آية التطهير

السيّد علي الحسيني الميلاني

آية التطهير

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مركز الأبحاث العقائدية ISBN: 964-319-249-0
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١
٢

دليل الكتاب :

مقدّمة المركز .................................................................. ٥

تمهيد ......................................................................... ٧

المراد من أهل البيت عليهم‌السلام في آية التطهير ......................................... ٩

آية التطهير وأزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ............................................... ١٥

بحث في مقتضى سياق الآية .................................................... ٢٢

معنى إذهاب الرجس والإرادة .................................................. ٢٥

الإرادة التكوينية والجبر ........................................................ ٢٧

بعض التحريفات في كتب القوم ................................................ ٣١

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز :

لا يخفى أنّنا لا زلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة ، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة ، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك ، فقد بادر مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور : عقد الندوات العقائديّة المختصّة ، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين ، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة ، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد

٥

والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها ، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولأجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الإنترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً ، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان « سلسلة الندوات العقائدية » بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الأبحاث العقائدية

فارس الحسّون

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

موضوع البحث في هذه الليلة آية التطهير.

انتهينا من البحث بنحو الإجمال عن آية المباهلة ، وبقيت نقاط تتعلّق بآية المباهلة سنتعرض لها إن شاء الله في مبحث تفضيل الأئمّة على الأنبياء ، في الليلة المقرّرة لهذا البحث إن شاء الله.

قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١).

هذه الآية في القرآن الكريم ضمن آيات تتعلّق بزوجات

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٣.

٧

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أقرأ الآيات :

( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) (١) صدق الله العليّ العظيم.

هذه الآية المباركة أيضاً من جملة ما يستدلّ به من القرآن الكريم على إمامة أمير المؤمنين سلام الله عليه.

وكما ذكرنا في الليلة الماضية حيث ذكرنا الخطوط التي لابدّ وأن يجري البحث على أساسها ، ورسمنا تلك الخطوط ، وذكرنا بأنّ القرآن الكريم لم يأت فيه اسم أحد ، وكلّ آية يستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين أو غير أمير المؤمنين ، لابدّ وأن يرجع في دلالتها وفي شأن نزولها إلى السنّة المفسّرة لتلك الآية ، والسنّة المفسّرة للآية أيضاً يجب أن تكون مقبولة عند الطرفين المتنازعين المتخاصمين في مثل هذه المسألة المهمّة.

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٢ ـ ٣٤.

٨

المراد من أهل البيت عليهم‌السلام في آية التطهير

إذن ، لابدّ من بيان المراد من أهل البيت عليهم‌السلام في هذه الآية المباركة ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ).

محلّ الاستدلال في هذه الآية المباركة نقطتان :

النقطة الاُولى : المراد من أهل البيت.

النقطة الثانية : المراد من إذهاب الرجس.

فإذا تمّ المدّعى على ضوء القواعد المقرّرة في مثل هذه البحوث في تلك النقطتين ، تمّ الاستدلال بالآية المباركة على إمامة علي أمير المؤمنين ، وإلاّ فلا يتمّ الاستدلال.

المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة مَن ؟ لابدّ هنا من الرجوع أيضاً إلى كتب الحديث والتفسير ، وإلى كلمات العلماء من محدّثين ومفسّرين ومؤرخين ، لنعرف المراد من قوله تعالى في هذه الآية ، أي : المخاطب بأهل البيت من هم ؟ ونحن كما قرّرنا من

٩

قبل ، نرجع أوّلاً إلى الصحاح والمسانيد والسنن والتفاسير المعتبرة عند أهل السنّة.

وإذا ما رجعنا إلى صحيح مسلم ، وإلى صحيح الترمذي ، وإلى صحيح النسائي ، وإلى مسند أحمد بن حنبل ، وإلى مسند البزّار ، وإلى مسند عبد بن حُميد ، وإلى مستدرك الحاكم ، وإلى تلخيص المستدرك للذهبي ، وإلى تفسير الطبري ، وإلى تفسير ابن كثير ، وهكذا إلى الدر المنثور ، وغير هذه الكتب من تفاسير ومن كتب الحديث :

نجد أنّهم يروون عن ابن عباس ، وعن أبي سعيد ، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن زيد بن أرقم ، وعن أُمّ سلمة ، وعن عائشة ، وعن بعض الصحابة الآخرين :

أنّه لمّا نزلت هذه الآية المباركة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، جمع أهله ـ أي جمع عليّاً وفاطمة والحسن والحسين ـ وألقى عليهم كساءً وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ».

وفي بعض الروايات : ألقى الكساء على هؤلاء ، فنزلت الآية المباركة.

والروايات بعضها تفيد أنّ الآية نزلت ففعل رسول الله هكذا.

وبعضها تفيد أنّه فعل رسول الله هكذا ، أي جمعهم تحت كساء

١٠

فنزلت الآية المباركة.

قد تكون القضيّة وقعت مرّتين أو تكرّرت أكثر من مرّتين أيضاً ، والآية تكرّر نزولها ، ولو راجعتم إلى كتاب الإتقان في علوم القرآن للجلال السيوطي لرأيتم فصلاً فيه قسمٌ من الآيات النازلة أكثر من مرّة ، فيمكن أن تكون الآية نازلة أكثر من مرّة والقضيّة متكرّرة.

وسنقرأ إن شاء الله في البحوث الآتية عن حديث الثقلين : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ... » إلى آخر الحديث ، قاله في مواطن متعدّدة.

وقد ثبت عندنا أنّ النبي قال : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » أكثر من مرّة ، وإنْ اشتهرت قضيّة غدير خم.

وحديث « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » وارد عن رسول الله في مصادر أهل السنّة في أكثر من خمسة عشر موطناً.

فلا نستبعد أن تكون آية التطهير نزلت مرّتين أو أكثر ، لأنّا نبحث على ضوء الأحاديث الواردة ، فكما ذكرت لكم ، بعض الأحاديث تقول أنّ النبي جمعهم تحت الكساء ثمّ نزلت الآية ، وبعض الأحاديث تقول أنّ الآية نزلت فجمع رسول الله عليّاً

١١

وفاطمة والحسنين وألقى عليهم الكساء وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ».

فالحديث في :

١ ـ صحيح مسلم (١).

٢ ـ مسند أحمد ، في أكثر من موضع (٢).

٣ ـ مستدرك الحاكم (٣) ، مع إقرار الذهبي وتأييده لتصحيح الحاكم لهذا الحديث (٤).

٤ ـ صحيح الترمذي ، مع تصريحه بصحّته (٥).

٥ ـ سنن النسائي (٦) ، الذي اشترط في سننه شرطاً هو أشدّ من شرط الشيخين في صحيحيهما ، كما ذكره الذهبي بترجمة النسائي في كتاب تذكرة الحفاظ (٧).

ولا يخفى عليكم أنّ كتاب الخصائص الموجود الآن بين

__________________

(١) صحيح مسلم ٧ / ١٣٠.

(٢) مسند أحمد ١ / ٣٣٠ و ٦ / ٢٩٢ و ٣٢٣.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤١٦.

(٤) تلخيص المستدرك ( ط مع المستدرك ) ٢ / ٤١٦.

(٥) صحيح الترمذي ٥ / ٣٢٧ كتاب التفسير و ٦٢٧ و ٦٥٦ كتاب المناقب.

(٦) خصائص علي من سنن النسائي : ٤٩ و ٦٢ و ٨١ ، ط الغري.

(٧) تذكرة الحفاظ ١ / ٧٠٠.

١٢

أيدينا الذي هو من تأليف النسائي ، هذا جزء من صحيحه ، إلاّ أنّه نشر أو انتشر بهذه الصورة بالاستقلال ، وإلاّ فهو جزء من صحيحه الذي اشترط فيه ، وكان شرطه في هذا الكتاب أشدّ من شرط الشيخين في صحيحيهما.

٦ ـ تفسير الطبري ، حيث روى هذا الحديث من أربعة عشر طريقاً (١).

٧ ـ كتاب الدر المنثور للسيوطي ، يرويه عن كثير من كبار الأئمّة الحفّاظ من أهل السنّة (٢).

وقد اشتمل لفظ الحديث في أكثر طرقه على أنّ أُم سلمة أرادت الدخول معهم تحت الكساء ، فجذب رسول الله الكساء ولم يأذن لها بالدخول ، وقال لها : « وإنّك على خير » أو « إلى خير » (٣).

والحديث أيضاً وارد عن عائشة كذلك (٤).

واشتمل بعض ألفاظ الحديث على جملة أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسل إلى فاطمة ، وأمرها بأن تدعو عليّاً والحسنين ، وتأتي بهم إلى

__________________

(١) تفسير الطبري ٢٢ / ٥ ـ ٧.

(٢) الدرّ المنثور ٥ / ١٩٩.

(٣) أحمد ٦ / ٢٩٢ ، والترمذي ، وغيرهما.

(٤) صحيح مسلم ٧ / ١٣٠.

١٣

النبي ، فلمّا اجتمعوا ألقى عليهم الكساء وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » ممّا يدل على أن النبي كانت له عناية خاصة بهذه القضيّة ، ولمّا أمر رسول الله فاطمة بأن تأتي هي وزوجها وولداها ، لم يأمرها بأن تدعو أحداً غير هؤلاء ، وكان له أقرباء كثيرون ، وأزواجه في البيت عنده ، وحتّى أنّه لم يأذن لاُمّ سلمة أن تدخل معهم تحت الكساء.

إذن ، هذه القضيّة تدلّ على أمر وشأن ومقام لا يعمّ مثل أُمّ سلمة ، تلك المرأة المحترمة المعظّمة المكرّمة عند جميع المسلمين.

إلى هنا تمّ لنا المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة.

وهذا الاستدلال فيه جهة إثبات وجهة نفي ، أمّا جهة الإثبات ، فإنّ الذين كانوا تحت الكساء ونزلت الآية في حقّهم هم : علي وفاطمة والحسن والحسين فقط ، وأمّا جهة النفي ، فإنّه لم يأذن النبي لأن يكون مع هؤلاء أحد.

في جهة الإثبات وفي جهة النفي أيضاً ، تكفينا نصوص الأحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد وغيرها من الأحاديث التي نصّوا على صحّتها سنداً ، فكانت تلك الأحاديث صحيحةً ، وكانت مورد قبول عند الطرفين.

١٤

آية التطهير وأزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

لكن يبقى هناك في جهة النفي بحث يتعلّق بقولين :

أحدهما : ما ينقل عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، فهذا كان يصرّ على أنّ الآية نازلة في خصوص أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى أنّه كان يمشي في الاسواق ويعلن عن هذا الرأي ، ويخطّئ الناس باعتقادهم باختصاص الآية المباركة بأهل البيت ، ممّا يدلّ على أنّ الرأي السائد عند المسلمين كان هذا الرأي ، حتّى أنّه كان يقول : من شاء باهلته في أنّ الآية نازلة في أزواج النبي خاصّة ، وفي تفسير الطبري : إنّه كان ينادي في الأسواق بذلك (١) ، وفي تفسير ابن كثير إنّه كان يقول : من شاء باهلته أنّها نزلت في نساء النبي خاصّة (٢) ، وفي الدر المنثور ، كان يقول : ليس بالذي تذهبون إليه ، إنّما هو

__________________

(١) تفسير الطبري ٢٢ / ٧ ، ابن كثير ٣ / ٤١٥.

(٢) ابن كثير ٣ / ٤١٥ ، الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨.

١٥

نساء النبي (١).

فهذا هو القول الأوّل.

لكنّ هذا القول يبطله :

أوّلاً : إنّه قول غير منقول عن أحد من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثانياً : قول تردّه الأحاديث الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين.

ثالثاً : هذا الرجل كان منحرفاً فكراً وعملاً ، وكان معادياً لأهل البيت ومن دعاة الخوارج.

أذكر لكم جملاً ممّا ذكر بترجمة هذا الرجل :

كان خارجيّاً بل من دعاتهم ، وإنّما أخذ أهل أفريقيّة هذا الرأي ـ أي رأي الخوارج ـ من عكرمة ، ولكونه من الخوارج تركه مالك بن أنس ولم يرو عنه.

قال الذهبي : قد تكلّم الناس في عكرمة لأنّه كان يرى رأي الخوارج ، بل كان هذا الرجل مستهتراً بالدين ، طاعناً في الإسلام ، فقد نقلوا عنه قوله : إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس ، وقال في وقت الموسم أي موسم الحج : وددت أنّي بالموسم

__________________

(١) الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨.

١٦

وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً ، وإنّه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلاّ كافر ، وذكر أنّه كان لا يصلّي ، وأنّه كان يرتكب جملة من الكبائر.

وقد نصّ كثير من أئمّة القوم على أنّه كان كذّاباً ، فقد كذب على سيّده عبد الله بن عباس حتّى أوثقه علي بن عبد الله بن عباس على باب كنيف الدار ، فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ قال : إنّ هذا يكذب على أبي.

وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال لمولاه : يا برد إيّاك أن تكذب عَلَيّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.

وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر الذي هو من فقهاء المدينة المنوّرة : إنّ عكرمة كذّاب.

وعن ابن سيرين : كذّاب.

وعن مالك بن أنس : كذّاب.

وعن يحيى بن معين : كذّاب.

وعن ابن ذويب : كان غير ثقة.

وحرّم مالك الرواية عن عكرمة.

وقال محمّد بن سعد صاحب الطبقات : ليس يحتج بحديثه.

هذه الكلمات بترجمة عكرمة نقلتها : من كتاب الطبقات لابن

١٧

سعد ، من كلمات الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي ، من تهذيب الكمال للحافظ المزّي ، من وفيّات الأعيان ، من ميزان الإعتدال للذهبي ، المغني في الضعفاء للذهبي ، سير أعلام النبلاء للذهبي ، تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني (١).

هذه خلاصة ترجمة هذا الشخص.

لكن الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري ، في مقدمة هذا الشرح (٢) ، له فصل يدافع فيه عن رجال صحيح البخاري المقدوح فيهم ، عن الرجال المشاهير المجروحين الذين اعتمدهم البخاري ، فيعنون هناك عكرمة مولى ابن عباس ويحاول الذبّ عن هذا الرجل بما أُوتي من حول وقوّة.

إلاّ أنّكم لو رجعتم إلى كلماته لوجدتموه متكلّفاً في أكثرها أو في كلّ تلك الكلمات ، وهذه مصادر ترجمة هذا الشخص ذكرتها لكم ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى الكتب التي ذكرتها.

ومن طريف ما أُحبّ أن أذكره هنا : إنّ عكرمة وإنْ أخرج عنه البخاري ، لم يخرج عنه مسلم ، عكرمة أعرض عنه مسلم وإن

__________________

(١) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٨٧ ، تهذيب الكمال ٢٠ / ٢٦٤ ، تهذيب التهذيب ٧ / ٢٦٣ ، المغني في الضعفاء للذهبي ٢ / ٨٤ ، ميزان الإعتدال ٣ / ٩٣ ، وغيرها.

(٢) هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٥٢٤.

١٨

اعتمده البخاري ، ومن هنا قالوا : إن أصحّ الكتب كتاب البخاري وكتاب مسلم ، وأصحّهما كتاب البخاري ، فلامر ما قدّموا البخاري !! ولي أيضاً شواهد على هذا.

سأقرأ لكم حديث الثقلين من صحيح مسلم ، والبخاري لم يرو حديث الثقلين في صحيحه ، سأذكر لكم ـ إن شاء الله ـ حديثاً عن صحيح مسلم فيه مطلب مهمّ جدّاً يتعلّق بالشيخين ، وقد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع متعددة وحرّفه وذكره بألفاظ وأشكال مختلفة.

إذن ، كون عكرمة من رجال البخاري لا يفيد البخاري ولا يفيد عكرمة إنّه ربّما يحتجّ لوثاقة عكرمة باعتماد البخاري عليه ، ولكن الأمر بالعكس ، إنّ رواية البخاري عن عكرمة من أسباب جرحنا للبخاري ، من أسباب عدم اعتمادنا على البخاري ، ولو أنّ بعض الكتّاب المعاصرين ـ ولربّما يكون أيضاً من أصحابنا الإماميّة ـ يحاولون الدفاع عن عكرمة ، فإنّهم في اشتباه.

وعلى كلّ حال ، فالقول باختصاص الآية المباركة بأزواج النبي ، هذا القول مردود ، إذ لم يرو إلاّ عن عكرمة ، وقد رفع عكرمة راية هذا القول ، وجعل ينشره بين الناس ، وطبيعي أن الذين يكونون على شاكلته سيتقبلون منه هذا القول.

١٩

الثاني : وهو القول بأنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة : أهل البيت ـ أي علي وفاطمة والحسنان ـ والأزواج أيضاً.

هذا القول إذا رجعنا إلى التفاسير المعتبرة ، لوجدنا مثل ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير (١) ، الذي هو من التفاسير المشهورة ، ينسب هذا القول إلى الضحّاك فقط ، ولم نجد في كتاب ابن الجوزي وأمثاله من يعزو هذا القول إلى غير الضحّاك.

أترى أنّ قول الضحّاك وحده يعارض ما روته الصحاح والسنن والمسانيد عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبد الله ، وعن زيد بن أرقم ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن أُمّ سلمة ، وعن عائشة ؟

وعجيب ، إنّ هؤلاء يحاولون أن يذكروا لزوجات النبي فضيلة ، والحال أنّ نفس الزوجات هنّ بأنفسهنّ ينفين هذا القول ، فأُمّ سلمة وعائشة من جملة القائلين باختصاص الآية المباركة بأهل البيت ، وكم من عجيب عندهم ، وما أكثر العجب والعجيب عندهم ، يحاولون الدفاع عن الصحابة أجمعين اكتعين كما يعبّر

__________________

(١) زاد المسير في علم التفسير ٦ / ٣٨١.

٢٠