياء الصغيرة ، والضمة : الواو الصغيرة ، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة » (٣).

والدليل على صحة رأي ابن جني أن الحركات إذا أشبعتها أصبحت حروفاً ، فحركة الفتحة إذا أشبعتها ومددتها أصبحت ألفاً ، وحركة الكسرة

__________________

(١) cairdener | The phonetics of Arbic | p. ١٣ - ١٦ باختصار وتصرف.

(٢) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٢٦.

(٣) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|١٩.

١٨

إذا أشبعتها ومددتها أصبحت ياءّ ، وحركة الضمة إذا أشبعتها ومددتها أصبحت واواً.

فكأن ابن جني يشير بذلك إلى التفاوت في كمية النطق ونوعيته ، فما يسمى بالألف عبارة عن فتحة ممدودة ، وما يسمى بالياء عبارة عن كسرة ممدودة ، وما يسمى بالواو عبارة عن ضمة ممدودة ، والعكس بالعكس.

وقد أفاد من هذا الملحظ الدقيق علماء التلاوة والأداء القرآني ، فنظموا قواعدهم تنظيماً اقتطعوه من علم الأصوات في هذا المجال في كل من المد والأشمام ، والإبدال والإعلال ، والترخيم والإدغام فكان « علم التجويد ».

أما الصوامت من الأصوات عند علماء العربية ، فقد وفق د. عبد الصبور شاهين إلى استقرائها بعامة ، فأعطى لكل صامت خصائصه في العربية من حيث المخرج والصفة ، وذلك من خلال متابعة جيدة للمناخ الأصواتي العالمي ، واضعاً نُصب عينيه برمجة العلماء العرب للأصوات ، فصنع جدولاً فنياً وزع فيه الصوامت العربية على مخارجها وصفاتها ، مقارناً ذلك بالقيم الأصواتية المماثلة في اللغات الأوروبية الحية ، بحيث أعطى كل صوت من الصوامت مميزاته الدقيقة بالشكل الفني المقبول ، أنموذج ذلك الأمثلة الثلاثة التالية من تخطيطه المقارن ، والتي اخترناها للتنظير على صحة ما توصل إليه العرب في صفات الأصوات من مخارج مختلفة ، قد تعطي كشفاً لملامح الأصوات.

هذه الأصوات الثلاثة هي : الباء ، اللام ، الشين ، يقول عنها :

١ ـ الباء : صامت شفوي مزدوج ـ إنفجاري ( شديد ) ـ مجهور ـ مرقق. وهو يقابل في اللغات الأوروبية رمز(B) وليس في العربية صامت يقابل الرمز (P) وهو يختلف في قيمته الأصواتية عن باء العربية بالهمس فقط ، مع اتفاق الصوتين في القيم الأخرى.

٢ ـ اللام : صامت أسناني لثوي ـ مائع ( متوسط ) ـ مجهور ـ جانبي ـ مرقق دائماً ؛ إلا في لفظ الجلالة ، فإنه يفخم إذا كان الانتقال إليه من فتح أو ضم ، فأما إذا كان الانتقال من كسر فإنه يرقق على أصله.

١٩

٣ ـ الشين : صامت غاري ملثي ـ إحتكاكي ( رخو ) ـ مهموس ـ مرقق ـ يوصف بالتفشي ، ومعناه أن مخرجه يحتل مساحة كبيرة من منطقة الغار واللثة ، يتصل بها اللسان ، فيكون أثر الاحتكاك في النطق صادراً من نقاط متعددة ، متفشية في الفم (١).

وينقسم الصوت عند الأوروبيين من خلال علاقته المتماسة بالوترين الصوتيين إلى :

أ ـ مجهور ـ voiced وهو الذي يحرك هذين الوترين.

ب ـ مهموس ـ voiceless وهو الذي لا يحركهما.

وهذا نفسه ما ذهب إليه سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) في الكتاب ، وابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) في سر صناعة الإعراب كما سيأتي.

ولا أصل لما قيل إن العلماء العرب قد جهلوا شأن ذبذبة الوترين الصوتيين ، فسيبوية يشير إليهما بدلالة كلامه عليهما وإن لم يصرح بهما. فقد أورد أبو سعيد السيرافي ( ت : ٣٦٨ هـ ) في شرحه لكتاب سيبويه ، أنه قال :

« المهموس إذا أخفيته ثم كررته أمكنك ذلك ، وأما المجهور فلا يمكنك فيه. ثم كرر سيبويه التاء بلسانه وأخفى ، فقال : ألاترى كيف يمكن؟ وكرر الطاء والدال وهما من مخرج التاء فلم يمكن.

قال : وإنما الفرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذي يخرج من الصدر. فالمجهورة كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجري في الحلق ، ؛ أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها ... والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف ، ولا تصل إلى ذلك في المجهور » (٢).

وهذه الإفاضة من سيبويه تتضمن في جملتها خلاصة قيّمة للتفريق بين المهموس والمجهور في مجال إخفاء الصوت. وإخفاء الصوت إنما يتحقق

__________________

(١) ظ : عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات لمالمبرج : الدراسة ١٢٢ ـ ١٢٦.

(٢) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ٤٢ وما بعدها ، وأنظر مصدره.

٢٠