بحوث في الفقه المعاصر - ج ١

حسن بن محمد تقي الجواهري

بحوث في الفقه المعاصر - ج ١

المؤلف:

حسن بن محمد تقي الجواهري

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الذخائر
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١ ـ صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن شراء النخل فقال : كان أبي يكره شراء النخل قبل أن يطلع ثمرة السنة ، ولكن السنتين والثلاث كان يقول : إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاخرى. قال يعقوب : وسألته عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع سنين او أربعاً ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس انما يكره شراء سنة واحدة قبل أن يطلع مخافة الآفة حتى يستبين » (١).

٢ ـ صحيحة الحلبي قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين او أربع سنين فقال عليه‌السلام : لا بأس ، تقول : إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل ، وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ ، وإن اشتريته ثلاث سنين قبل ان يبلغ فلا بأس. وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض ، فتهلك ثمرة تلك الارض كلها ، فقال عليه‌السلام : قد اختصموا في ذلك الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فكانوا يذكرون ذلك ، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ، ولم يحرّمه ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم » (٢).

فمن هذين النصين يتبين أن بيع ثمر النخل والفواكه سنين متعددة لا بأس به ، وهذا هو بيع المعدوم حالاًّ المحقق الوجود مآلاً ، ولا يوجد فيه غرر ، أما بيع ثمرة النخل سنة واحدة فقد كان الاصل هو الجواز كما تقول الرواية ، لكن لما انتهى في بعض الموارد الى الخصومة ( وهي موارد ما اذا هلكت الثمرة قبل القبض وعدم ارجاع الثمن الى المشتري حسب القاعدة المستفادة من الرواية القائلة : « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » نهاهم عنه ولم يحرِّمه فيكون النهي استثناءً.

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١ من بيع الثمار ، ح ٨.

(٢) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١ من بيع الثمار ، ح ٢.

١٨١

٣ ـ صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « قال الامام الصادق عليه‌السلام اذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فادرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً » (١).

٤ ـ موثقة سماعة قال : « سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها ؟ فقال : لا الا أن يشتري معها شيئاً من غيرها رطبة (٢) او بقلاً ، فيقول : اشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا ، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل » (٣).

ويتبيّن من هذين النصين أن بيع المعدوم لا بأس به اذا لم يكن فيه غرر ( خطر ) كما لو اشترى المعدوم مع الموجود وكان المشتري على علم بالحاصل ، وهذا نظير بيع الآبق اذا لم يقدر على تسليمه البائع وكذا لا يتمكن ان يتسلّمه المشتري فإنّه اذا باعه لوحده فهو غير صحيح ، للخطر ، وأما اذا باعه مع الضميمة فحينئذ يصح البيع ، فإن حصل عليه وتسلّمه المشتري فهو ، وإن لم يتسلمه كان ماله في مقابل الضميمة الموجودة. وعلى هذا فيكون الميزان في بيع الموجود والمعدوم واحداً ، وهو عدم جوازهما اذا كان فيهما غرر ( خطر ) وجوازهما اذا زال الغرر ( الخطر ). فلا اصل هناك في جواز بيع الموجود وعدم جواز بيع المعدوم.

٥ ـ عن ثعلبة بن زيد قال : « سألت الامام الباقر عليه‌السلام عن الرطبة تباع قطعتين او ثلاث قطعات ؟ فقال عليه‌السلام : لا بأس ... » (٤).

٦ ـ عن معاوية بن ميسرة في حديث قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن الرطبة يبيعها هذه الجزّة وكذا وكذا جزّة بعدها ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس به ثم قال :

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٢ من بيع الثمار ، ح ١.

(٢) الرطبة : واحد الرُّطَب : بالضم وفتح الطاء من التمر معروف وجمع الرُطب أرطاب ومنه أرطب البُسر اي صار رُطباً ، راجع مجمع البحرين.

(٣) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٣ من بيع الثمار ، ح ١.

(٤) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٤ من بيع الثمار ح ١.

١٨٢

قد كان أبي يبيع الحناء كذا وكذا خرطة » (١). وهاتان الروايتان ظاهرتان في جواز بيع الخرطات التي توجد فيما بعد فهي من بيع المعدوم حالاً المحقق الوجود مآلاً ولا غرر فيه.

إن ادلة عقد الاجارة كلها دليل على جواز بيع المعدوم حالاً المحقق الوجود مآلاً « فالاجارة هي بيع المنافع المستقبلة ، والمنافع ليست موجودة حالاً ولكنها ستوجد مستقبلاً » وقد اجاز الشارع عقد الاجارة بنصوص واضحة كثيرة مع شروط تخرجها عن الغرر (٢).

ونكتفي بهذا القدر من النصوص الشرعية التي تدل على أن بيع المعدوم اذا لم يكن فيه غرر ( خطر ) فهو صحيح وهذا هو الاصل والقاعدة كما في بيع الموجود اذا لم يكن فيه خطر. واما بيع المعدوم والموجود معاً اذا كان فيه خطر وغرر فهو باطل لنهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن بيع الغرر. وعلى هذا فالاصل والقاعدة هو عدم جواز بيع الغرر ، فاذا جوزت الشريعة او الفقهاء بيع غَرر خاص يكون استثناءً للاصل ، أما هنا فبيع المعدوم لا يوجد اصل في عدم جوازه ، بل ما تقدم من النصوص تصرح بأنَّ الاصل فيه الجواز اذا كان بعيداً عن الغرر. وعلى هذا فَسوف يكون بيع السلم على الاصل لما فيه من الشروط والقيود التي تخرجه عن كونه بيعاً غررياً « فالمسلَم فيه معين محقق الوجود مآلاً ، ومقداره معيّن بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع الذي يرفع الاختلاف والجهالة ، والثمن معلوم يدفع مقدماً ، ووقت التسليم محدد ايضاً بحيث لا يحتمل الزيادة والنقيصة ، وان يكون المسلم فيه موجوداً حين الاجل غالباً » وعلى هذا فكيف صار جوازه استثناءً وقد صرحت الشريعة بكل ذلك ؟!

__________________

(١) المصدر السابق ، ح ٣.

(٢) راجع وسائل الشيعة ، ج ١٣ باب ١ ـ ٣٥ من الاجارة توجد روايات متعددة تدل على صحة عقد الاجارة ، فلا يصلح ان يقال : ان الاجارة أجازها الفقهاء استحساناً. راجع مصادر الحق في الفقه الاسلامي ، ج ٣ ص ٣٤.

١٨٣

ثم إننا اذا تعقلنا عرفاً بيع الكلي في المعين الذي هو عبارة عن بيع الكلي الموجود في الخارج الذي له افراد خاصة يمتاز كل فرد عن الآخر بخصوصيته ، لكن المعاملة حينما وردت على فرد لم تلحظ فيه هذه الخصوصية ، فكان بيعاً كلياً في المعين ويكون تشخيص هذه الخصوصية للبائع كما قد يكون تشخيصها بيد المشتري كما اذا قال : بعت كتاباً من هذه الكتب أياً شئت منها ، وتعقلنا ايضاً بيع الحصة المشاعة (١) كمئة متر من الف ، او حصة من البيت مشاعة ، فتحصل الشركة ، ولابدّ من التراضي في التقسيم او القرعة ، نتعقل بيع الكلي المضمون في الذمة الموصوف باوصاف معينة تخرجه عن كونه غررياً واذا تعقل هذا عرفاً شمله : ( أحلّ الله البيع ) و ( تجارة عن تراض ) فتكون مشروعيته اصلية وليست على خلاف القاعدة.

شروط صحة السلم :

ذكروا أنّ شروط السلم ستة : (٢)

١ ـ ذكر الجنس ( الحقيقة النوعية كالحنطة والشعير ).

٢ ـ ذكر الوصف الرافع للجهالة والمائز بين افراد ذلك النوع. والضابط فيه : هو ما يختلف لاجله الثمن اختلافاً لا يتسامح بمثله ، فذكره لازم. والمرجع في ذلك الى العرف لانه ربما يكون اعرف من الفقيه في هذه الامور. ولا يجب الاستقصاء في الوصف ، بل يجوز الاقتصار على الوصف الذي يزيل اختلاف اثمان الافراد الداخلة

__________________

(١) الفرق بين بيع الكلي في المعين وبيع الحصة المشاعة هو ما ذكرته الروايات بأن الميت اذا ترك ثلث ماله بوصية وقد تلف منه شيء قبل القسمة فانه يتلف على الميت والورثة بالنسبة. اما اذا كان الميت مديناً وقد تلف شيء من التركة ولم يبق الا بقدر الدين فيتخصص الباقي للغرماء ، وما الفرق بين تضرر الوصية وعدم تضرر الدين الا بسبب ان الدين كلي في المعين بينما الوصية على سبيل الاشاعة.

(٢) الذي ذكر ذلك هو المحقق الحلي صاحب الشرائع ، راجع الجزء الثاني من شرائع الاسلام ، ص ٧٦.

١٨٤

في العين. وحينما نقول بعدم وجوب الاستقصاء في الوصف ، فليس معنى ذلك عدم جوازه ، بل هو امر جائز الا في صورة ما اذا ادّى الى عزة الوجود « الممتنعة » فيبطل العقد ، لاننا سنشترط كون وجود الجنس الموصوف غالبياً ، ولعل دليل هذا هو انَّ عقد السلم هو من بيع ما ليس بموجود ، فاذا كان عزيز الوجود كان مؤديا الى التنازع والفسخ ، وهو مناف للمطلوب ، كما ان بعضهم ذكر تعذر التسليم هنا هو المانع من صحة البيع.

٣ ـ قبض رأس المال قبل التفرق ، فان حقيقة السلم ( السلف ) تعتمد على تسليم الثمن ، وعلى هذا فلا يصح ان يكون الثمن كليّاً لم تشتغل ذمة البائع به ( كالدين الذي لم يأتِ أجلُه ) اما اذا كان قد حلّ اجله وتراضيا على كونه هو الثمن صح عقد السلم. ويصح ان يكون الثمن حوالة للبائع فقبضه من المحال عليه في المجلس ، وذلك لحصول قبض الثمن في مجلس العقد قبل التفرق.

ولكن اذا تراضيا على كون الثمن ديناً على المشتري فالمشهور البطلان لكونه بيع دين بدين مثله (١) فيشمله ما روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا يباع الدين بالدين » ولصحيح منصور بن حازم عن الامام الصادق عليه‌السلام قال : « سألته عن الرجل يكون له على الرجل طعام او بقر او غنم او غير ذلك فأتى الطالب المطلوب يبتاع منه شيئاً فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يبعه نسيئاً واما نقداً فليبعه بما شاء » (٢). فان شراء الطالب من المطلوب شيئاً بمالهُ في ذمته يجعل النسيء في الرواية بمعنى السلم.

__________________

(١) هذا اذا لم نقل أن صدق الدين بالدين مخصوص بسبق الدينية ، اما في السلم فيصدق الدين بالدين بعد تمام العقد.

(٢) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ٦ من احكام العقود ، ح ٨ وهذه الرواية تكون دليلاً لنا كما هي هكذا في بعض الكتب ، اما بناءً على ما نقله صاحب الوسائل عن نسخ التهذيب المعتبرة : « أتى المطلوب الطالب » فهو في عكس المسألة.

١٨٥

٤ ـ تقدير المسلم فيه بالكيل او الوزن أو الذرع او العدّ ( اذا كان يرتفع الغرر به ) لترتفع به الجهالة. وكذا رأس المال.

٥ ـ أنْ يكون المسلم فيه مؤجلا ويجب تعيين الاجل بمالا يحتمل الزيادة والنقيصة ، اما اذا كان المثمن حالاً فهو بيع لا سلم اذا وقع بلفظ البيع. وتدلُّ عليه الادلة العامة الدالة على صحة البيع كأوفوا بالعقود وأحلّ الله البيع ، أو تجارة عن تراض ، مع خصوص صحيح بن الحجاج ، قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن الأحل ، يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالاً ؟ قال : ليس به بأس. قلت إنَّهم يفسدونه عندنا. قال : فأيّ شيء يقولون في السلم ؟ قلت لا يرون فيه بأساً ، يقولون هذا الى أجل فإذا كان الى غير اجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح. قال : اذا لم يكن اجل كان احق به ، ثم قال : لا بأس أن يشتري الرجل الطعام وليس هو عند صاحبه الى أجل وحالاًّ لا يسمي له اجل إلاّ أن يكون بيعاً لا يوجد مثل العنب والبطيخ في غير زمانه ، فلا ينبغي شراء ذلك حالاً » ونحوه آخر (١).

٦ ـ ان يكون وجود المسلم فيه غالباً بحسب العادة وقت الحلول ولو كان معدوماً وقت العقد ، ليمكن التسليم. ويدل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج في حديث : « ... إنَّ ابي ( الامام محمد الباقر عليه‌السلام ) كان يقول : لا بأس ببيع كل متاع تجدهُ في الوقت الذي بعته فيه » (٢).

ومفهومه هو عدم جواز بيع كل متاع لم تكن تجده في الوقت الذي بعته فيه.

ولعل هذا الشرط قد ذكر للردّ على من اوجب ان يكون الجنس المبيع

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ٧ من احكام العقود ، ح ١.

(٢) المصدر السابق ، ح ٣.

١٨٦

موجوداً حال العقد الى حال المحل كالاوزاعي والثوري وابي حنيفة ) (١).

اقول : إنّ ما ذُكر مقدّماً بأن لا يكون عزيز الوجود إذا كان راجعاً إلى القدرة على التسليم فهو يكفي عن هذا الشرط ، لأنّه لا يُطمأن بالقدرة على التسليم إلاّ في معتاد الوجود ، وبهذا الشرط يكون السلم قد ورد على موجود بالنوع. ومما يؤكد أنَّ الشرط هو عبارة عن القدرة على التسليم هو : اننا لو بنينا على أن غير القدرة على التسليم للزم « بطلان السلم فيما اتفق انحصار ، في بعض الناس من غلّة أو قهوة أو إبل او غنم أو عبيد وغير ذلك ، وان كان الموجود فعلاً عنده كثيراً فليس له أن يبيع منه ... على انه سلم ، لاشتراط عموم الوجود والفرض انتفاؤه (٢).

اقول : ان هذه الشروط الستة ، قسم منها وهي الاول والثاني والرابع هي شروط في كل بيع ، اما الشرط الثالث والخامس فهي شروط تخص بيع السلم فقط.

حكمة السلم :

ان الحكمة في بيع السلم واضحة حيث إنّه يحقق كثيراً من منافع المتعاقدين ، فمن لم يكن لديه السيولة النقدية وعنده القدرة على إنتاج السلع والمحصولات

__________________

(١) راجع جواهر الكلام ، ج ٢٤ ، ص ٣٠٦. وحجتهم في ذلك كما قال الحنفية هو : بطلان الاجل بموت المسلم اليه ( البائع ) ويجب أخذ المسلم فيه من تركته فأشترط لذلك دوام وجود المسلم فيه لتدوم القدرة على تسليمه ، اذ لولم يشترط هذا الشرط ومات المسلم اليه قبل ان يحل الاجل فربما يتعذر تسليم المسلم فيه. ولكن يمكن ان تعالج حالة موت البائع وحلول الاجل بموته مع عدم وجود المسلم فيه بما عالج الحنفية به حالة انقطاع المسلم فيه بعد حلول الاجل وقبل أن يوفى وانعدم وجود المسلم فيه ، فقد قالو هنا يتخير المشتري هنا بين الانتظار الى وجود المسلم فيه وبين الفسخ وأخذ رأس المال ، فيمكن ان يقولوا بنفس هذا العلاج في حالة انقطاع المسلم فيه عند موت البائع من الاجل. راجع المرتقى ج ٤ / ٣٠ وراجع السلم د. الصديق.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢٤ ص ٣٠٨.

١٨٧

بكميات كبيرة والشيء الكثير بعد أجل معين ويريد ضمان تصريفها فيتمكن ان يحصل على السيولة النقدية ويسلم البضاعة أو المحصول في وقته الى المشتري ، وهذا بنفسه يشجع على الانتاج المستقبلي في الزراعة والصناعة والعمل ويسدّ باب عدم تصريف البضاعة وكسادها.

ثم إن المشتري يستفيد من استثمار فائض امواله بشرائه للسلعة السلمية بسعر أرخص بكثير من قيمتها الحقيقية في وقتها وبهذا سوف يحقق ارباحاً له جيدة حيث انه اذا استلم البضاعة فان كان بحاجة الى المال فسوف يبيعها بربح ، وإن لم يكن بحاجة الى المال فسوف يبيعها بيعاً آجلاً بثمن اكبر من ثمنها الحالي ، وبهذا يكون قد استثمر المال مرتين.

ويمكن ان يقال بان بيع السلم هو البديل الشرعي للتمويل بالقرض بفائدة في كل مجال يحتاج فيه المشروع الى التمويل.

بيان انواع المعاملات التي يجوز فيها السلم :

اقول : لما كان السلم لغةً واصطلاحاً مختصاً بالبيع كما هو واضح وأن السلم نوع خاص من البيع ، كان من الواضح عدم صحة هذا السؤال ولعل المراد به اصناف المعاملات التي يجوز فيها السلم فنقول : إنَّ اصناف المعاملات التي يجوز فيها السلم كثيرة وحاصلها :

١ ـ بيع السلم : وهو الشائع من انواع المعاملات السلمية الذي يكون الثمن فيه هو النقد سواء كان ذهباً او فضة او نقوداً ورقية ويكون المثمن فيه سلعة من السلع.

٢ ـ اسلاف الاعراض في الأعراض اذا اختلفت ، كما اذا أسلفه رصاصاً بحنطة ، وقد دل عليه اطلاق خبر وهب عن علي عليه‌السلام قال : « لا بأس بالسلف ما

١٨٨

يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن » (١) المنجبر بالشهرة العظيمة ، ولهذا لا يصار الى ما ذهب اليه ابن أبي عقيل الى عدم جواز السلم الا بالعين والورق ولا يجوز بالمتاع ، والنهي الوارد في هذا النوع يحمل على الكراهة خصوصاً مع التعبير بلفظ « لا ينبغي للرجل اسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن » (٢).

٣ ـ اسلاف الاعراض في الاعراض اذا اتفقت ولم تكن مقدرة بالكيل او الوزن كأسلاف الثياب في الثياب.

٤ ـ اسلاف الاثمان في الاعراض كاسلاف النقد بالحنطة. فيشتري منه نقداً الى أجل بحنطة حالّة ، وهذا قد يقال له بيع النسيئة اذا كان البائع قد اشترى حنطة بنقد مؤجل الى ستة أشهر مثلاً. وفي خبر غياث عن جعفر عن أبيه عليه‌السلام قال : « لا بأس بالسلف في الفلوس » (٣).

٥ ـ اسلاف الاثمان في الاثمان وينقسم الى اقسام :

الاول : اسلاف الذهب بالفضة او العكس. وهذا لا يجوز لانه عبارة عن بيع الاثمان في الاثمان وقد اشترط فيه التقابض في المجلس فما لم يحصل التقابض يكون باطلاً.

ولو قيل ان التقابض قد يحصل بكون الاجل قصيراً ، فمع هذا لا يجوز بيع الاثمان في الاثمان سلماً ، وذلك للادلة الدالة على عدم جواز الاجل في النقدين اذا بيع احدهما بالآخر وانه لابدّ من الحلول في بيعهما والتقابض في المجلس (٤).

الثاني : اسلاف الاوراق النقدية في الاوراق النقدية من جنس واحد ، فأيضاً لا يجوز ، لا لأجل ان التقابض شرط اذ ان التقابض شرط في النقدين

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٧ من السلف ، ح ١.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المصدر نفسه ، باب ١ من السلف ، ح ١٢.

(٤) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ٢ من ابواب الصرف ( الروايات ).

١٨٩

( الذهب والفضة ) ولكن لا يجوز لأنَّ العرف يرى قرضية هذه المعاملة ، فاذا كان ما يستحقه بعد ستة اشهر اكثر مما اعطاه الآن فهو ربا.

الثالث : اسلاف الاوراق النقدية في الاوراق النقدية من جنسين مختلفين ، فهذا يجوز على قول المشهور الذي يرى عدم وجوب التقابض في الاوراق النقدية ، وهناك رأي بعدم جواز ذلك لاشتراط التقابض فيها.

٦ ـ يجوز ان يكون ما في الذمة ثمناً في السلم اذا كان حالاً كما تقدم.

٧ ـ كما يمكن تجزئة تسليم السلم على اوقات متفرقة معلومة ، فقد وردت صحيحة ابي ولاد الحناط فقال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن الرجل تكون له الغنم يحلبها لها ألبانٌ كثيرة في كل يوم ، ما تقول في شراء الخمسمائة رطل بكذا وكذا درهماً ، يأخذ في كل يوم منه ارطالاً حتى يستوفي ما يشتري ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس بهذا ونحوه » (١).

بيان انواع السلع التي يجري فيها السلم :

هناك قاعدة في بيان انواع السلع التي يجري فيها السلم وهي كل سلعة تنضبط في الوصف على وجه ترتفع الجهالة ولا يؤدي الى عزة الوجود فيصح فيه السلم قطعاً. فالميزان في صحة السلم رفع الغرر والجهالة ، فيصح في جميع السلع والمعادن والحيوان والطعام والخضر والفواكه بشرط الانضباط في الوصف كما تقدم.

وقد وردت بعض الروايات التي تمنع السلم او ترشد الى عدم تحققه في الخارج لعدم الانضباط في ذلك الزمان كاللحم نيّه ومشويه والخبز ، ففي خبر جابر : « سألت الامام الباقر عليه‌السلام عن السلف في اللحم فقال لا تقربنه فانه

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٤ من السلم ، ح ١.

١٩٠

يعطيك مرة السمين ومرة الثاوي ومرة المهزولة ، واشتر معاينة يداً بيد » (١) الا أن ادوات الضبط في هذه الايام متوفرة اكثر مما مضى من الزمان ، فما دامت القاعدة هي انضباط السلعة بما يرفع الجهالة ولا يؤدي الى الغرر وعزة الوجود فيصح السلم فيه اذا وجدت ادوات انضباطه في هذه الايام وإن منع فيه سابقاً لعدم انضباطه.

وعلى هذا المقياس فلا يجوز السلم في الجواهر واللآلي لتعذر ضبطها بحيث ترفع الجهالة ولا يؤدي إلى عزة الوجود ، وذلك لتفاوت الاثمان مع اختلاف اوصافها بالحجم والوزن واللون ، نعم هناك من الاحجار الصغيرة التي لا يتفاوت الثمن باعتبارها تفاوتاً بيّناً ، اذ هي تُباع بالوزن مثلاً ، فيجوز فيها السلم.

هذا وقد اطلقت الروايات جواز السلم فيما ينضبط وعدم الاداء الى عزة الوجود فقالت : « لا بأس بالسلم في المتاع اذا وصفت الطول والعرض ، ولا بأس بالحيوان اذا وصفت اسنانها » (٢) وكأنها اتكلت على العرف الذي يكون عارفاً باوصاف الانضباط اكثر من الفقيه احياناً.

وعلى هذا فيجوز السلم :

١ ـ في الخضر والفواكه وكل ما انبتته الارض.

٢ ـ وفي الحيوان كلّه والعبيد.

٣ ـ وفي الالبان والسمون والشحوم والاطياب.

٤ ـ وفي الالبسة والاشربة والادوية.

٥ ـ ويجوز في جنسين مختلفين صفقة واحدة وغير ذلك مع ضبطه بما تقدم.

مفهوم صفة التعيين في السلع التي يمتـنع معها السلم :

لقد تقدم ذكر السلع التي يجوز فيها السلم بشرط انضباطها بما يؤدي الى رفع

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ٢ من السلم ، ح ١.

(٢) المصدر نفسه ، باب ١ من السلم ، ح ١ ـ ٣.

١٩١

الغرر وعزة الوجود. وعلى هذا فاذا كانت الصفة التي ذكرت في السلعة لتعيينها قد استقصيت فأدت الى عزة (١) الوجود ، فيمتنع فيها السلم ، وقد علل بانه يؤدي الى التنازع والفسخ فهو مناف للمطلوب من السلف.

وقد نقول : إن التعيين اذا ادى الى عزة الوجود ارتفع شرط ان تكون السلعة موجودة غالباً بحسب العادة وقت الحلول فيبطل السلم.

ومن الامثلة على التعيين في السلع التي يمتنع معها السلم ما اذا اشترط الأجود ، فإنَّ هذا العنوان غير منضبط ، اذ ما من جيد الا ويمكن وجود أجود منه.

وكذا اشتراط الاردأ : فان الاكتفاء ( في المرتبة الثانية من الرديء ، ودفع الاردأ إن وجد فقد تحققت الافضلية ، والا فدفع الجيد عن الرديء جائز وقبوله على المشتري لازم فيصح شرط الاردأ ) لا يفيد وذلك لان ضبط المسلَم فيه ( المبيع المؤجل ) يعتبر على وجه يمكن الرجوع اليه عن الحاجة سواء امتنع وجوده ام لا ، ومن جملة موارد الحاجة ما لو امتنع المسلَم اليه من دفعه ، فان الحاكم الشرعي يتدخل في أخذه قهراً ، وهو غير ممكن ، وذلك لان الجيد غير متعيّن عليه فلا يجوز لغير مالكه دفعه ، واما الرديء فما ممن رديء الا ويوجد اردأ منه ، فيتضح عدم الصحة في هذا العنوان.

نعم : اذا اشترط الجيد والرديء فهو امر جائز لامكان تحصيلهما بسهولة ، فان الواجب اقل ما يطلق عليه اسم الجيد ، فان زاد عنه زاد خيراً ، وكذا الرديء ، وكلما قلّل الوصف فقد احسن.

والخلاصة : فكل شيء لا يمكن ضبطه بالوصف بمعنى انه يبقى بعد بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره جهالة فاحشة مفضية الى التنازع لا يصح فيه السلم. ولعل دليل ذلك هو ان السلم بيع ، فيكون المسلَم فيه مبيعاً ، والمبيع يحتاج الى أن يتعين بالتعيين ، فاذا كان التعين لا يعينه كما تقدم فلا يصح فيه السلم.

__________________

(١) المراد من عزّة الوجود ممتنعهُ.

١٩٢

الصنف الواحد والاصناف المتعددة :

هل تُعد السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية ( الماركات ) المتعددة ، صنفاً واحداً ام اصنافاً متعددة ؟

ان السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية ( الماركات ) المتعددة كمناديل تنظيف اليد والحليب والحبوب والادهان والفواكه واشباهها قد تكون على انحاء :

النحو الاول : اذا كانت تختلف من ناحية الثمن اختلافاً لا يتسامح بمثله ، ومعنى ذلك وجود اختلاف في خصوصيات الافراد كالجودة والرداءة وامثالهما ، ففي هذا الصورة تعدّ السلعة اصنافاً متعددة ، كالحنطة العربية والكردية والاسترالية ، فان اختلاف الثمن مع كون العنوان واحداً يكون بملاك اختلاف خصوصيات الافراد ، وهذا يجعل الحنطة اصنافاً ، فان لم يذكر في السلم صنفاً واحداً معيناً كانت الجهالة موجودة. وعندما يقول الفقهاء : ان المشتري او البائع للسلم « لا يطلب في الوصف الغاية ، بل يقتصر على ما يتناوله الاسم » فالمراد الاقتصار على ما يتناوله العنوان الذي يزيل اختلاف اثمان الافراد الداخلة في العين.

النحو الثاني : اذا كانت لا تختلف من ناحية الثمن لعدم اختلاف الخصوصيات في الافراد ، ففي هذه الصورة تعدّ العلامات التجارية المتعددة صنفاً واحداً عرفاً كالذَِرة التي تكون من صنف واحد ، ولكن مقدمات عرضها المتساوية وعرضها للاسواق تقوم به شركات متعددة ولكل واحدة منها ماركة خاصة ، ففي هذه الصورة لا يوجد بين افراد السلعة اختلاف في الخصوصيات وينبغي أن لا يكون هناك اختلاف في الثمن عرفاً الا نادراً ، وبهذا فسوف تكون السلعة هذه صنفاً واحداً وإن تعددت الماركات.

النحو الثالث : اذا كانت السلعة الواحدة ذات الماركات المتعددة لا تختلف من ناحية خصوصيات الافراد ولكن تختلف من ناحية الثمن بسبب بعض الامور الجانبية ، مثل ان تكون هذه الشركة في مكان بعيد يوجب نقل السلعة الى هذا البلد

١٩٣

اجوراً اضافية فتكون السلعة اعلى سعراً من الشركة المحلية التي تعرض السلعة نفسها في نفس البلد بدون أجر يضاف الى تصنيعها او عرضها ، ففي هذه الصورة تكون السلعة صنفاً واحداً وإن كانت ماركاتها متعددة واثمانها مختلفة ، لان المدار في اختلاف الاثمان الذي يوجب ذكر الاوصاف هو الذي يوجب اختلاف الاوصاف بين الافراد ، أما اختلاف الاثمان هنا فهو ناتج عن امور جانبية لا عن اختلاف الاوصاف والخصوصيات. فعلى هذا تكون الماركات المتعددة صنفاً واحداً.

وكمثال على ذلك : أن الحنطة المزروعة في مكان واحد وزمان واحد تشترى من قبل شركات متعددة ، فبعضها في نفس بلد الزراعة. وبعضها في بلد آخر يبعد عن بلد الزراعة بآلاف الكيلومترات ، ثم تجري عليها عمليات واحدة قبل عرضها للاسواق ثم تعرض بعد ذلك ، وهنا سوف يكون ثمن الشركة المحلية للكيلو الواحد من الطحين أرخص من ثمن الشركة البعيدة إذا وصل نتاجها المطحون إلى بلد الشركة المحلية ، فهنا لا يوجد اختلاف في الخصوصيات ووجد الاختلاف في الثمن ، فتكون الماركات المتعددة من هذا القبيل صنفاً واحداً.

النحو الرابع : اذا كانت السلعة الواحدة ذات الماركات المتعددة لا تختلف من ناحية خصوصيات الافراد ولكنها تختلف من ناحية الثمن بسبب اختلاف عمليات ما قبل العرض في الاسواق كأن تكون السلعة الصادرة من الشركة المعينة تحمل قابلية بقائها صالحة للاستعمال اكثر من السلعة الصادرة من شركة اخرى بسبب خلط المواد المبعدة للتعفن والمبقية للسلعة على طراوتها مدة اطول من قبل الشركة الاولى دون الثانية ، فهنا سوف يكون اختلاف بين السلع الصادرة من شركات مختلفة الا ان الاختلاف ليس في نفس السلعة ، اذ المفروض ان السلعة واحدة ومن مزرعة واحدة ولكن الاختلاف هو في التصنيع الذي يجعل بعض الافراد يرغب اكثر لهذه الشركة التي صناعتها اجود من الاخرى ، وعلى هذا فسوف يكون اختلاف الماركات كاختلاف الاصناف للسلعة الواحدة.

١٩٤

تنبيه : ما لو فرضنا ( النحو الثاني والثالث ) الذي يجعل الماركات المتعددة صنفاً واحداً ، ولكن المشتري اشترط في صفقة السلم الماركة المعينة ولتكن الاغلى ثمناً او الارخص ثمناً ، ولكن بهدف إرباح هذه الشركة التي له معها رابطة خاصة ، فهل تعدّ الماركات المتعددة اصنافاً متعددة فيجب على البائع أن يلتزم فيدفع ما شرط عليه ، او يجوز له ان يدفع السلعة من الماركات الاخرى ؟

الجواب : ان الماركات المختلفة وإن كانت تعد صنفاً واحداً ، ولكن حكم هذه الصورة هوحكم السلعة ذات الاصناف المتعددة ، وقد جاء هذا الحكم من قبل الشرط ، فان القاعدة القائلة : « المسلمون عند شروطهم » توجب العمل بالشرط اذا كان لهذا الشرط فائدة تعود للشارط وإن لم يكن الشرط موجباً لاختلاف الافراد.

وبهذا التفصيل الذي تقدم اتضح أثر اختلاف العلامات التجارية في تعدد أصناف السلع المسلَم فيها ، فان الماركة المعينة اذا كانت توجد في السلعة ( ذات العنوان المشترك مع آلاف السلع ) خصوصيات معينة تجعلها متميزة عن بقية السلع بدون هذه الميزة ، فإنَّ ذكر هذه الميزات في عقد السلم يكون لازماً لرفع الجهالة والغرر فان فرضنا ان شركات صنع الورق او المناديل تختلف في صناعة الورق الى صقيل وخشن وكذا المناديل ، فان عقد السلم الذي يوجد في الخارج لابدّ فيه من ذكر الصفة التي تميّز افراد ذلك النوع والا لأدّى الى الغرر المنهي عنه.

اشتراط قبض بضاعة السلم قبل بيعها والحكمة في ذلك :

عقد علماء الاسلام في هذا الموضوع بحثين :

الأول : هل يجوز بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل ؟

الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه ؟

البحث الأول : هل يجوز بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل ؟

وقد ذكر بعض علماء الاسلام عدم الجواز ، وكان دليله المدعى الاجماع

١٩٥

المحكي إن لم يكن محصّلاً فقد ذكر صاحب الجواهر قدس‌سره الدليل فقال : « للاجماع المحكي في التنقيح وظاهر الغنية وجامع المقاصد وغيرها ، وعن كشف الرموز إن لم يكن محصّلاً » (١). وقد صرح بان المنع من بيع بضاعة السلم قبل حلول الاجل ليس لأجل عدم ملكية البضاعة للمشتري ، لان العقد هو السبب في الملك ، والاجل يكون لأجل المطالبة. كما ان المنع ليس لاجل عدم القدرة على التسليم اذ أن القدرة على التسليم في البيع الآجل تكون عند الأجل (٢).

وقد ذكر في كتاب الجواهر فتوى نسبها الى كتاب الوسيلة ( لابن حمزة ظاهراً ) تخالف هذا الاجماع وهي : « واذا أراد أن يبيع المسلف ما أسلف فيه من المستسلِف عند حلول الاجل او قبله بجنس ما ابتاعه باكثر مع الثمن الذي ابتاعه لم يجز ، ومن باع بجنس غير ذلك جاز » فقد جوّز بيع السلم على البائع بجنس آخر غير المسلم فيه ، وذكر صاحب الجواهر ايضاً مخالفة بعض متأخري المتأخرين استناداً الى عمومات حلّ البيع ونحوها ، ولكنه تهجّم عليهم بعد ذلك.

وقد ذكر عن الامام مالك في المدونة الكبرى ( ٤ / ٨٨ ) الحديث عن السلم في غير الطعام فقال : « وما اسلفت فيه من العروض الى أجل من الآجال فأردت أن تبيعه من صاحبه فلا بأس أن تبيعه منه بمثل الثمن الذي دفعته اليه او ادنى منه قبل محل الأجل ... وإن اردت أن تبيعه من غير صاحبه ، فلا بأس أن تبيعه منه بما شئت بمثل الثمن او اكثر او أقل ، او ذهب او ورق او عرض من العروض او طعام إلاّ أن يكون من صنفه فلا خير فيه ، ولا بأس أن تبيعه ـ وإن لم يحل الاجل ـ بما يجوز ... » (٣). وهذا النص جوّز بيع بضاعة السلم غير الطعام على غير البائع قبل

__________________

(١) جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ، للمحقق صاحب الجواهر ، ج ٢٤ ، ص ٣٢٠.

(٢) جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ، للمحقق صاحب الجواهر ، ج ٢٤ ، ص ٣٢٠.

(٣) نقلنا هذا النص عن بحث الدكتور على السالوس المقدم الى الدورة الثانية لمجمع الفقه الاسلامي تحت عنوان تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية ، ص ٦.

١٩٦

حلول الاجل بمالا يكون ربا محرماً.

ولكن الشيخ صاحب الجواهر الذي ذكر فتوى الوسيلة ادعى تقدم الاجماع عليها وتأخره عنها ، فبناءً على حجية هذا الاجماع التعبدي يكون بحساب الاحتمال كاشفاً عن رأي المعصوم عليه‌السلام فسوف تكون النتيجة ـ كما هي الحق ـ عدم جواز بيع بضاعة السلم قبل حلول اجلها ، وأظن ظناً قوياً بان المراد من منع بيع البضاعة السلمية قبل القبض ، الصادر من مجمع الفقه الاسلامي الموقَّر في دورته السابعة هو بيعها قبل حلول أجلها حيث ان المنع من بيع البضاعة السلمية قبل القبض مخصوص بالمكيل او الموزون او بالطعام كما سيأتي ذلك.

البحث الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه ؟

وهذه المسألة خلافية عند علماء الاسلام نستعرضها بشيء من التفصيل والتقسيم ، فنقسم البحث الى قسمين :

القسم الاول : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه على غير البائع ؟

القسم الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه على نفس البائع ؟

اما القسم الاول : اقول : هناك مسألة اعم من هذه المسألة من جهة واخص من جهة وهي مسألة : « جواز بيع المبيع قبل قبضه ( سلماً او غير سلم ) وعدمه » ومسألتنا الخاصة في السلم التي هي بيع البضاعة السلمية قبل قبضها ، هي من مصاديق المسألة العامة ، لذا سوف نبحث عن المسألة العامة فيتضح الامر في مسألتنا الخاصة ، فنقول :

في هذه المسألة العامة ثلاثة اتجاهات فقهية :

الاول : يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً ( كان المعقود عليه طعاماً ام غيره وسواء كان مكيلاً او موزوناً ، عقاراً او منقولاً ) وذهب الى هذه الاتجاه

١٩٧

الامام الشافعي (١) وأكثر أصحابه والامام احمد في رواية (٢) وجمع غفير من العلماء.

الثاني : يرى جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً ، وذهب اليه بعض ، كعطاء بن أبي رباح وعثمان البتي (٣). وذهب اليه بعض الامامية على كراهة (٤).

الثالث : تفاصيل اهمها : التفصيل بين بيع المكيل والموزون قبل قبضه فهو لا يجوز الا تولية ، وبين غيره فيجوز وذهب اليه مشهور فقهاء الامامية قديماً وحديثاً (٥).

ولا بأس بالتنبيه الى أن النهي الوارد هنا دال على الفساد ( اي الارشاد الى عدم امضاء المعاملة ) : فيكون معنى اذا اشتريت متاعاً فيه كيل او وزن فلا تبعه الا بعد كيله او وزنه هو اشتراط القبض في صحة البيع الثاني.

والذي يهمنا هنا هو ما ينساق اليه الدليل من هذه الاتجاهات الثلاثة فنقول :

البيع قبل القبض عند المذاهب السُنيّة :

كأن المسألة غير منصوصة عند غير علماء الامامية ، حيث ذُكِرَ أنَّ : « أصل الخلاف يعود الى مسألة الضمان ، هل هو من ضمان البائع ام من ضمان المشتري ، وهل ذلك الضمان يمنع المشتري من التصرف فيه ؟. فمالك واحمد في المشهور عنه ومن معهما قالوا : إن ما تمكن المشتري من قبضه فهو من ضمانه ، وأن المشتري يستطيع ان يتصرف في المبيع قبل التمكن من قبضه ، لأن ضمان البائع له لا يمنع تصرف المشتري

__________________

(١) ألاُم ٣ ، ٦٠.

(٢) المغني لابن قدامة ٤ ، ١٢١ ـ ١٢٣.

(٣) المحلى لابن حزم ٨ / ٥٩٧ و المغني ٤ / ٢٢٠.

(٤) المختصر النافع ، ص ١٤٨.

(٥) هناك التفصيل بين بيع الطعام قبل قبضه فلا يجوز وبين بيع غير الطعام قبل قبضه فهو جائز ، ذهب اليه الامام مالك كما في المشهور عنه والامام احمد في رواية عنه. المدونة ٤ / ٩٠ والمغني ٤ / ١٢٠.

١٩٨

الذي انتقلت اليه ملكية المبيعوالمسلم فيه بمجرد العقد. قال ابن تيمية : « فظاهر مذهب احمد ان جواز التصرف فيه ليس ملازماً للضمان ولا مبنياً عليه ، بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع كما ذكر في الثمرة وصنائع الاجارة وبالعكس كما في الصبرة المعينة ». بينما ربط أبو حنيفة والشافعي جواز التصرف بالضمان ، فاذا لم ينتقل الضمان الى المشتري لا يجوز له التصرف فيه حتى لا يتوالى الضمانان » (١).

وبما اننا لا نجد اي محذور في وجود ضمانات متعددة اذا كانت السلعة عند البائع وباعها المشتري الى مشتري ثاني ، وباعها المشتري الثاني الى ثالث وهكذا ، فاذا تلفت السلعة عند البائع قبل ان يسلمها فيكون المشتري الثاني ضامناً للمشتري الثالث ويكون المشتري الاول ضامناً للمشتري الثاني ويكون البائع ضامناً للمشتري الاول ، فيستقر الضمان على البائع الذي تلفت السلعة عنده قبل ان يسلمها الى المشتري الاول « ولم نجد اي شاهد من اصول الشرع لمنع ان تتوالى الضمانات ، ولم نشاهد حكماً علّق الشارع فساده على توالي الضمانات » بل قد ورد النص عند المذاهب في تجويز التصرف في المبيع قبل ان يتسلمه المتشري ، فهو مع انه مضمون على البائع يتمكن المشتري من بيعه بجنس آخر ، وهو رواية ابن عمر : « كنت أبيع الابل بالنقيع ، فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في بيت حفصة ، فقلت : يا رسول الله رويدك ، أسألك إني أبيع الابل بالنقيع فابيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وابيع بالدراهم وآخذ الدنانير. آخذ هذه من هذه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها مالم تتفرقا وبينكما شيء » ـ (٢) ، كما قد ورد عن كل المذاهب جواز التصرف في الثمرة المشتراة على النخل مع ان ضمانها اذا تلفت يكون على البائع ، فما نحن فيه ايضاً كذلك حيث يتصرف المشتري قبل القبض مع ان الضمان

__________________

(١) راجع مجموع الفتاوى ٢٩ / ٥ ـ ٦ ـ ٥٠٩ عن تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية المشتركة د. علي القرة داغي.

(٢) مسند أحمد ، ج ٢ ، ص ٨٢ ، ١٥٤.

١٩٩

على غيره ، فاذا حصل تلف ، حصل توالي الضمان.

اذن تكون النتيجة بناء على الخلاف السابق هو جواز بيع السلعة المشتراة قبل قبضها لعدم ما يمنع من ذلك شرعاً ، ونهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على ما نسب اليه عن ربح مالم يضمن لا يمنع من النتيجة السابقة حيث يقال بجواز بيع مالم يقبض بسعر اليوم ، والبيع بسعر اليوم قبل القبض يكون خالياً عن الربح ، فلم يربح فيمالم يضمنه.

نعم ورد النهي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن بيع الطعام قبضه ، ولكن ذكر ابن القيّم ان هذا النهي « انما هو في الطعام المعين او المتعلق به حق التوفية من كيل او وزن فلا يجوز بيعه قبل قبضه » (١).

البيع قبل القبض عند الامامية :

لقد وردت النصوص عند الامامية عن اهل البيت : تمنع من بيع المكيل او الموزون قبل قبضه ، وتجيز ما سوى ذلك واليك بعض الروايات :

١ ـ صحيحة منصور بن حازم عن الامام الصادق عليه‌السلام قال : « اذا اشتريت متاعاً فيه كيل او وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا أن توليه ... » (٢).

٢ ـ صحيحة الحلبي عن الامام الصادق عليه‌السلام انّه قال : « في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكال ؟ قال عليه‌السلام : لا يصلح له ذلك » (٣).

٣ ـ صحيحة الحلبي الاخرى قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن قوم اشتروا بُزاً فاشتركوا فيه جميعاً ولم يقسّموه أيصلح لأحد منهم بيع بزّه قبل أن يقبضه ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس به وقال : إن هذا ليس بمنزلة الطعام ، إن الطعام يكال » (٤).

__________________

(١) عن تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية ، د. علي القره داغي ، ص ٦٦.

(٢) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ١٦ من احكام العقود ح ١.

(٣) المصدر السابق ، ح ٥.

(٤) المصدر السابق ، ح ١٠.

٢٠٠