بحوث في الفقه المعاصر - ج ١

حسن بن محمد تقي الجواهري

بحوث في الفقه المعاصر - ج ١

المؤلف:

حسن بن محمد تقي الجواهري

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الذخائر
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

رأينا أن الأنسب بالمقام هو بحث التداين ونظرة الاسلام إليه من ناحيتين :

١ ـ اقتصادية.

٢ ـ اخلاقية.

١ ـ التداين ونظرة الاسلام إليه من الناحية الاقتصادية :

لابد أولاً من معرفة معنى الدَّين ، وقد عرّفه فقهاء الاسلام بانه : المال الكلي الذي أشغل وعاء الذمَّة الذي يفترض لصيقاً بالانسان. وحينئذ من الواضح أنَّ تصور الفقه الاسلامي لنقل الدَّين وانتقاله على حدّ تصورهما في المال الخارجي ، ولذا اعترف الفقه الاسلامي ( الشيعي ) بشيئين :

١ ـ الحوالة : التي هي عبارة عن تحويل المدين الدائنَ على شخص آخر ، أو قل هي عبارة عن نقل المال من مكان الى مكان آخر ( أي من ذمّة الى ذمّة ) وهي معروفة في الفقه الوضعي ب‍ ( حوالة الدَّين ).

٢ ـ بيع الدَّين : وهو عبارة عن تبديل مالك المال الموجود في الذمّة ، كما اذا باعه لشخص ثالث ، أو وهبه له. وهذا يسمى في الفقه الوضعي ب‍ ( حوالة الحق ).

اما البحث حول الحوالة : فان معناها عند الشيعة هو الحوالة المطلقة ( غير المقيدة بالدَّين ) ، فان مشهور علماء الشيعة ـ على ما جاء في كتاب جواهر الكلام ـ

١٢١

على الاعتراف بالحوالة على البريء. قال : « ويصح أن يحيل على من ليس عليه دَين ، وفاقاً للمشهور ، بل عن السرائر الاجماع عليه ، وهو الحجة بعد اطلاق النصوص السابقة وعموم ( اوفوا بالعقود ) (١) والسيرة على فعلها بحيث يعلم شرعيتها » (٢).

واما الحوالة على المدين فقد قال بها كل علماء الشيعة ، والنصوص التي اشير اليها كدليل على صحة الحوالة بصورة مطلقة كثيرة ، منها : ما رواه ابو أيوب الخزاز في الصحيح : أنه سأل الامام الصادق عليه‌السلام : « عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه ؟ قال : لا يرجع عليه ابدا إلاّ أن يكون قد أفلس قبل ذلك » (٣).

وأما من ينكر الحوالة على البريء من علماء الشيعة ، فهو ليس لأجل الصعوبة في أصل تصويرها بل لأجل الدعوى القائلة بأن الحوالة على البريء ترجع الى الضمان الذي هو عبارة عن نقل المال من ذمّة الى ذمّة ، وهذا يختلف عن الضمان عند ابناء العامة الذي هو « ضم ذمّة الى ذمّة » فقد ذكر هذا المعنى السيد الشهيد الصدر رحمه‌الله حيث قال :

« إن هذا الانكار ليس لاجل الصعوبة في تصوير أصل الحوالة ، بل لدعوى ان الحوالة على البريء ترجع الى الضمان ، فباب الضمان يختلف عن باب الحوالة ، فان الحوالة تصدر من المدين الى من يقع عليه الدَّين بعد الحوالة ، والضمان بالعكس ؛ فهو شيء يصدر من نفس من يقع عليه الدَّين ، ويقال : إن الحوالة على البريء يرجع روحها الى الضمان ، فانه ـ في الحقيقة ـ يصدر من الذي يقع عليه الدَّين بهذه المعاملة المتقبل للدَّين ، وهذا عبارة عن الضمان ، فلا تتصور الحوالة على البريء بنحو يفترق عن الضمان ، هذا ما يذكر في المقام. وهذا كما ترى غير مربوط بصعوبة أصل تصوير الحوالة ، والحق أن الحوالة على البريء ـ ايضاً ـ صحيحة ولا

__________________

(١) المائدة ، ١.

(٢) جواهرالكلام ، ج ٢٦ ، ص ١٦٥.

(٣) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١١ من احكام الضمان ، ح ١ ، ص ١٥٨.

١٢٢

ترجع الى باب الضمان على تحقيق موكول الى محله » (١).

وذكر السيد الحائري ( تلميذ السيد الشهيد ) توضيحاً لما ذكره السيد الشهيد الصدر اخيراً من عدم رجوع الحوالة على البريء الى باب الضمان فقال : « ولعله ينظر رحمه‌الله في تصحيحه للحوالة على البريء ـ من دون رجوع الى باب الضمان ـ الى ما ذكره في الجواهر ، من أن انشاء الضمان : يكون في باب الضمان من الضامن ، وفي باب الحوالة من المحيل ، غاية الامر أن يفرض اشتراط رضا المحال عليه بما أنشأ المحيل من الحوالة ، وهذا غير انشاء الضمان منه مباشرة » (٢) ، فتختلف الحوالة على البريء عن الضمان.

أقول : تبين ـ مما تقدم ـ أن علماء الشيعة تصوّروا نقل الدَّين من ذمّة الى ذمّة أي تغيير المدين. وتغيير المدين مرة يكون عن طريق الحوالة بصورة مطلقة ( على المدين او على غير المدين ) كما تصور ذلك في الحوالة المطلقة اكثر علماء الشيعة ، ومرة يكون تغيير المدين بصورة الحوالة على المدين ، وبصورة الضمان ، وقد اعترف بالحوالة على المدين وبالضمان كل علماء الشيعة. اذن يمكن القول بأن الشيعة الإمامية تصوروا امكان تغيير المدين من اول الامر ، كما أن الدليل على ذلك من ائمة الهدى ( أهل البيت ) قد تقدم في تصوير مطلق الحوالة.

وأما الدليل على صحة ضمان الضامن للمدين ففيه ـ ايضا ـ نصوص وردت عن أئمة اهل البيت منها :

١ ـ صحيحة عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق عليه‌السلام : « في الرجل يموت وعليه دين ، فيضمنه ضامن للغرماء ، فقال : اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميت » (٣).

٢ ـ موثق اسحاق بن عمار عن الإمام الصادق عليه‌السلام : « في الرجل يكون عليه

__________________

(١) فقه العقود ، للسيد الحائرى ، ص ٦٦ ـ ٦٧ ( مخطوط ).

(٢) فقه العقود ، للسيد الحائرى ، ص ٦٦ ـ ٦٧ ( مخطوط ).

(٣) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١٤ من أبواب الدين ، ح ١.

١٢٣

دين فحضره الموت ، فقال وليه : عليَّ دينك ، قال عليه‌السلام : يبرؤه ذلك وان لم يوفه وليه من بعده » (١). وطبعا هذه الرواية الثانية تقيد بما اذا رضي الغرماء بضمان الابن دَين ابيه كما دلت عليه الرواية الاولى.

٣ ـ روى الشيخ الطوسي رحمه‌الله في الخلاف عن ابي سعيد الخدري قال : « كنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في جنازة ، فلما وضعت قال : هل على صاحبكم من دَين ؟ قالوا : نعم درهمان ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : صلّوا على صاحبكم ، فقال علي عليه‌السلام هما عليَّ يا رسول الله وأنا لهما ضامن ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فصلى عليه ، ثم أقبل على علي عليه‌السلام فقال جزاك الله عن الاسلام خيرا ، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك » (٢). وهذه الرواية ـ كالرواية الثانية ـ مقيدة بما اذا رضي الغرماء بضمان الضامن كما دلت عليه الرواية الاولى.

اذن ثبت بالدليل الشرعي امكان تغيير المدين في صورة رضاء الغريم بذلك ، وهوى يؤدي معنى الحوالة.

السنهوري وما فهمه من فقه السنة ( بالنسبة لحوالة الدَين والحق ) :

لقد رأى السنهوري في الفقه السنّي باباً باسم باب الحوالة ( ويقصدون بها حوالة الدين ) ولكنه لم يجد اصطلاح حوالة الحق في المذاهب الأربعة إلاّ في الفقه المالكي في الجملة (٣). فقد رأى الدكتور السنهوري أن هذا شيء لا يمكن أن يقع في فقه ما ، وإلاّ لكان هذا بدعاً في تطور القانون ـ على حد تعبيره ـ وذلك لأمرين :

احدهما : إنه من غير الطبيعي أن يعرف نظام قانوني حوالة الدَين قبل أن يعرف حوالة الحق ، لما مضى من ان رابطة الالتزام بالمدين اشد وأقوى منها

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١٤ من أبواب الدين ، ح ٢.

(٢) المصدر السابق ، باب ٣ من احكام الضمان ، ح ٢.

(٣) الوسيط ج ٣ ، فقرة ٢٤٠ ، ص ٤٢١ ، وفقرة ٤٣٤ ـ ٤٣٧.

١٢٤

بالدائن ، وشخصية المدين أخطر في هذه الرابطة من شخصية الدائن.

ثانيهما : إنه من غير الطبيعي ان يسلّم نظام قانوني بانتقال الدَّين بين الاحياء من مدين الى آخر ، وهو لم يعترف بانتقاله بسبب الموت ، لأنَّ تصور قيام الوارث مقام الميت أسهل من تصور قيام شخص مقام من هو حي يرزق كما مضى ، والاسلام لا يعترف بانتقال ديون الميت الى الوارث.

وهنا يواجه السنهوري فتاوى فقهاء السنة الذين أفتوا بحوالة الدَّين بين الاحياء ، ولم يفتوا بانتقال الدَّين بالموت الى الوارث ولا بحوالة الحق إلاّ في المذهب المالكي الذي اعترف به في الجملة ، لذا فان السنهوري أخذ يفسر هذا بالنحو الذي لا يعارض ما ذكره ( من عدم امكان معرفة حوالة الدَّين قبل معرفة حوالة الحق ) ، و ( عدم امكان معرفة انتقال الدَّين بين الاحياء قبل معرفة انتقاله بالموت ) ، ثم ذكر شواهد على تفسيره من كتب اهل السنة ( العامة ) ، وبعد ذلك يصل الى ان الحوالة ( حوالة الدَّين ) يجب صرفها عن معنى الحوالة بمعناها الدقيق ( وهو الحوالة المطلقة غير المقيدة بالدَّين ) ، الى معنى الوفاء الذي يفسر على اساس التجديد بتغيير المدين ، وتوضيح ذلك أن المدين يوفي ( عن طريق ما يسمى بالحوالة ) الدَّين الذي عليه للدائن بالحق الذي له في ذمّة المحال عليه ، فالمدين بدلاً من أن يستوفي حقه من المحال عليه ثم يوفي ( بهذا الحق الذي استوفاه ) دَينه الذي عليه للدائن ، يختصر هاتين العمليتين في عملية واحدة ، فيقضي الدَّين الذي عليه بالحق الذي له دون أن يستوفي شيئاً من مدينه او يوفي شيئاً لدائنه ، بل يقتصر على أن يحيل دائنه على مدينه ، وهذا لا يعني الاعتراف بفكرة الحوالة بمعناها العام ، وإلاّ لأعترفوا بها في الحوالة على البريء.

وكأنَّ الدكتور السنهوري التفت الى وجود طريق آخر لعلماء السنة ، فقد يقولون له : أن الحوالة على المدين يمكن ارجاعها الى حوالة الحق بأن يفترض أن المحيل في الحقيقة قد نقل ( الحق الذي كان له على المحال عليه ) الى دائنه ، فيكون

١٢٥

الفقه السني قد اعترف بحوالة الحق ، ولم يعترف بحوالة الدين. وهذا أمر منسجم مع تطور الفقه من دون مشكلة. إلاّ ان الدكتور السنهوري استبعد هذا الارجاع وذكر لذلك شواهد من الفقه السني.

أقول : وبهذا البحث الذي ذكره الدكتور السنهوري يكون قد فرّغ الفقه السنِّي من الاعتراف بحوالة الحق وحوالة الدين معا.

نقول : إن السيد الشهيد الصدر رحمه‌الله ذكر الشواهد التي ذكرها السنهوري ، وردَّها ، واثبت أنها حيادية اتجاه مسألتنا (١) ، إلاّ ان الرد الحاسم لما ذهب إليه السنهوري ذكره السيد الشهيد الصدر أيضا فقال : « إن السنهوري خلط بين تصورات الفقه الغربي وتصورات الفقه الاسلامي ، فلئن واجه الفقه الغربي مشكلة من هذا القبيل على اساس أنه يرى الدَّين عبارة عن الالتزام ، وهو خيط بين الدائن والمدين ، لا مالاً موجوداً في ذمّة المدين ، وعندئذ يصعب عليه تصور تبديل احد طرفي الالتزام ، لأنَّ الالتزام متقوم بطرفيه ، فالفقه الاسلامي من أساسه لا يواجه مشكلة كهذه ، لانه يرى ان الدَّين مال موجود في ذمَّة المدين يتصور النقل والانتقال على حدّ تصورهما في المال الخارجي ، فحوالة الدَّين : عبارة عن نقل المال من مكان الى مكان ( اي من ذمّة الى ذمّة ) وحوالة الحق : عبارة عن تبديل مالك هذا المال الموجود في الذّمة. وهذان أمران لا يرتبط احدهما بالآخر ، ويجوز للفقه أن يتصور احدهما من دون الآخر ، سواء كان ما تصوره عبارة عن حوالة الحق دون حوالة الدَّين او بالعكس. اما عدم اعتراف الاسلام بانتقال الدَّين في باب الموت الى الورثة مع اعترافه بانتقال الحق اليهم ، فليس بسبب ما يقوله السنهوري من أن تصور انتقال الدين أصعب من تصور انتقال الحق ، وانما هو بسبب ما قاله استاذنا الشهيد الصدر رحمه‌الله وهو أن الاسلام يرى ان الدَّين عبارة عن مال موجود في الذّمة ، وليس عبارة عن الالتزام كما جاء في الفقه الغربي ويرى أن

__________________

(١) المصدر السابق نفسه.

١٢٦

ذمّة الشخص لا تموت بموت الشخص ، فانها وعاء اعتباري قابل للبقاء حتى بعد الموت ، ولذا لا حاجة الى قيام الوارث مقام المورث في الدّين ، فإنَّ الوارث انما يقوم مقام المورث في ما يكون المورّث ميتاً بلحاظه ، وهذا هو الحال بلحاظ أمواله الخارجية وبلحاظ ما كان يطلبه من غيره ، ولذا عرف الفقه الاسلامي انتقال الحق في باب الارث. وأما بلحاظ الديون الثابتة على الميت ، فذمّة الميت باقية على حالها مالم يوف دينه ( ولا مجال لقيام الوارث مقامه ) ويوفى دينه من تركته ثم يورث المال كما قال تعالى : ( من بعد وصية يوصي بها او دين ) (١). وعلى هذا الاساس لا يقول الاسلام بما جاء في الفقه الغربي من انتقال ديون الميت الى الورثة وادائهم اياها بمقدار ما ورثوه من التركة ، بل يقول : ان دَين الميت لا علاقة له بالورثة.

والصحيح : أن التركة تبقى ملكاً للميت ، ويوفى دَينه الثابت في ذمته بها ( لا أن الدَّين يتعلق بالتركة ). وإن لم تفِ تركته بمقدار دَينه بقيت ذمَّته مشغولة الى أن يتبرع عنه متبرع » (٢) او يبرئه الدائن.

نقول : ومما يؤيد صحة ما ذهب إليه السيد الشهيد الصدر رحمه‌الله ( من عدم الارتباط بين حوالة الدَّين وحوالة الحق ، وان الفقه يجوَّز له ان يتصور احدهما دون الاخر ، كما ان الدَّين في باب الموت لا ينتقل الى الورثة ليس له علاقة بصعوبة انتقال الدَّين من انتقال الحق ) هو ما وجدناه في الفقه الشيعي ( الإمامي من الاعتراف بحوالة الدَّين على المدين وعلى البريء والاعتراف بحوالة الحق ، مع أن الشيعة أنفسهم لا يقولون بانتقال ديون الميت الى الورثة ويقولون بانتقال حقوق الميت إليهم ، وهذا دليل على ان تصور انتقال الحق لا ربط به بتصور انتقال الدَّين من الناحية الاولية في التصور.

__________________

(١) النساء ، ١٢.

(٢) فقه العقود ، للسيد الحائرى ، ص ٦٨ ـ ٦٩ ( مخطوط ).

١٢٧

مصطفى الزرقاء :

اما الاستاذ مصطفى الزرقاء ، فقد ذهب الى عكس ما ذهب اليه السنهوري ، حيث قال في كتابه : إن حوالة الحق وحوالة الدّين ثابتتان معاً في الفقه الاسلامي في حوالة المدين دائنه على دَين مدين له ، لانه يتحقق بهذه العملية حوالة الدائن وحوالة المدين في وقت واحد وتوضيح ذلك : لو حوّل زيد دائنه ( وهو عمرو ) على مدين له ( وهو بكر ) ، فقد حوّل زيد ( المدين لعمرو ) دينه على بكر ، وهذه هي حوالة الدين ، وفي نفس الوقت قد حوّل زيد ( الدائن لبكر ) حقه الى عمرو ، فأصبح عمرو هو الدائن لبكر بدلاً عن زيد ، وهذه هي حوالة الحق (١).

واورد على ذلك السيد الشهيد الصدر رحمه‌الله :

« إن هذه الحوالة لا يمكن أن تكون حوالة دَين وحوالة حق في وقت واحد ، بل يجب ان تكون حوالة دَين فقط او حوالة حق فقط ، فزيد اما ان يحوّل الدَّين الذي في ذمَّته لعمرو على بكر استيفاء لحقه الذي له على بكر ، وهذه هي حوالة الدَّين ، اي حوالة الدَّين الموجود في ذمَة زيد على بكر. أما الدَّين الذي يطلبه زيد من بكر فقد سقط. واما ان يحوّل الحق الذي له في ذمّة بكر الى عمرو وفاء لدَينه ، وهذه هي حوالة الحق ، وبهذا سقط الدَّين الذي كان في ذمته لعمرو. أما اذا افترضنا ان هذه حوالة دَين وحوالة حق في وقت واحد فهذا يعني أن يكون كلا الدَينين ثابتين لعمرو على بكر ، لأنَّ الدَين الذي كان له على بكر حوّله لعمرو فملكه عمرو بحوالة الحق ، والدَّين الذي كان عليه لعمرو حوّله على بكر فهو لا زال ملكاً لعمرو يستوفيه من بكر ، وهذا يعني ان يأخذ عمرو المال من بكر مرتين وهو واضح البطلان » (٢).

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ٦٩ ـ ٧٠ ، ( مخطوط ).

(٢) المصدر السابق نفسه.

١٢٨

نقول : ولو تنازل الاُستاذ مصطفى الزرقاء عن كلمة : « يتحقق بهذه العملية حوالة الدائن وحوالة المدين في وقت واحد » وقال : نتمكن أن تتصور حوالة الدائن وحوالة المدين في عمليتين ( اي في وقتين ) (١) ، فهل نتمكن ان نقول ان الفقه السنّي قد عرف حوالة الدَّين وحوالة الحق معاً ؟

الجواب : لا يمكن ذلك ، وذلك فانَّ حوالة الحق التي لم تذكر في المذاهب الاربعة إلاّ المذهب المالكي في الجملة ( كما ذكروا ) لا يمكن ان نقول إن الفقه السنّي قد عرفها وان تصور ذلك الاستاذ مصطفى الزرقاء حيث إننا بحاجة الى دليل شرعي على اعتراف الفقه السنّي بحوالة الحق ، او على الاقل نحتاج الى نص من فقيه قديم يصرح بحوالة الحق ، اما تصوّر الزرقاء فهو لا يكفي لنسبة القول بحوالة الحق الى الفقه السنّي ، اذ فرق كبير بين تصور الشيء وثبوته في الفقه بحيث ينسب الى الشريعة. وقد يتصور فقيه قديم حوالة الحق ، إلاّ ان تصوره اياها غير كاف لثبوتها في الشريعة الاسلامية كما هو واضح ، وتصور حوالة الحق في الفقه الاسلامي سهل يسير اذا عرفنا ان الدَّين هو مال كلي ثابت في ذمّة الغير ، وحينئذ يمكن نقله من مدين الى آخر ، ويمكن تغيير الدائن ايضا ، إلاّ ان هذا لا يكفي لنسبة حوالة الدَّين وحوالة الحق الى الشريعة ، بل لابد من سنّة او على الاقل ذهاب جمع من العلماء القدامى الى القول بحوالة الحق والدَّين كفتوى لهم تكشف عن وجود ارتكاز لدى المتشرعة بقبولهما ، وهذا الارتكاز يكشف عن رضا المعصوم عليه‌السلام او تقريره ، وهو سنّة متبعة.

__________________

(١) اي شخص واحد يتمكن أن يحول دائنه على مدينه وهي حوالة الدَّين ، كما يتمكن أن يفعل هذه العملية بصورة اُخرى كما اذا تصورنا ان دائن زيد لم يطالبه بالدَّين ، ولكن زيداً اراد تسديد دَينه ، فأمر مدينه بدفع المبلغ الى دائن زيد ، فيكون زيد قد حوّل حقه الذي في ذمّة مدينه الى دائنه وهو حوالة الحق ، وهذا ليس فيه منع كما في بيع الدَّين على غير المدين.

١٢٩

المفهوم الغربي للدّيْن :

الدَّين في المفهوم الغربي هو مجرد التزام شخص لشخص ، وهذا أقرب ما يكون الى مفهوم انشغال العهدة عند الشيعة ، فكأنه رابطة بين انسان وانسان أو بين انسان ومال ، وكان هذا التعريف للدَّين هو الفارق عند الغربيين بين ما يسمونه بالحق الشخصي والحق العيني ، فالشخصي هو الذي يربط الانسان بانسان آخر ، والعيني هو الذي يربط الانسان بعين خارجية (١). قال الدكتور السنهوري متحدثاً عن تطور الرابطة بين الدائن والمدين في الفقه الغربي :

« ولم تثبت هذه الرابطة على حال واحدة ، بل انها تطورت فكانت في اول أمرها سلطة تعطى للدائن على جسم المدين لا على ماله وكان هذا هو الذي يميز بين الحق العيني والحق الشخصي. فالاول سلطة تعطى للشخص على شيء ، والثاني سلطة تعطى للشخص على شخص آخر ، وكانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة يدخل فيها حق الاعدام وحق الاسترقاق وحق التصرف ، ثم تلطفت هذه السلطة فصارت مقصورة على التنفيذ البدني بحبس المدين مثلاً ، ولم يصل الدائن الى التنفيذ على مال المدين ألاّ بعد تطور طويل ، فاصبح للالتزام منذ عهد الرومان مظهران :

مظهر باعتباره رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين.

ومظهر باعتباره عنصراً مالياً يقوم بذمَّة الدائن ، ويترتب دَيناً في ذمة المدين. ولا يزال الالتزام محتفظاً بهذين المظهرين الى الوقت الحاضر وان اختلفت المذاهب فيه ، فمذهب يغلِّب الناحية الشخصية ؛ وهو المذهب الفرنسي التقليدي

__________________

(١) أما الفقه الاسلامي فهو لا يعرف هذين الاصطلاحين مادام لا يعرّف الدَّين بهذا التعريف بل يعرفه على أنه مال في ذمَّة الغير قابل للنقل والانتقال كالاعيان ، نعم الفقه الاسلامي يعرف الحق الكلي والحق العيني.

١٣٠

الموروث عن القانون الروماني. ومذهب يغلِّب الناحية المالية ؛ وهو المذهب الألماني الحديث ... وأشهر من قال بالمذهب الشخصي من فقهاء الألمان ( سافيني ) فقد كان يرى الالتزام رابطة شخصية تخضع المدين للدائن ، وهو صورة مصغَّرة من الرق. فالسلطة التي تمنح لشخص على شخص آخر قد تستغرق حرية من يخضع لهذه السلطة وهذا هو الرق الكامل والملكية التامة ، وقد لا تتناول السلطة إلاّ بعض هذه الحرية ، ولا تمتد إلاّ الى جزء من نشاط المدين ، فيترتب ـ من ذلك ـ حق للدائن قريب من حق الملكية ولكنه ليس إيّاها فهو حق خاص بعمل معيَّن من أعمال المدين. وهذه النظرية قام في وجهها فقهاء الألمان وعلى رأسهم ( جييريك ) وأبوا أن تستقر في الفقه الألماني بعد ان عملوا على تحرير قانونهم من النظريات الرومانية وغلّبوا النظريات الجرمانية الاصل عليها. وقد بيَّن ( جييريك ) أن الفكرة الجرمانية في الالتزام لا تقف عند الرابطة الشخصية ، كما كان الامر في القانون الروماني ، بل تنظر الى محل الالتزام ، وهو العنصر الاساسي ، وتجرده من الرابطة الشخصية حتى يصبح الالتزام عنصراً مالياً اكثر منه علاقة شخصية ، فينفصل الالتزام بذلك عن شخص الدائن وعن شخص المدين ، ويختلط بمحله فيصبح شيئاً مادياً العبرة فيه بقيمته المالية » (١). ومن هنا دخلت فكرة الذمّة في الفقه الغربي إلاّ أنها اختلفت عن فكرة الذمّة عندنا ، فبينما الذّمة عندنا وعاء اعتباري لصيق بالانسان لا علاقة له بأمواله الخارجية ، كانت لديهم عبارة عمّا يسمى بالثروة او ( بالذمّة المالية ) وهي وعاء تستوعب كل اموال الانسان الخارجية وغيرها ايجابية وسلبية ، ففي الذمّة المالية عندهم عنصران : عنصر ايجابي هو الحقوق وعنصر سلبي هو التكاليف ، والذمّة تتكون من العنصرين معا ، وحاصل الفرق بين العنصرين يسمى الصافي ، وقد تكون الذمّة خالية ليس فيها

__________________

(١) الوسيط ، ج ١ ، الفقرة ٧ ـ ٩ ، ص ١٠٧ ـ ١٠٨.

١٣١

حقوق ولا تكليفات كذمّة الوليد الذي ليس له مال (١).

الموازنة بين النظرية الاسلامية والنظرية المقابلة :

إن اول فرق بين النظرية الاسلامية للتداين والنظرية المقابلة هو : تصور الاسلام الدين من أول الأمر على أنه مال في ذمّة المدين ، بينما لم يصل القانون الغربي الى هذه النتيجة إلاّ بعد تطور دام مدة طويلة. فالفرق هو عدم خضوع الفقه الاسلامي للتطور ، بل هو تشريع نازل من السماء لا يخضع لتطور الأحكام كما يخضع لها الفقه الوضعي. ومن نافلة القول بيان خطأ من يحاول أن يسبغ على الشريعة تطوراً يؤدي بها الى الخروج عن كونها شريعة اسلامية بحجة متطلبات الحياة ، وهو يعيش حياة رأسمالية في حكمها الاقتصادي ، فبالاضافة الى خطأ هذا القول يكون صاحبه قد اقترف جناية كبرى بمسخ الشريعة الاسلامية وتحويلها الى شريعة اُخرى قد تكون رأسمالية او اشتراكية ، وهو غافل او متغافل عن ان خطأ كلا التشريعين الوضعيَّين قد اثبته الاسلام الذي ينظر الى الانسان بوصفه كائناً فردياً له احتياجاته ، كما انه في ضمن جماعة يجب ان تحفظ مصالحها العامة.

ولا ادري بماذا يجيب من يدعو الى التحرر من بعض الاحكام القرآنية بحجة متطلبات الحياة وهو يسمع او يرى الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : « حلال محمد حلال ابداً الى يوم القيامة ، وحرامه حرام أبداً الى يوم القيامة » (٢).

نعم نحن لا ننكر وجود تطور في الموضوعات التي يتبدل الحكم فيها بتبدل

__________________

(١) راجع الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، للاستاذ مصطفى الزرقاء ، ج ٣ ، فقرة ١٢٨ ، ص ٢٣٣ ، بحسب الطبعة الخامسة.

(٢) اصول الكافي ، الكليني ، ج ١ ، ص ٥٨ ، ح ١٩. وقد وردت هذه الرواية بهذا اللسان في كتب اهل السنة : « فما احل الله على لسان نبيِّه فهو حلال الى يوم القيامة ، وما حرَّم الله على لسان نبيّه فهو حرامٌ الى يوم القيامة » سنن الدارمي ، ج ١ ، ص ١١٥.

١٣٢

موضوعه وهذا شيء آخر غير تطور الحكم الشرعي الذي ننكره ونحاسب عليه. ثم ان التصوير القديم لمعنى الدَّين في الفقه الوضعي ( بانه التزام شخصي ) ادى بهم الى ما يلي :

١ ـ عدم تصورهم لحوالة المدين الدائن في دينه ( وهذه هي الحوالة في فقهنا ، وهي حوالة الدَّين في الفقه الغربي ).

٢ ـ عدم تصورهم لتغيير الدائن من شخص لآخر ( وهذا هو بيع الدَّين في فقهنا او هبته ، ويسمى في الفقه الغربي بحوالة الحق ).

٣ ـ بما أن شخصية الوارث هي استمرار لشخصية المورّث ( كما يقول الفقه الغربي ، فقد استساغت القوانين الغربية :

أ ـ إنتقال الالتزام من الدائن ( عند موته ) الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم الدائنين مكانه.

ب ـ إنتقال الالتزام من المدين ( عند موته ) الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم المدينين مكانه ، وكأنهم لا يقولون بانتقال الالتزام الى شخص جديد بالموت مادام الوارث هو استمراراً لشخصية المورث.

قال الدكتور السنهوري : « قد كانت فكرة الرابطة الشخصية هي الفكرة السائدة في القانون الروماني ، ثم سادت بعد ذلك عصورا طويلة في القوانين اللاتينية ، فلم يكن يمكن معها تصور انتقال الالتزام لا من دائن الى دائن آخر ولا من مدين الى مدين آخر. على أن استعصاء الالتزام على الانتقال لم يلبث في هذه القوانين القديمة إلاّ في انتقاله فيما بين الأحياء ، أما انتقال الالتزام الى الوارث بسبب الموت ، فان هذه القوانين لم تلبث أن استساغته منذ عهد طويل ... فينتقل الالتزام من الدائن عند موته الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم الدائنين مكانه ، وكذلك ينتقل الالتزام من المدين عند موته الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم المدينين مكانه ... وتعتبر شخصية الوارث انما هي استمرار لشخصية المورث ،

١٣٣

فكأن الالتزام لم ينتقل الى شخص جديد بموت صاحبه ، بل بقي عند صاحبه ممثلا في شخص الوارث ... وقد يبدو ان الالتزام يتحور في الشرائع الغربية اذا هو انتقل من المدين الى وارثه وقبل الوارث الميراث محتفظا بحق التجريد ، فيفصل اموال التركة عن أمواله الشخصية ولا يكون مسؤولا عن ديون التركة إلاّ في المال الذي ورثه ، فيصبح الالتزام بعد أن انتقل الى الوارث لا يمكن التنفيذ به إلاّ على اموال التركة التي انتقلت الى هذا الوارث ، ولكن هذا التحوير ليس تحويرا حقيقيا ، فالواقع من الامر أن الالتزام بقي ـ من ناحية المال الذي يجوز التنفيذ عليه ـ كما كان في حياة المورّث ، فقد كان عندئذ لا يمكن التنفيذ به إلاّ على ماله فبقي كما كان. واذا كان قد أمكن في انتقال الالتزام بسبب الموت جعل الوارث خلفاً عاما للمورّث وتصوير هذه الخلافة العامة كأنها استمرار لشخصية المورث ففي انتقال الالتزام ما بين الاحياء حيث الخلافة خاصة لا يمكن تصوير هذه الخلافة الخاصة حال الحياة كما أمكن تصوير الخلافة العامة بعد الموت استمرارا لشخصية السلف ، ذلك انه اذا أمكن القول بان المورث قد زالت شخصيته بالموت يتصور استمرارها في شخص الوارث ، فانه يتعذر القول بأن السلف وهو لا يزال حياً تستمر شخصيته في شخصية خلفه الخاص. من اجل ذلك لم يكن ممكنا ان ينتقل الالتزام حال الحياة في القانون الروماني من دائن الى دائن آخر ، او من مدين الى مدين آخر عن طريق حوالة الحق او عن طريق حوالة الدَّين. ولم يكن ممكنا اذا اريدَ تغيير شخص المدين إلاّ تجديد الالتزام بتغيير الدائن ، أو اريد تغيير شخص المدين الاّ تجديد الالتزام بتغيير المدين ، وفي الحالتين لم يكن الالتزام ذاته بمقوماته وخصائصه هوالذي ينتقل من شخص الى شخص آخر ، بل كان الالتزام الاصلي ينقضي بالتجديد ، وينشأ مكانه التزام جديد بمقومات وخصائص غير المقومات والخصائص التي كانت للالتزام الاصلي ، وفي هذا الالتزام الجديد كان يتغير شخص الدائن او يتغير شخص المدين. على ان الرومان كانوا يلجأون الى طريقة

١٣٤

اخرى لتحويل الالتزام من دائن الى دائن اخر دون تدخل من المدين ، فكان الدائن الاصلي يوكل ( من يريد تحويل الالتزام إليه ) في قبض الدَّين باسمه من المدين وكان هذا التوكيل وسيلة يستطيع بها الوكيل ان يقبض الدَّين من المدين دون حاجة الى رضائه بتحويل الدَّين ولكن هذه الطريقة لم تكن مأمونة ؛ فان الدائن الأصلي كان يستطيع ان يعزل الوكيل قبل ان يقبض الدَّين. وبقي القانون الروماني على هذه الحال دون أن يعرف ، لا حوالة الحق ولا حوالة الدَّين ، وبقيت الحوالة مجهولة مدة طويلة في القانون الفرنسي القديم يتحايلون عليها عن طريق التوكيل بقبض الدَّين الذي كان القانون الروماني يلجأ اليه ، حتى أصبح هذا الطريق مألوفاً ، ومنه دخلت حوالة الحق في القانون الفرنسي القديم ، واصبح مما في هذا القانون انه يجوز للدائن ان يحول حقه الى دائن آخر دون حاجة الى الحصول على رضاء المدين بالحوالة ، على غرار التوكيل بالقبض الذي أصبح مفترضادون نص ، وهذا بالرغم من ان التحليل القانوني الدقيق يستعصي على أن ينتقل الالتزام ـ وهو رابطة شخصية ـ من دائن الى دائن اخر. وساعد على امكان انتقال الالتزام من دائن الى دائن آخر ، أن فكرة الالتزام ـ باعتباره رابطة شخصية ـ أخذت تتطور ، وأخذ العنصر المادي في الالتزام يبرز شيئا فشيئا ، فاصبح من السهل أن نتصور أن الالتزام ( باعتباره قيمة مالية لا باعتباره رابطة شخصية ، وبالنسبة الى موضوعه لا بالنسبة الى اطرافه ) ينتقل من دائن الى دائن آخر. لكن التطور في القوانين اللاتينية وقف عند هذا الحد ، ولم يصل القانون الفرنسي ـ حتى اليوم ـ الى تنظيم حوالة الدَّين ( أي انتقال الالتزام من مدين الى مدين اخر ) وليس هناك سبيل الى تغيير المدين في الالتزام إلاّ عن طريق التجديد أو الإنابة في الوفاء ، ذلك ان شخصية المدين في الالتزام اكبر خطرا من شخصية الدائن ، فعلى شخصية المدين ومقدار يساره وحسن استعداده للوفاء بدينه تتوقف قيمة الدَّين ، فلم يكن من السهل التسليم بتحويل الالتزام من مدين الى مدين آخر دون ان يكون الدائن طرفا في هذا

١٣٥

التحويل عن طريق التجديد ، لان الدائن يأبى ان يتغير عليه المدين من دون رضائه ، ويعنيه من تغيير مدينه ما لا يعني المدين من تغيير دائنه ، فبقيت القوانين اللاتينية عند هذه المرحلة من التطور ، ولم تستكمله الى غايته ، وذلك مع استثناء التقنين المدني الايطالي الجديد ، فقد أقرَّ حوالة الدَّين عند الكلام في الإنابة في الوفاء.

أما التقنينات الجرمانية فقد سارت في التطور الى نهاية الطريق ، ومادامت فكرة الالتزام قد تطورت فاصبح الالتزام قيمة مادية اكثر منه رابطة شخصية ، ومادام قد أمكن تصور انتقال الالتزام من دائن الى دائن اخر ، فما الذي يحول دون التسليم بانتقاله من مدين الى مدين آخر ، ومن ثم يعرف كل من التقنين المدني الايطالي ( ١٤١٤ ـ ١٤١٩ ) وتقنين الالتزامات السويسري ( المواد ١٥٧ ـ ١٨٣ ) الى جانب حوالة الحق حوالة الدَّين » (١).

وبعد نقل كلام الدكتور السنهوري لمعرفة النقاط الثلاث التي ذكرناها ، نعرف الموازنة بين النظرية الاسلامية للدّين ، والنظرية المقابلة ، فان الاسلام ـ كما تقدم ـ قد عرف حوالة الدَّين وحوالة الحق مباشرة وأقرهما من دون أن يتطور في معرفتهما كما حصل ذلك في القوانين البشرية ، والاسلام في نفس الوقت الذي عرف فيه كلتا الحوالتين لم يعترف بانتقال ديون الميت الى الوارث ، لكنه اعترف بانتقال الحق اليه ، وهذا كله تقدم ، وتقدم بيانه ومعرفة حكمته وعلَّته.

٢ ـ التداين ونظرة الاسلام اليه من الناحية الاخلاقية

ومن أجل تكميل البحث ، ولأنَّ الاسلام هو نظرة الى الحياة شاملة للنواحي الاقتصادية والاخلاقية وغيرها من نواحي الحياة ، رأينا من المناسب ان نتطرق الى نظرة الاسلام الى التداين من الناحية الاخلاقية ، ومقارنتها مع النظرية المقابلة ،

__________________

(١) الوسيط ، ج ٣ ، فقرة ٢٣٧ ـ ٢٣٩ ، ص ٤١٤ ـ ٤١٩.

١٣٦

لنعرف مدى اهتمام الاسلام بالمجتمع المتجانس والمتآخي ، ومدى وصول المجتمعات البعيدة عن الاسلام الى الاثرة وحب الذات والنفرة بين الافراد.

فنقول : مرة يكون التداين قد صدر من الدائن ( فهو حق له في ذمّة الغير ) ، ومرة يكون قد صدر من المدين ( فهو حق عليه في ذمّته للغير ) ، ولابد من معرفة نظرة الاسلام من البحث في كلا الامرين :

أ ـ الدَّين بما أنه قد صدر من المدين :

اولاً : اذا كان المدين غير محتاج الى الدَّين :

في هذه الحالة يستدين المرء لتوسيع نطاق تجارته مثلا ، فان الاسلام يرى كراهة هذا العمل ، والدليل على ذلك الروايات الكثيرة ، منها :

١ ـ صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « تعوَّذوا بالله من غلبة الدَّين ، وغلبة الرجال ، وبوار الأيّم » (١).

٢ ـ موثقة السكوني عن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « ايَّاكم والدَّين فانه شين الدِّين ».

٣ ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام عن علي عليه‌السلام أنه قال : « إيَّاكم والدَّين ، فانه همٌّ بالليل ، وذل بالنهار » (٢). وقد ورد عن علي بلفظ آخر أنه قال : « إياكم والدَّين فانه مذلة بالنهار ، ومهمّة بالليل ، وقضاء في الدنيا وقضاء في الآخرة » (٣).

٤ ـ وقد روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال : « من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء ، وليجود الحذاء ، وليخفف الرداء ، وليقل مجامعة النساء. قيل : وما خفة

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١ من ابواب الدين ، ح ١ ، ص ٧٦.

(٢) المصدر السابق ، ح ٣.

(٣) المصدر السابق ، ح ٤.

١٣٧

الرداء ؟ قال : قلة الدَّين » (١).

٥ ـ وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « أعوذ بالله من الكفر والدَّين . قيل : يا رسول الله أتعدل الدَّين بالكفر ؟ قال نعم » (٢).

٦ ـ وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا تزال نفس المؤمن معلّقة ما كان عليه دَين » (٣).

٧ ـ وعن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام ان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : قال : « الدَّين راية الله ـ عزّوجل ـ في الأرضين ، فاذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه » (٤).

وهذه الروايات وإن كانت مطلقة في ذم الدَّين وكراهته إلاّ أنها تقيد بالروايات الآتية التي تجوزه عند الحاجة كما ستأتي الاشارة إليها.

ثانياً : جواز الاستدانة مع الحاجة اليها :

وقد وردت الروايات بجواز الاستدانة مع الحاجة اليها ، وبهذا تقيد الروايات الذامة للدَّين بغير هذه الصورة ، فمن الروايات الدالة على الجواز مع الحاجة :

١ ـ صحيحة معاوية بن وهب قال : قلت للإمام الصادق عليه‌السلام : « إنه ذُكِرَ لنا أن رجلا من الانصار مات وعليه ديناران ديناً ، فلم يصلّ عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : صلُّوا على صاحبكم حتى ضمنهما عنه بعض قرابته ، فقال الإمام الصادق عليه‌السلام : ذلك الحق ، ثم قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله انما فعل ذلك ليتعاطوا وليرد بعضهم على بعض ، ولئلا يستخفوا بالدَّين ، وقد مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليه دَين ، وقتل أميرالمؤمنين عليه‌السلام وعليه دَين ، ومات الحسن عليه‌السلام وعليه دَين

__________________

(١) المصدر السابق ، ح ٥.

(٢) المصدر السابق ، ح ٦.

(٣) المصدر السابق ، ح ٧.

(٤) المصدر السابق ، ح ١٠.

١٣٨

وقتل الحسين عليه‌السلام وعليه دَين » (١).

٢ ـ موثقة موسى بن بكر قال : قال لي ابوالحسن عليه‌السلام « من طلب هذا الرزق من حلِّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ، فان غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما يقوت به عياله » (٢).

٣ ـ عن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليه‌السلام قال : « لقد قُبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وانَّ درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لاهله » (٣).

٤ ـ وعن ابراهيم بن محمد الاشعري بإسناده عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال : « قُبض علي عليه‌السلام وعليه دين ثمانمائة الف درهم ، فباع الحسن عليه‌السلام ضيعة له بخمسمائة الف فقضاها عنه ، وباع ضيعة له بثلثمائة الف فقضاها عنه ... » (٤).

ثالثاً : جواز الاستدانة لعمل الطاعات :

وقد وردت الروايات بجواز الاستدانة للطاعة ، وبذلك تقيد الروايات الذامة للاستدانة بغير هذه الصورة ايضا ، فمن الروايات الدالة على جواز الاستدانة لأجل الطاعة :

١ ـ ما رواه الصدوق باسناده عن الميثمي عن أبي موسى قال : « قلت للإمام الصادق عليه‌السلام : جعلت فداك يستقرض الرجل ويحج ؟ قال : نعم ، قلت : يستقرض ويتزوج ؟ قال : نعم ، انه ينتظر رزق الله غدوة وعشية » (٥). ثم إن الجامع بين الزواج والحج هو الطاعة ، إذن تجوز الاستدانة لأجل الطاعة ، فتكون الاستدانة

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٢ من ابواب الدين ، ح ١.

(٢) المصدر السابق ، ح ٢.

(٣) المصدر السابق ، ح ٩.

(٤) المصدر السابق ، ح ١١.

(٥) المصدر السابق ، باب ٣ ، من ابواب الدين ، ح ١.

١٣٩

للعمل العبادي جائزة كما هو المستفاد من الرواية ، وان كان انتظار رزق الله غدوة وعشية هو مستحب ، إلاّ أنه شيء آخر غير الاستدانة ، بل يكون مسبباً عنها.

رابعاً : وجوب الاستدانة أحياناً ، ثم اننا نقول : إن الدَّين قد يكون واجباً ، كما اذا توقفت نجاة المؤمن عليه ، وبما ان نجاة المؤمن اذا كنت قادرا عليها او على سببها فهي واجبة ، فحينئذ يكون السبب اليها اذا كان منحصرا واجبا ، وهذا واضح كما قرره علماء الاصول في مسألة مقدمة الواجب.

ب ـ الدَّين اذا صدر من الدائن :

إن الدَّين اذا صدر من الدائن يكون إيثاراً للمدين في أغلب الحالات ، حيث قدم صاحب المال غيره على الاستفادة من السيولة النقدية والتمتع بالمال الناض ، وقد كان بمقدور صاحب المال أن لا يمنح فرصة الاستفادة لغيره ، ولكن قد يجنح الدائن الى ايثار غيره بالمال رغبة في ثواب الله سبحانه وقد تكون هناك غاية عاطفية أو انسانية اخرى تدعو الدائن أن يقدم غيره على نفسه للاستفادة من النقد ، في مقابل ان يردّمثله بعدمدة يتفقان عليها. وهذا العمل اذا صدر من الدائن بقصد التقرب الى الله تعالى ـ الذي يحب الخير والمساعدة على البر والعمل الصالح يحصل الدائن على الثواب الذي وعد الله سبحانه به عباده الصالحين ( والله لا يخلف الميعاد ). واما اذا لم يكن الدَّين قد قصد فيه القربة ورضاء الله سبحانه ، فلا يحصل الدائن على الثواب الموعود به ، واليك الروايات الدالة على تحبيذ القرض من قبل القارض :

١ ـ ما روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام انه قال : « لأن أقرض قرضا احب الي من أن أتصدق بمثله » (١).

٢ ـ عن جابر عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « من أقرض مؤمناً قرضاً ينشر به ميسوره كان ماله في زكاة ، وكان هو في صلاة من

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ٦ من ابواب الدين ، ح ١.

١٤٠