بحوث في الفقه المعاصر - ج ٢

حسن بن محمد تقي الجواهري

بحوث في الفقه المعاصر - ج ٢

المؤلف:

حسن بن محمد تقي الجواهري

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الذخائر
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

كانت السلعة هي الأرض أو الأرض والبذر ـ على قول والعمل من الآخر فهي المزارعة ، وإن كانت السلع عبارة عن الاشجار والنخل والعمل من الآخر فهي المساقاة.

أمّا الأرض لوحدها فتتمكن أن تدخل عملية الكسب على أساس الاُجور إذا كانت محياةً وقلنا إنّ المزارعة هي عبارة عن تقديم الأرض مع البذر أو الآلات.

وهناك المشاركة في المال من الجانبين وكذا العمل منهما فتحصل الشركة في الربح بنسبة المال والعمل ، والخسارة أيضاً بنفس النسبة.

ونحن هنا إذ ننتظر من البنوك الإسلامية أن لا تحدد سيرها الاستثماري على النقد وتداوله ، بل ننتظر منها ومن الشركات الإسلامية أن تدخل مجال الاستثمارات بكافة جوانبها ، وتفتح لها شُعباً خاصة تتولّى عمليات الاستثمار الذي يكون بواسطة العمل أو استخدام ادوات الانتاج أو النقد ، أو الأرض ، وحتى المشاركة مع الآخرين بقسط من الثمن والعمل ؛ حتى تكون بعض أعمالها المربحة معينةً لها ، إذا حصل كساد أو خسارة في جانب آخر وأن تصل الى هدفها من خدمة المجتمع الإسلامي بأعمالها الاستثمارية التي يحتاجها المجتمع.

ولهذا فسوف نبحث الأدوات التي يمكن للبنك الإسلامي أو للشركة التابعة له أو المستقلة أن تسلكها فتستثمر المال الفائض لدى الأفراد أو الأدوات أو العمل أو الأرض فتنتفع وتنفع أصحاب المال وتفيد المجتمع الإسلامي الذي يكون بحاجة الى تطوره ورفاهه وأنْ تقطع أيادي المستثمرين والمرابين الذين يضرّون المجتمع الإسلامي على حساب نفعهم الربوي اللاشرعي.

١ ـ المضاربة الشرعية

وهي عملية إشراك المال والعمل في الانتاج ونسبة من الربح لكل منهما.

١٦١

ولكي تكون المضاربة بدلا عن الربا يحتاج صاحب المال الى ضمان ماله من الضياع والخسارة ، فهل هناك طريق لضمان المال لصاحبه ؟

ضمان ودائع الاستثمار بطرق تتلائم مع أحكام المضاربة الشرعية :

قد يحتاج أصحاب الودائع التي توضع في البنوك الإسلامية على أساس المضاربة الشرعية الى عنصر الاطمئنان على أموالهم من الضياع ، ليكون عاملا مشجِّعاً للركون إلى المضاربة وترك الربا الذي يكون رأس المال فيه مضموناً لدى البنوك الربوية ، فهل هناك طريقة لاطمئنانهم على أموالهم في حالة الخسارة ؟

الجواب : أنّ عملية المضاربة في البنوك الإسلامية تكون على أقسام :

القسم الأول : أن يكون المضارَب هو نفس البنك.

القسم الثاني : أن يكون المضارَب هو جماعة من التجار يكون البنك وسيطاً بينهم وبين أصحاب الأموال.

القسم الثالث : أن يكون المضارَب هو جماعة من التجار بما فيهم البنك.

ففي القسم الأول يكون مقتضى القاعدة الأولية جواز جعل المال على عهدة البنك بعقد مستقل ، أو بشرط في ضمن عقد بنحو ( شرط النتيجة ) (١) او شرط

__________________

(١) المراد من شرط النتيجة هنا الذي يحكم بصحته هو تحصيل الغاية التي لا يشترط في ايجادها سبب خاص ـ كالنكاح والطلاق الذي اشترط الشارع فيهما صيغة خاصة ـ مثل الوصية والوكالة ، كما إذا زوجت المرأة نفسها للزوج بشرط أن تكون وكيلة ومأذونة في طلاق نفسها مطلقاً أو في موارد خاصة كحبس الزوج مدّة معينة ، فالمشروط هنا هو نفس الوكالة ، وكذا إذا اشترطت أن تكون وصية الزوج بالنسبة لثلث ماله أو على اطفاله وكذا إذا اشترط شخص في هبته سقوط الخيار في النكاح ، فهذه الشروط التي هي « شروط نتيجة » هي شروط صحيحة ووردت فيها نصوص شرعية :

١ ـ رواية الحلبي في الباب ٦ من الخيار حديث ٤ ، ج ١٢ من الوسائل : ص ٣٥٣. ورواية موسى بن بكر الباب ٣٠ من أبواب احكام الاجارة : ج ١٣ ، ص ٢٧٧ من الوسائل ، ح ٥.

١٦٢

__________________

٢ ـ رواية معاوية بن ميسرة باب ٨ من الخيار حديث ٣ ، ج١٢ من الوسائل : ص٣٥٥ ، ورواية يعقوب بن شعيب باب ٢٩ من أحكام الاجارة حديث ١٥ ، ج١٣ ، ص٢٧٥.

٣ ـ صحيحة سليمان بن خالد عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « سألته عن رجل كان له أب مملوك وكانت لابيه امرأة مكاتبة قد أدت بعض ما عليها فقال لها ابن العبد : هل لك أن اُعينك في مكاتبتك حتى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار على أبي إذا أنت ملكت نفسك ؟ قالت : نعم ، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك ، قال : لا يكون لها الخيار ، المسلمون عند شروطهم ». وسائل الشيعة : ج ١٦ ، ب ١١ من المكابتة ، ح ١.

ولكنّ هذه الأدلّة قد يقال : إنّها مختصّة بهذه الامثلة التي جاء الدليل الخاص على عدم احتياجها الى سبب خاص ، وحينئذ تبقى عندنا غايات نشك في اعتبار سبب خاص لها شرعاً ، فهل تصح إذا اشترطت على نحو شرط النتيجة ؟

الجواب : قد يستدل لصحة شرط النتيجة بالمعتبرة « المسلمون عند شروطهم » لأنّها تشمل الشرط إذا كان فعلاً أو كان الفعل مترتباً على الشرط ، كما إذا اشتريت بيتاً بشرط أن تكون الثلاجة المعينة هبة لي ، فالمسلمون عند شروطهم يقول : ادفع الثلاجة الى فلان ، وهو معنى صحة شرط النتيجة (*) ، وعلى هذا فالمسلمون عند شروطهم يشمل المشروط الذي يكون حصوله وإنشاؤه بغير الشرط صحيحاً ، وبالشرط لازماً. كما قد يستدل على صحة شرط النتيجة ب‍ « أوفوا بالعقود » لأنّ البيع الذي شرط فيه ملكية الثلاجة المعينة معناه الالتزام بأصل المعاملة والالتزام بالأمر الوضعي ، وبما أنَّ الشرط قد دخل تحت عنوان العقد فاوفوا بالعقود يقول : فِ بالعقد والشرط ، فيكون الشرط صحيحاً.

__________________

(*) قد يقال : إنّ هذا الاستدلال غير صحيح ، لأنّ حديث المسلمون عند شروطهم مقيّد بجملة « إلاّ شرطاً خالف كتاب الله ، أو إلاّ شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً » وعلى هذا فالشرط الذي هو عبارة عن تحصيل الغاية كالهبة والملكية من دون إنشاء أو أن الغاية إذا كانت عبارة عن الملكية بدون عوض ولا مجاناً وانما بالشرط فهل يكون هذا مخالفاً للكتاب والسنة أم لا ؟ وعلى هذا فلا يمكن التمسّك ب‍ « المسلمون عند شروطهم » ، لأنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية لعنوان المخصّص.

وقد أجاب الشيخ الأنصاري قدس‌سره عن هذا الاشكال وخلاصته : امكان اخراج المشكوك عن عنوان المخصّص بواسطة الاصل العملي ، وتقريب ذلك : أنّ الهبة والملكية بدون انشاء ـ مثلاً ـ كان غير مخالف

١٦٣

الفعل ، لما دلّ على نفوذ الشرط والوفاء بالعقد.

ولكن دلّ الدليل في عقد المضاربة بالخصوص على أنَّ الضمان إذا فرض على عامل المضاربة ( البنك أو الشركة ) فهو يستوجب حرمان المالك من الربح ، وتتحوّل العملية من مضاربة الى عقد قرض من صاحب المال إلى البنك أو الشركة ، والدليل هو الروايات ، ففي صحيحة محمد بن قيس عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال : « إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : من اتجر مالاً واشترط نصف الربح فليس عليه الضمان ... ، وقال : مَنْ ضمن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله وليس له من الربح شيء » (١).

ومن هذه الرواية نفهم أن ضمان المال عرفاً لا يجتمع مع استحقاق المالك لشيء من الربح شرعاً ، فالضمان يكون سبباً شرعياً لعدم استحقاق المالك لشيء من الربح ، واستحقاق المالك للربح يكون سبباً لعدم الضمان على العامل في صورة الخسارة ، وهذا معناه التنافي بين الأمرين شرعاً بالنظر العرفي.

ولكن لأجل اعطاء الضمان لأصحاب الأموال كأمر ضروري لسحب الأموال من البنوك الربوية إلى الإسلامية يتمكن البنك أنْ يطلب من بنك آخر

__________________

للكتاب والسنة ولو قبل الكتاب والسنة ، والآن لا نعلم أنّه مخالف للكتاب والسنة ام لا ، فنستصحب عدم المخالفة ، فالشرط في ضمن العقد « وهو أن يكون هذا ملكي بدون انشاء في عقد ما مثلاً » وجداني ، وكونه غير مخالف بالأصل ، فالموضوع محرز.

وقد أشكل جماعة على الشيخ الأنصاري قدس‌سره : بأن الاستصحاب غير صحيح ؛ وذلك لأنّ الحالة السابقة هي سالبة بانتفاء الموضوع ، بمعنى أن الشرط حينما كان غير مخالف للكتاب والسنة لم يكن الشرط موجوداً ، ولكن موضوع وجوب الوفاء هو سالبة بانتفاء المحمول ( السالبة المحصلة ) بمعنى وجود الشرط وعدم مخالفته للكتاب والسنة ، وهذه السالبة المحصلة ليست لها حالة سابقة ، وحينئذ إذا أردنا استصحاب السالبة بانتفاء الموضوع لاثبات السالبة بانتفاء المحمول يكون أصلاً مثبتاً.

وقد ردّ الشيخ النائيني قدس‌سره هذا الإشكال بما لا يسع المقام لذكره في مثل هذه الأبحاث ، فنكتفي بهذا. (١) وسائل الشيعة : ج ١٣ ، ب ٣ من المضاربة ، ح ٢ وب ٤ من المضاربة ح ١ و ح ٢.

١٦٤

ضمان أموال التجار الذين يتعاملون معه في صورة الخسارة ، لقاء ضمانه هو عمليات المضاربة التي يقوم بها البنك الآخر المساويه لعمليات مضاربته ، وهذا البنك الثاني ليس طرفاً في عملية المضاربة ، وممّا لا اشكال فيه أنَّ غير الطرفين في عقد المضاربة يصح له أن يضمن خسارة أصحاب المال بعقد مستقل أو بنحو شرط النتيجة أو شرط الفعل في عقد آخر. وهناك طريقة أيسر من هذه وهي اشتراط تعويض البنك من أمواله الخاصة ما يعادل مقدار الخسارة ، وهو أمر آخر غير تضمين العامل ، وقد أفتى الإمام الخوئي بجواز ذلك (١).

وبهذا التكييف أيضاً يصح ضمان أموال المستثمرين في القسم الثالث الذي يكون البنك واحداً منهم.

أمّا القسم الثاني ـ الذي يكون البنك فيه وسيطاً بين التجار وأصحاب الأموال ـ فقد اتّضح امكان أن يقوم الطرف الثالث ( البنك أو الشركة الاستثمارية ) في ضمان أموال المودعين بعقد مستقل أو بنحو شرط النتيجة أو الفعل ، ولا دليل على بطلان ذلك ، لأنّ ما لا يجوز : عبارة عن ضمان العامل رأس المال ، وما هو ضامن هنا ليس هو العامل ، بل هو طرف وسيط بين المودعين والعمال المستثمرين وهو البنك.

وفي هذا القسم الثاني ـ الذي يكون البنك فيه وسيطاً ـ يتوجّه اشكال حاصله :

إذا قبلنا أنَّ البنك هو طرف اجنبي عن المضاربة حتى يتمكن أن يضمن مال المستثمرين ، فبماذا نكيّف النسبة التي يأخذها البنك من المضاربة مع أنّه ليس مضارباً مع المستثمرين ؟

الجواب : قد يقال : إنّ النسبة من الربح التي يأخذها البنك كوسيط هي اُجرة

__________________

(١) راجع منهاج الصالحين : ج ٢ ، ١٢٥ ، مسألة (٥٦٨).

١٦٥

من قبل المودعين على عمله الذي هو عبارة عن إنجاز المضاربة والإشراف عليها ، ولكن يقف في وجه هذا التكييف أمران :

الأمر الأول : أنّ هذه الاُجرة مجهولة من حيث القدر ، وقد لا تحصل في وقت ما ، وقد اشترط الفقهاء في الاُجرة أن تكون معلومة.

الثاني : أنّ الاُجرة يملكها الأجير بنفس عقد الاجارة ، أمّا في المقام فالنسبة المئويّة من الربح المفترض هو شيء سوف يملكه في المستقبل ، وهو يتنافى مع الاُجرة.

والصحيح ما ذكره الشهيد الصدر قدس‌سره بأنّ هذه النسبة يمكن أن تكون جعالة ، يجعلها المستثمر للبنك إذا أنجز المعاملة وواصل الإشراف عليها الى حين انتهائها ، وهذه الجعالة وإن كانت مجهولةً فهي لا تضرّ بالجعالة ، والجُعْل المقرر في باب الجعالة لا يكون مملوكاً حين إنشاء الجعالة ، بل بعد إنجاز العمل المفروض ، وقد افترضنا في الجعالة أنّ البنك يملك النسبة من الربح إذا انجز المعاملة وأشرف عليها الى نهايتها (١).

وقد وردت روايات تصحح أن يكون الجعل جزءاً من الثمن على تقدير زيادة الثمن على حدٍّ معين ، وهذه الزيادة مجهولة ، وهي غير مملوكة حين الجعل ، وإنّما تكون مملوكة في ظرف انجاز المعاملة ، فمن هذه الروايات :

١ ـ عن محمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال في رجل قال لرجل : « بع ثوبي هذا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك قال عليه‌السلام : ليس به بأس » (٢).

٢ ـ عن زرارة قال : قلت للإمام الصادق عليه‌السلام : « ما تقول في رجل يعطي المتاع فيقول : ما ازددت على كذا وكذا فهو لك ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس » (٣).

__________________

(١) البنك اللاربوي في الإسلام : ص ٢٠٦.

(٢) وسائل الشيعة : ج ١٢ ، ب ١٠ من أبواب أحكام العقود ، ح ١.

(٣) المصدر السابق : ح ٢.

١٦٦

وهاتان الروايتان تجوّزان الحصّة التي يجعلها المستثمر للبنك « وإن كانت مجهولة وغير مملوكة حين الجعل » بشرط انجاز عملية المضاربة والاشراف عليها الى نهايتها.

وقد ذكر الفقهاء تخريجين آخرين :

أحدهما : إمكان أن تكون هذه النسبة من قبل المستثمر للبنك على أساس ( شرط النتيجة ) في عقد ما ، بأن يشترط البنك على المودِع والعامل أن يكونا مالكَيْن لحصة معينة من الربح على تقدير ظهوره.

وقد يستشكل على هذا التكييف بإشكالين :

الأول : أنّ هذا تمليك للبنك معلّق على ظهور الربح.

الثاني : أنّ المودِع والعامل المملِّكين غير مالكين بالفعل للربح ، فكيف ينفذ تمليكهما لغيرهما ؟

ولكن يجاب عن الإشكال الأول بعدم المانع من تمليك البنك حصّةً من الربح على تقدير ظهوره ودخوله في ملك المملِّك ، فإنّ التمليك أمر اعتباري يُنشأ ويقصد.

وقد تقدّمت الروايات التي جوّزت تمليك صاحب السلعة ما زاد عن قدر معين إن باعها بأكثر.

ويجاب عن الاشكال الثاني : بأنّ المعتبر في نفوذ التمليك من فرد لآخر أن يكون مالكاً لما يملِّكه في ظرف التمليك المجعول ، لا ظرف الجعل والانشاء للملكية.

ثانيهما : يمكن أن نتصور أن البنك يشترط على أطراف عقد المضاربة أن يملِّكوه نسبةً من الربح على تقدير ظهوره ، وهذا ما يسمى بشرط الفعل ، وهو لا إشكال فيه.

هل يتمكّن المضارِب من تداول سهمه في عملية المضاربة ؟

إنّ سهم المضارب الذي يمثّل ملكيةً مشاعةً من الربح في مشروع المضاربة

١٦٧

مع أصل المال الذي تحوّل في هذه العملية الى اعيان وسلع ، أو بعض أصل المال. إذا كان المشروع فيه عدّة مستثمرين ـ هل يتمكن صاحب هذا السهم أن يربح من ماله الذي قدّمه الى عملية المضاربة بتداوله بالبيع والرهن والهبة والصدقة والاجارة ( إذا كان المشروع دائمياً ) والوقف وما الى ذلك من عقود صحيحة شرعية ؟

الجواب : أنّ هذا التداول على السهم المشاع جائز بشرط أن يكون البائع والمشتري والمستأجر مطَّلِعِين على معلومية رأس المال وتوزيع الربح وكمية العمل الذي حصل في المشروع والنهاية التي تحدّد له ، وكل شيء له دخل في المشروع المضارَب فيه.

وعلى هذا نتمكن أن نصدِّر سهاماً متساويةً للمضاربين المشتركين في عملية المضاربة ، وهذه السهام تحكي عن شركة كل واحد في أعيان الشركة بنسبة معينة ، ولها حصة من الربح إن ظهر. ويمكن تداول هذه السهام بالبيع والشراء والاجارة بعد أن تبدَّل السهام من نقود الى سلع خارجية ، ولا يمكن أن تعامل هذه السهام معاملة النقد ، لأنّها في حقيقتها بعد عمل الشركة قد تحوّلت الى سلع خارجية مشتركة بين المستثمرين على سبيل الإشاعة.

أمّا إذا كانت السهام عبارةً عن أوراق نقدية غير محوّلة الى أعيان فيجوز بيعها بنقد آخر نقداً أو نسيئةً ؛ لأنّنا لا نعتبر وجوب التقابض في صرف الأوراق النقدية ، لعدم الدليل على ذلك ، كما بيّنا ذلك في بحث « تعلّق الزكاة بالأوراق المالية ».

وأمّا بيعها بنفس النقد فيشترط فيه التساوي ؛ لأنّنا ننظر الى هذه العملية على أساس أنّها قرض بالنظر العرفي.

وأمّا العامل فهو ـ أيضاً ـ يتمكّن من أن يبيع حصّته من شركة المضاربة بعد أن عمل في المشروع شيئاً ما وربح فيه ، لأنَّ حصّة العامل تكون مشاعةً في الأعيان والأوراق النقدية الموجودة والديون التي على المشروع ، فحينئذ يتمكن من بيع

١٦٨

هذه الحصّة بعد معرفة المشتري ما عمله العامل وما تبقّى من العمل عليه حتى يتكفله المشتري إذا اشترى حصة العامل التي يستحقها. ولكنّ هذا الجواز مشروط بعدم كون عامل المضاربة قد اشتُرط عليه أن يكمل العمل الى نهايته بنفسه اشرة.

سحب المضارِب لما أودعه في عملية الاستثمار :

هل يتمكن المضارب من سحب ما أودعه في عملية الاستثمار أثناء العملية الاستثمارية إذا تعرّض لظروف صعبة جعلته محتاجاً إلى المال ؟

الجواب : يمكن للبنك أن يعلن من الأول عن مشروع مضاربة قد تمّ إنجازه وبدأ العمل به ، وعن استعداده لاستقبال مساهمين جدد على الاحتياط ، يتم ادخال السابق منهم في عملية المضاربة إذا أراد أحد المساهمين أن يخرج من هذه العملية بسحب ما أودعه في العملية الاستثمارية.

وبهذا يتمكن البنك من تنفيذ رغبات مودعيه في أي وقت أرادوا ، بشرط وجود المستثمر الاحتياطي ورغبته في المشاركة بعد أن تمّ المشروع وبدأ العمل به.

كما يمكن للبنك أن يتقدّم هو فيدفع من احتياطيّه السائل الى من يرغب في ردّ ما أودعه ، فيكون البنك هو المساهم الجديد بدل المساهم القديم.

كما يمكن للبنك أن يعلن أيضاً عن استعداده لردّ بعض ما استودِع في عملية الاستثمار بشرط أن يحسب الربح للمودِع على الموجود عنده في الوديعة الاستثمارية الى نهاية العمل ، وبهذا يكون ما سحبه المودِع قد اشتراه البنك ، فيكون ربحه للبنك ، وهو عمل جائز حيث يكيّف على أساس أن صاحب السهم إذا احتاج الى نصف وديعته الأوليّة فالبنك يشتري نصف سهمه الذي تحول الى سلع في العملية بنصف ما أودعه أولاً ، وبهذا سوف يستحق المستثمر نصف سهم مع نصف ربح السهم ، وهذا ما درجت عليه البنوك في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الودائع الاستثمارية.

١٦٩

هل بامكان البنك أن يضمن للمودِع نسبةً معيّنةً من الربح ؟

واجهنا فيما سبق مشكلة أن المودِع يحتاج الى من يضمن رأس ماله من الخسارة ، ولكن هنا نريد أن نوجد وجهاً لضمان نسبة معينة من الربح للمودِع حتى يطمئن على ربحه ، كما كان يطمئن عندما يضع أمواله في البنوك الربوية ، فهل هنا وجه فقهيّ لهذا الضمان ؟

الجواب : أنّ البنك بما أنّه وسيط في عملية المضاربة وله إشراف عليها يتمكن بواسطة إشرافه أن يقيّد المعاملات التي يقوم بها التجار المستثمرون بقيود بحيث يطمئن بحصول كمية معيّنة من الربح على أقل تقدير ، ولِهذا سوف يقدّم على أساس ذلك بضمان هذا المقدار المعيّن الى أصحاب الدوائع.

وتوضيح ذلك : أنّ البنك يتمكن ـ بما أنّه واسطة ـ أن يجعل تعامل التجار مع الدولة أو بعض الشركات العامّة بصورة بيع مرابحة ، ولهذا فسوف يكون الربح محدّداً من الأول وبصورة واضحة ، بمعنى أنّه يبحث عن مُشترين لما يقوم به من عمليات تجارية ويتواعد معهم وعداً ملزماً بالشراء من التجار بصورة بيع المرابحة ، ولا يكون هذا من قبيل بيع ما لا يملك ، بل هو الزام للطرف الآخر بالشراء من أشخاص معينين مرابحة ، فهو تكليف شرعي بالشراء من الملاّك الحقيقيين للمال نشأ من الشرط الملِزم في عقد آخر أو من التعهد الذي قام به الطرف مع البنك.

وكذا يمكن أن تبيع الشركة أو البنك سلعها بيعاً آجلا بربح معين مضمون وتتفق مع المشترين لتلزمهم بذلك في عقد آخر أو على نحو شرط النتيجة أو الفعل.

وعلى هذا يتمكن البنك أن يقدم على ضمان ربح معين إلى المودِع ، ويسلمه إياه في أيّ وقت أراد بعد انتهاء عقد شركة المضاربة ، ثم ينظر البنك الى نتيجة عملية المضاربة ، فإن كانت قد حصلت على أقلّ نسبة من الربح فهو ، وإذا كانت النسبة الربحية أكثر من ذلك فيقوم البنك بإبلاغ المودِع بحصول ربح أكثر من الّذي ضمنه البنك وسلّمه له ، وهذا هو الذي درجت عليه بنوك الجمهورية الإسلامية في إيران بعد

١٧٠

نجاح الثورة الإسلامية وتحويل البنوك من كونها ربوية الى بنوك بعيدة عن الربا.

٢ ـ الوساطة في الإجارة والضمان

وإذا انتهينا الى أن البنك يتمكّن من أن يحصل على نسبة من الربح في عقد المضاربة بين المودعين والمستثمرين على أساس أنّه وسيط بينهما لإجراء المضاربة والاشراف عليها ، فهل له حقّ في أن يكون وسيطاً في عقد اجارة أو وسيطاً في عقد ضمان كمية من المال لآخر ويأخذ نسبة من المال على هذه الوساطة ؟

الجواب : أمّا بالنسبة للوساطة في الاجارة فلا إشكال في جوازها وأخذ نسبته من كميّة الايجار بعنوان الأجر على عمل إذا قام البنك في هذه الوساطة التي تستتبع عملاً للتقريب بين الملاّك والمستأجرين ، وهذا هو ما يقوم به الوسطاء والسماسرة بين المتبايعين وأصحاب الملك والمستأجرين ، ولا مانع من أن تكون هذه الاُجرة نسبةً من الكمية المعينة في متن العقد ؛ لأنّها معلومة وتملك في نفس إنشاء الإيجار.

وأمّا بالنسبة للوساطة في الضمان : فإن كان معناها قيام البنك باجراء عدّة عمليات لتوثيق الضمان الذي يقوم به فرد لآخر أو يقوم به هو لآخر وجعله من الناحية القانونية صحيحاً ونافذاً فلا بأس بأخذ الاُجرة أو الجعالة على هذه الوساطة التي استتبعت عملاً. وإن كان معنى الوساطة في الضمان هو أن يقوم البنك بضمان ما في ذمّة فرد آخر بحيث ينتقل المال من ذمّة الفرد الآخر الى ذمّة البنك أو بمعنى أن تضم ذمة البنك الى ذمة المدين أو بمعنى أن يتعهد البنك بالتسديد إلى الدائن عند تعذر تسديد الثمن إليه من قبل المدين فإن هذه العملية عبارة عن إقراض المضمون والدفع إلى المضمون له إمّا مطلقاً أو في حالة عدم الدفع ، وهذا العمل من البنك ليست له ماليةً غير مالية نفس المال المعطى إلى المضمون له أو المتعهد به ، وهذا المال المعطى أو المتعهد به هو مضمون على المضمون عنه ، فلا يتمكن الضامن

١٧١

أن يأخذ أجراً على هذا الفعل الذي هو إنشاء الضمان ، لأنّ هذا ليس عملاً ( يمكن أن تكون في مقابله اُجرة أو جعل ) عرفاً وارتكازاً لأن العرف والارتكاز العقلائي يقول بأن الأجر أو الجعل إنّما يكون على عمل يستحقّ أجراً أو جعلا ، كالحلاقة والخياطة والتجارة ... ، أمّا هنا فإنّ هذا العمل مجرد انشاء عقد الضمان بحكم الارتكاز العقلائي ليس له أجر بحيث يصح جعل الاُجرة أو الجعالة في مقابله (١).

نعم ، هناك مالية لنفس المال المضمون ، وهذا المال المضمون يجب دفعه إلى البنك إذا قام هو بعملية الضمان ( ضمان الغرامة ) وحينئذ لا يستحق شيئاً زائداً على هذا المال الذي ضمنه ودفعه إلى المضمون له بحجة أنّه قام بعملية الضمان.

٣ ـ المزارعة

إنّ من أدوات البنوك الإسلامية المربحة والنافعة للمجتمع الإسلامي : عقد المزارعة التي شرّعها الإسلام كأسلوب لتنظيم شركة معيّنة بين صاحب الأرض والزارع يتعهد بموجبه الزارع بزرع الأرض ويقاسم صاحب الأرض الناتج الذي يسفر عنه العمل ويحدد نصيب كل منهما بنسبة مئويّة من مجموع الناتج ، ونحن بدورنا نحث البنوك والشركات الإسلامية إلى دخول هذا المجال الاستثماري إمّا بتهيئة الأرض واحيائها ودفعها إلى الزارع بعقد المزارعة ، وإمّا باستلام الأرض المحياة ومباشرة مزارعتها بعهدة البنك الذي يستأجر من يقوم بالعملية الى نهايتها باشراف من البنك أو شعبة منه ، وندين البنوك الإسلامية التي تتوقف اعمالها على مزاولة النقد أخذاً وعطاءً وتطالب بادوات شرعية لها بحيث تحصل على الربح من دون مباشرة عمل استثماري حقيقي للمال ينتفع به العامل والمجتمع وصاحب المال ،

__________________

(١) نعم ، إذا صاحبَ هذا الإنشاء عمل يقوم به الضامن ( كذهاب إلى البنك وحضور في مكان معين مدة من الزمن وسلوك طريق وأمثال هذه الأمور ) فيتمكن أن يأخذ أجراً على العمل المصاحب لإنشاء الضمان.

١٧٢

فإن الإسلام كنظام للحياة شرّع للنقد مجالا استثمارياً محدّداً وشرع للعمل مع المال مجالا آخر ، كما شرع للعمل لوحده مجاله الاستثماري ، كما شرّع لأدوات الانتاج مجالها في دخول الاستثمار ، فكيف نطالب الإسلام كمنظم للحياة البشرية بايجاد أدوات ربحية تنتج من مزاولة النقد فقط ، وننسى جوانب الإسلام التي شرعها لتنظيم حياة المجتمع والفرد ؟!

نعود إلى شركة المزارعة ، فقد قال الشيخ الطوسي قدس‌سره في كتاب الخلاف : « لا يجوز أن يعطي ـ صاحب الأرض ـ الأرض غيره ببعض ما يخرج منها ، بأن يكون منه الأرض والبذر ومن المتقبّل ( العامل ) القيام بها بالزراعة والسقي ومراعاتها » (١).

وقال ابن قدامة يقول : « ظاهر المذهب أن المزارعة إنّما تقع إذا كان البذر من رب الأرض والعمل من العامل ، نصّ عليه أحمد في رواية جماعة ، واختاره عامّة الأصحاب ، وهو مذهب ابن سيرين والشافعي واسحاق » (٢).

ومن هذين النصين لفقيهين من فقهاء الإسلام يفهم أنَّ من غير المشروع إنجاز عقد المزارعة بمجرّد تقديم صاحب الأرض لأرضه وتكليف العامل بالعمل والبذر معاً ، لأنّ مساهمة صاحب الأرض بالبذر اُخذت شرطاً أساسياً لتحقّق المزارعة في النص السابق.

ولم تعدم النصوص من من تأييد هذين النصين ، فقد ورد في صحيحة الحسن

__________________

(١) الخلاف : ج ١ ، ص ٧٠٥ ، وهناك قول آخر في المزارعة ، يجوّزها أيضاً في صورة كون الأرض فقط من أحدهما والعمل والبذر والعوامل من الآخر كما هو مروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حينماعامل أهل خيبر ( الزرع والنخل ) فلم ينقل في النصوص أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قدم لهم بذراً ، وكذا تظهر هذه الصورة من النصوص التي سنذكرها فيما بعد ، راجع الوسائل : ج ١٣ ، ب ٨ من المزارعة والمساقاة ، الأحاديث ، وأكثرها صحيحة السند.

(٢) المغني : ج ٥ ، ص ٣٤٨.

١٧٣

بن محبوب عن ابراهيم الكرخي قال : « قلت للصادق عليه‌السلام : اُشارك العلج ( المشرك ) فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ويكون على العلج القيام والسقي ( السعي ) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً ، وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقّه ويبقى ما بقي على أنّ للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : لا بأس بذلك ، قلت : فلي عليه أن يردّ عليّ ممّا أخرجت الأرض البذر ويقسّم ما بقي؟ قال : إنّما شاركته على أنّ البذر من عندك وعليه السقي والقيام » (١).

وبعد أن عرفنا مشروعية المزارعة وشرطها الأساسي نأتي إلى البحث عن عملية إمكان أن يُزارع المزارع غيره بحصّة أعلى من الحصة التي كانت عليه لمالك الأرض ، فهل بالإمكان ذلك ؟

نقول : نعم ، لقد وردت النصوص الشرعية في جواز هذه العملية ، منها : رواية الحلبي قال : « قلت للصادق عليه‌السلام أتقبّل الأرض بالثلث أو الربع ، فأقبلها بالنصف ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس. قلت : فاتقبلها بألف درهم ، واقبلها بالفين ؟ قال : لا يجوز. قلت : لِمَ. قال : لأنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون » (٢).

وهذا النصّ يبيّن أنّ العامل في المزارعة يجوز له أن يعطي الأرض لعامل آخر يباشر زراعتها على أن يدفع له أقل من النسبة التي يستحقّها بمزارعته مع مالك الأرض ، وحينئذ يحتفظ العامل الأول بالفرق بين النسبتين بخلاف الاجارة ، فإنّ هذا العمل لا يجوز إلاّ أن يعمل عملاً في العين المستأجرة وإن كان أرضاً بحيث تكون الزيادة في مقابل عمله.

وهذا الفرق بين العمليتين قد علّله النص بقوله : « إنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون » بمعنى أن الاُجرة في عقد الإجارة مضمونة لصاحب الأرض ، فإن أراد المستأجر أن يؤجرها بأكثر ممّا استأجرها فقد ضمنت له الأجرة أيضاً بنفس العقد

__________________

(١) وسائل الشعية : ج ١٣ ، ب ١٠ من المزارعة ، ح ١.

(٢) وسائل الشيعة : ج ١٣ ، ب ٢١ من الاجارة ، ح ١.

١٧٤

وحصل على الفارق بين الاُجرتين بنفس العقدين من دون عمل يبرر هذه الزيادة في الشريعة الإسلامية ، وهي لا تقرّ كسباً مضموناً بدون عمل.

أمّا في المزارعة فإنّ العامل ومالك الأرض لا يملك الحصّة بنفس العقد ، فإذا أراد العامل أن يزارع الأرض لعامل آخر فهو أيضاً لا يملك الحصة التي اتّفق عليها مع المزارع الثاني ، وما دام لا يملك حصته حين العقد فلا ضرورة في وجود عمل يسبق العقد الثاني.

وعلى هذا الذي تقدم يتمكن البنك الإسلامي أن يقدّم أرضاً محياة مع بذر الى عدّة عمال بحصة من الحاصل ، وكذا يتمكن أن يدخل في عملية المزارعة على أن يكون العمل منه ، فيتكفل به ويشرف عليه ويرعاه ويحصل على النسبة ويستأجر عمالاً للقيام بالعمل ، فإنّ في هذا العمل نفعاً عاماً حيث يستفيد العامل بحصوله على الاجرة ويستفيد المجتمع من الزرع الذي إذا كثر حصل الرخاء للجميع كما يستفيد صاحب الأرض الذي قدّم البذر. كما يمكن للبنك أن يكون هو مع مجموعة من العمال هم طرف في المزارعة لتكون الحصة لهم يقسمونها حسب رأيهم ، وبهذا يتخلّص البنك من احتمال خسارته نقداً بالاضافة الى عمله ( اشرافه على عملية المزارعة ورعايته لها وتوجيهها ) بواسطة وكلائه أو عماله.

٤ ـ المساقاة

وهو عقد يشبه المزارعة إذ هو اتفاق بين طرفين أحدهما يكون منه البستان وما يحتاج اليه ممّا يرجع الى تحسين الثمر كالتسميد ، ويكون من الآخر ممارسة العمل الذي يؤتي بالثمار بنسبة معلومة فيها. وقد دلّ على هذا العقد جملة من النصوص منها صحيحة الحلبي قال : « اخبرني الإمام الصادق عليه‌السلام أنَّ أباه عليه‌السلام حدثه أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى خيبر بالنصف أرضها ونخلها » وغيرها من

١٧٥

الروايات الصحيحة.

وهذه أداة من أدوات البنك الإسلامي والشركات الإسلامية التي تريد الابتعاد عن الربا والاهتمام بالاستثمار الشرعي للمال الذي يخدم الأمة الإسلامية ، فهي عملية اشتراك العمل المباشر من العامل مع العمل المخزون على شكل بستان فيه شجر ونخل للوصول الى ربح مشروع ينتفع به كل من العامل وصاحب العمل المختزن والمجتمع الإسلامي الذي ينشد الرفاه في ظل النظام الإسلامي ، وهنا البنك أو الشركة تتمكن أن تكون هي صاحبة البستان فتساقي العمال على حصة من الحاصل ، كما تتمكن أن تهيء العمال اللذين يكون البنك مشرفاً عليهم ومرشداً لهم وعاملا معهم على أن يكون البستان من غيرهم.

ونحن إذ نشجع البنوك على دخول هذه الاستثمارات التي تنفع المجتمع وتحرك عجلة الاقتصاد في نفع العمال وتوفير ما يلزم من رفاه للجميع ، ندين الوقوف على عمليات شرعية صورية لا يكون الطرفان لهما قصد حقيقي لما يجري على الورق من بيع أو شراء أو مشاركة أو مبادلة ، بل القصد الحقيقي لهم هو أخذ مال ( ورق نقدي ) ودفع أكثر منه ، فإنَّ في هذه العمليات الصورية ـ كما يجري في بيع المرابحة لدى البنك ـ يكشف الوجه الحقيقي لأصحاب البنوك من الحصول على ربح لعملائهم من دون نظر الى حصول الرفاه للمجتمع الذي هو بحاجة الى اشراك العمل في توفير ما يحتاجه المجتمع ليسد حاجة الأمة وتعتمد الأمة على نفسها في ذلك بدلا من الاعتماد على الاستيراد في أكثر ما يحتاج إليه من الفواكه والخضر والحبوبات.

٥ ـ إعادة التأجير لمالك العين المستأجرة أو لغيره وإجارة

خدمات الأشخاص وإعادة تأجيرها

ممّا لا اشكال فيه بين الفقهاء جواز أن يستأجر أحدٌ أحد أدوات الانتاج أو

١٧٦

الاعيان التي فيها نفع للمستأجر من غيره ، يستخدمها فيما فيه نفع له ، وقد جوّز أكثر الفقهاء استئجار الأرض بأجرة معيّنة من صاحبها الذي يملكها أو له حقّ فيها ، خلافاً لبعض الصحابة ومن تبعهم الذين انكروا جواز اجارة الأرض.

كما يجوز أن نستأجر عاملا للبناء أو للخياطة أو للبيع ... فإذا أنجز الأجير مهمته وجب على من استأجره دفع الأجرة المحددة له ، وهذا واضح.

ولكن إذا ملك المستأجر منفعة الآلة أو منفعة الأرض أو الدار أو منفعة عمل العامل ، فهل يتمكن أن يؤجر هذه المنفعة للمالك أو غيره ؟

الجواب : إنَّ ايجار الآلة أو الدار أو الأرض أو العمل يتصور على انحاء :

١ ـ الايجار بنفس الأجرة السابقة.

٢ ـ الايجار بأنقص من الأجرة السابقة.

٣ ـ الايجار بأزيد من الأجرة السابقة مع عمل للمستأجر الأول في الآلة ( كإصلاحها ) أو الدار ( كترميمها ) أو الأرض بحرثها أو تسميدها ، أو عمل المستأجر الأول في الثوب بتفصيله مثلاً.

٤ ـ الايجار بأزيد من الأجرة السابقة بدون أي عمل في العين المستأجرة.

وقد ذهب جمع من كبار الفقهاء الى منع الصورة الرابعة فقط وتجويز الصور الاُخرى ، لأنَّ الصورة الرابعة لا تبرر حصول المستأجر الأول على الزيادة التي حصل عليها من الفرق بين الاجارتين ، وقد ثبت في الشريعة الإسلامية أنَّ الكسب المضمون لا يقوم إلاّ على أساس انفاق عمل خلال المشروع سواءٌ كان عملاً مباشراً أو مخزوناً كالآلة التي هي عبارة عن عمل مخزون يتفتت خلال الاستعمال ، وكالدار والأرض اللّتان هما أيضاً عمل مختزن لعمل سابق من احياء الأرض أو بناء الدار. والغاء الكسب المضمون الذي لا يقوم على أساس انفاق عمل في المشروع.

أمّا الصورة الاُولى والثانية فليس فيها كسبٌ حتى يبرر ويحتاج الى عمل في مقابله ، وقد ذهب الى هذا قول ـ كما قلنا ـ جماعة من الفقهاء كالسيد المرتضى

١٧٧

والحلبي والصدوق وابن البرّاج والشيخ المفيد والشيخ الطوسي (١).

والأساس في هذه القاعدة تمدّه نصوص شرعية : منها :

١ ـ صحيحة سليمان بن خالد عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « إني لاكره أن استأجر الرحى وحدها ثم اُواجرها بأكثر ممّا استأجرتها إلاّ أن اُحدث فيها حدثاً أو اُغرم فيها غرماً » (٢) وقد روي موثّقاً عن أبي بصير.

٢ ـ حديث الحلبي قال : « قلت للإمام الصادق عليه‌السلام أتقبل الأرض بالثلث أو الربع ، فأقبلها بالنصف قال : لا بأس. قلت : فأتقبلها بألف درهم وأقبلها بألفين ؟ قال : لا يجوز. قلت : لِمَ ؟ قال : لأنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون » (٣).

فهذا النصّ فرّق بين صورتي المزارعة والاجارة ، ففي المزارعة تكون الحصة غير مضمونة عند عقد المزارعة للمالك.

أمّا في الاجارة ، فعندما يستأجر الأرض فالعامل يضمن القيمة للمالك ، والمستأجر الثاني يضمن القيمة للمستأجر الأول في نفس عقد الاجارة ، وهذا الفرق المضمون لابدّ أن يسبقه عمل يبرره.

أمّا المزارع الثاني إذا كان يعطي نسبة أكبر من نسبة المزارع الأول لصاحب الأرض ، فهو فرق غير مضمون بنفس عقد المزارعة ، فلا يجب أن يسبقه عمل من المزارع الأول للثاني يبرر هذا الكسب غير المضمون.

٣ ـ موثّق اسحاق بن عمار عن الإمام الصادق عليه‌السلام إنَّه قال : « إذا تقبّلتَ أرضاً بذهب أو فضة فلا تقبلها بأكثر من ذلك ، وإن تقبلتها بالنصف والثلث ، فلك أن تقبلها بأكثر ممّا تقبلتها به ، لأنّ الذهب والفضة مضمونان » (٤).

__________________

(١) المبسوط للطوسي : ج ٣ ، ص ٢٢٦.

(٢) وسائل الشيعة : ج ١٣ ، ب ٢٠ من احكام الاجارة ، ح ١ ، وب ٢٢ من احكام الاجارة ، ح ٥.

(٣) المصدر السابق : ج ١٣ ، ب ٢١ من أحكام الاجارة ، ح ١.

(٤) وسائل الشيعة : ج ١٣ ، ب ٢١ من احكام الاجارة ، ح ٢.

١٧٨

ومثلها موثّقة أبي بصير عن الإمام الصادق عليه‌السلام (١).

٤ ـ صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به ؟ قال عليه‌السلام : لا يصلح ذلك إلاّ أن يحدث فيها شيئاً » (٢).

٥ ـ حسنة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ( الإمام الباقر عليه‌السلام ) « كان يقول : لا بأس أن يستأر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثم يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً » (٣).

٦ ـ موثّقة سماعة قال : « سألته ( أي الإمام عليه‌السلام لأنَّ سماعة لا يسأل من غير الإمام عليه‌السلام لجلالة قدره وعلوّ منزلته ) عن رجل اشترى مرعى يرعى فيه بخمسين درهماً أو أقل أو أكثر ، فأراد أن يدخل معه ، مَنْ يرعى معه قبل أن يدخله منهم الثمن ؟ قال : فليدخل من شاء ببعض ما اعطى ، وإن أدخل معه بتسعة واربعين وكانت غنمه بدرهم فلا بأس وإن هو رعى فيه قبل أن يدخله بشهر أو شهرين أو أكثر من ذلك بعد أن يبيّن لهم فلا بأس ، وليس له أن يبيعه بخمسين درهماً ويرعى معهم ، ولا بأكثر من خمسين درهماً ولا يرعى معهم ، إلاّ أن يكون قد عمل في المرعى عملاً ، حفر بئراً أو شقَّ نهراً ، تعنّى فيه برضا أصحاب المرعى ، فلا بأس ببيعه بأكثر ممّا اشتراه لأنّه قد عمل فيه عملاً ، فبذلك يصلح له » (٤).

والظاهر أنَّ المراد بالشراء والبيع هنا الاجارة كما فهمه الكليني رحمه‌الله بقرينة

__________________

(١) المصدر السابق : ب ٢١ من احكام الاجارة ، ح ٦.

(٢) المصدر السابق : ب ٢٢ ، ح ٤.

(٣) المصدر السابق : ح ٢.

(٤) وسائل الشيعة : ب ٢٢ ، ح ٦.

١٧٩

قوله « إلاّ أن يكون قد عمل في المرعى ... برضا أصحاب المرعى » ، وهذا يدل على أنَّ للمرعى أصحابه ، فيكون المقصود من البيع هو بيع المنفعة.

وهذا الموقف الذي رأيناه عند علماء الإمامية تبعاً للنصوص الشرعية ، قد أخذ به الاحناف أيضاً فقد نقل الجزيري عن الفقهاء الاحناف أن الشخص إذا استأجر داراً أو دكاناً بمبلغ معين كجنيه في الشهر فلا يحلّ له أن يؤجرها لغيره بزيادة (١) وذكر السرخسي الحنفي في مبسوطه عن الشعبي في رجل استأجر بيتاً وآجره بأكثر ممّا استأجره به انه لا بأس بذلك إذا كان يفتح بابه ويغلقه ويخرج متاعه فلا بأس بالفضل. وعلَّق السرخسي على ذلك بقوله : بيّن انه إنّما يجوز له أن يستفضل إذا كان يعمل فيه عملاً نحو فتح الباب وإخراج المتاع فيكون الفضل له بإزاء عمله وهذا فضل اختلف فيه السلف ... وكان إبراهيم يكره الفضل إلاّ أن يزيد فيه شيئاً فإنّ زاد فيه شيئاً طاب له الفضل وأخذنا بقول إبراهيم (٢).

٧ ـ صحيحة محمد بن مسلم عن ( الإمام الباقر أو الصادق عليهما‌السلام ) انه : « سأل عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل به ، ويدفعه الى آخر فيربح فيه ؟ قال عليه‌السلام : لا ، إلاّ أن يكون قد عمل شيئاً » (٣).

٨ ـ صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام ( الباقر أو الصادق عليهما‌السلام ) قال : « سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل ؟ قال الإمام عليه‌السلام : لا بأس قد عمل فيه » (٤).

٩ ـ وفي حديث على الصائغ قال قلت للإمام الصادق عليه‌السلام : « أتقبل العمل ثم اقبله من غلمان يعملون معي بالثلثين ؟ فأجاب الإمام عليه‌السلام : إنَّ ذلك لا يصلح إلاّ

__________________

(١) الفقه على المذاهب الأربعة : ج ٣ ، ص ١١٧.

(٢) المبسوط ، للسرخسي : ج ١٥ ، ص ٧٨.

(٣) وسائل الشيعة ١٣ : ب ٢٣ من الاجارة ح ١.

(٤) المصدر السابق : ب ٢٣ من الاجارة ، ح ٥.

١٨٠